تشهد سياسة فرنسا الخارجية في عهد ماكرون تخبّطاً وارتجالية، إذ يرتكز الرئيس الفرنسي على أوهام عودة قوة فرنسا الإمبراطورية، محاولاً إحياء عقيدة ديغول، متناسياً التغيّرات العالمية، يرافقه في كل ذلك جنون عظمة يذهب به إلى حد إعادة عهد الوصاية الاستعمارية.

فشل معظم جهود ماكرون في سنوات حكمه الأولى على صعيد ملفات السياسة الخارجية
فشل معظم جهود ماكرون في سنوات حكمه الأولى على صعيد ملفات السياسة الخارجية (AA)

في ما يُشبه وزارة خارجية موازية، تمتلك الرئاسة الفرنسية وحدة تعمل على ملفات السياسة الخارجية تُدعى "الخلية الدبلوماسية"، بدا أخيراً أن اثنين من قادتها يعيثان فساداً، مما أدّى إلى مغادرة عدد من موظّفيها، بعد أن خُلق جوّ من العدائية داخلها طال عدداً من أجزاء الإدارة الفرنسية (خصوصاً الصراع مع وزارة الخارجية)، ووصل إلى حدّ غضب عدد من الحكومات الأجنبية والبعثات الدبلوماسية في باريس، حسب ما نقله موقع بوليتيكو في نسخته الأوروبية.

ما كشفه الموقع لا يعدّ سوى القمّة الظاهرة لجبل جليد التخبّط الفرنسي في السياسة الخارجية في عهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي اختطّ لنفسه وإدارته منهجاً جديداً يُريد إحياء عقيدة الجنرال شارل ديغول بشكل كاريكاتوري، وإعادة مكانة فرنسا إلى ما كانت عليه سابقاً، عائداً بالتاريخ إلى الوراء متجاهلاً مُعطيات الحاضر المتغيّرة.

ففي سنوات حكمه الأولى، فشل معظم جهود ماكرون في ملفات السياسة الخارجية، وشكّل قائمة طويلة من الإخفاقات على صُعد مختلفة، أوروبياً وعالمياً، سواء ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وانتصار القوى الشعبوية في دول كإيطاليا والنمسا، وفشل الصفقة النووية الإيرانية، والرهان على الجنرال الانقلابي خليفة حفتر في ليبيا.

كل ذلك لم يثنِ ماكرون عن المحاولة، عائداً في كل مرّة إلى التاريخ الفرنسي، حتى الاستعماري منه، فحينما وصل إلى بيروت بعد ساعاتٍ من انفجار مرفأ العاصمة، معزّياً ومتضامناً، كانت التفاصيل والتصريحات التي أحاطت بالزيارة تُشير إلى أبعد من التعزية والتضامن والدعم، وتذهب في اتجاه الوصاية الاستعمارية الفجّة والمباشرة.

كما أن ماكرون غالباً ما يركّز جهوده الدبلوماسية حول شخصه، ففي سياق حديثه عن زيارته الثانية إلى لبنان، قال في حوار أجراه معه موقع بوليتيكو: "ما أقوم به في لبنان هو رهانٌ فيه مخاطرة. أنا مدرك هذا الأمر… إنني بهذا أضع الشيء الوحيد الذي أملك على الطاولة: رأسمالي السياسي".

في هذا الصدد قالت صحيفة L'Humanité الفرنسية، إن ماكرون ليس إلا "انتهازياً سياسياً" يملك "علاقة متناقضة مع تاريخ فرنسا، الذي يمثّل له سردية وطنية ينظر إلى نفسه على أنه متعهدها ووريثها".

ونقلت الصحيفة عن المؤرخ الفرنسي جون-نوما ديكانج قوله إن ماكرون مهووس بالتاريخ وإنه "في إطار جنون العظمة الذي تَملَّكه بعد توليه الرئاسة، ينظّر لمكانته في التاريخ، ويَنظُر إلى نفسه باعتباره رجل الانتقال. إنه مهووس بالتخلص من صورة المصرفيّ ورجل الأعمال التي رافقته في 2017، ويريد البرهنة على امتلاكه القدرة على الدخول إلى تاريخ فرنسا".

جنون العظمة هذا وتمركز ماكرون حول ذاته، يدفعانه إلى حركات قد تبدو استعراضية ومتهورة في ملفات السياسة الخارجية، "فهو يميل إلى نوع من الدبلوماسية التي تخلق ردود الفعل"، حسب ما جاء في ورقة بحثية لـمركز سيتا.

وتضيف الورقة: "في ظل الفوضى الدولية، سعى الرئيس الفرنسي للاقتداء بالرئيسين السابقين، الجنرال شارل ديغول وفرنسوا ميتران، وتقليدهما استناداً إلى تاريخ فرنسا في مجمع الأمم، لكنه حاكى أيضاً سيرة الإمبراطور الشاب نابليون بونابرت ودوره في صناعة الأمجاد الفرنسية الغابرة".

ولدخول التاريخ وإعادة رسم صورة فرنسا القوية خارجياً، يستلهم ماكرون بالأساس عقيدة ديغول التي كانت تقوم على استخدام القوّة، وقيادة أوروبا في الملفات الحساسة، على الرغم من أن فرنسا اليوم لم تعد في موضعها القيادي كما كان شأنها وقت ديغول، ويبدو ذلك جلياً اليوم في عدم قدرة ماكرون على إقناع قادة أوروبا داخل وخارج إطار الاتحاد الأوروبي بمواجهة تركيا، أو فشلها في تدبير أوروبي موحد لملف بريكست، على سبيل المثال لا الحصر.

تقوم عقيدة ديغول في السياسة الخارجية على مبدأ "احترام التحالفات دون التماهي مع الولايات المتحدة"، وهو مبدأ اتّبعه كل رؤساء الجمهورية الخامسة حتى عهد شيراك، وتخلى عنه ساركوزي وهولاند فقط، ويحاول ماكرون العودة إليه اليوم، حسب صحيفة لوموند ديبلوماتيك الفرنسية.

يظهر ذلك جلياً في استغلال ماكرون ضَعف الولايات المتحدة في عهد ترمب، وانشغال الإدارة الأمريكية بالمعارك السياسية الداخلية قُبيل الانتخابات الرئاسية، ليحرّك التأثير الخارجي الفرنسي، تارة في افتعال الخصومات مع تركيا ومهاجمتها في عدد من الملفات، وتارة في التدخُّل الفجّ في السياسة الداخلية اللبنانية التي تُعيد صورة المُستعمِر القديم.

في هذا الصدد قال إيلتار طوران أستاذ العلوم السياسية في جامعة "إسطنبول بيلغه"، إن فرنسا ترغب في رؤية نفسها على أنها القوة العسكرية لأوروبا، مضيفاً أن "فرنسا لا تزال تعتقد أنها إمبراطورية ولا تريد تقبُّل حقيقة أنها دولة عادية كسائر دول العالم، وبالتالي لا تعطي قيمة لحلف ناتو"، حسب تصريح سابق وكالة الأناضول.

وأردف الأكاديمي التركي: "فرنسا تعمل على تقويض حلف شمال الأطلسي، لعدم سماح الأخير لها باتباع سياسة "أنا المسؤول الوحيد عن أوروبا". وتحاول تحقيق هدفها هذا عبر مطالبة الناتو مؤخراً، بالتصدي لتركيا في شرقي المتوسط".

فشل فرنسا في ذلك، دفع ماكرون إلى القول عشية الذكرى السبعين لتأسيس الناتو، إن الحلف "يعيش حالة موت سريري، محذراً من وجود أوروبا على حافة الهاوية، متحدثاً عن احتمال اختفائها عن مسرح اللعبة الدولية إذا لم تتمكن من استعادة مقومات القوة وتبلور سياسة دفاعية وخارجية متماسكة"، حسب مركز سيتا.

المصدر: TRT عربي - وكالات