بدأ القضاء التركي محاكمة 20 متهماً غيابياً في جريمة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، بما يعيد القضية إلى الواجهة ويعطي أملاً جديداً في إنفاذ العدالة، على الرغم من محاولات السلطات السعودية صرف أنظار العالم عنها.

القضاء التركي بدأ الجمعة، أولى محاكمات المتهمين في جريمة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي
القضاء التركي بدأ الجمعة، أولى محاكمات المتهمين في جريمة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي (AA)

على الرغم من سعي السلطات السعودية الدؤوب إلى صرف أنظار العالم عن جريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي والتي تورّط مسؤولون كبار في المملكة في ارتكابها في أكتوبر/تشرين الأول 2018، لا تمر بضعة أشهر أو حتى أسابيع حتى تعود القضية إلى الواجهة، وتصبح حديثاً للرأي العام العربي والعالمي مجدداً.

أمل جديد في العدالة

في أحدث تطورات القضية، انتهت، الجمعة، أعمال الجلسة الأولى من محاكمة 20 متهماً في قضية مقتل خاشقجي غيابياً.

وأفاد مراسل TRT عربي أنه تم تحديد 24 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل موعداً لاستئناف المحاكمة في القضية.

من جانبها، قالت المقررة الأممية الخاصة بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء أغنيس كالامارد، الجمعة، إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان هو المسؤول الأول عن اغتيال خاشقجي، داخل قنصلية بلاده في مدينة إسطنبول التركية.

جاء ذلك في تصريحات صحفية أدلت بها كالامارد، الجمعة، في إسطنبول، في حين تُعقد أولى محاكمات 20 متهماً في قضية مقتل خاشقجي غيابياً، على رأسهم مستشار ولي العهد محمد بن سلمان السابق سعود القحطاني، ونائب رئيس المخابرات السعودية السابق أحمد العسيري.

وأشارت كالامارد إلى وجود كثير من الأدلة التي لم تكشفها الإدارة الأمريكية عن الجريمة والتي تثبت تورط محمد بن سلمان بها. واعتبرت كالامارد أنه من المفروض إدانة محمد بن سلمان أيضاً، حيث يعد المتهمان الرئيسيان، وهما العسيري وسعود القحطاني، من أهم مساعدي ولي العهد.

وأضافت أن المحاكمة في إسطنبول "أكثر عدلاً وشفافية من المحاكمة التي جرت في السعودية".

وكانت النيابة العامة التركية قد أعدت في مارس/آذار الماضي، لائحة اتهام من 117 صفحة ضد المتهمين الصادر بحقهم قرار توقيف لارتباطهم بالجريمة.

وتحتوي اللائحة على اسم خاشقجي بصفة "المقتول" وخطيبته جنكيز بصفة "المُدعي"، وتطالب بالحكم المؤبد بحق النائب السابق لرئيس المخابرات السعودية أحمد عسيري والمستشار السابق في الديوان الملكي السعودي سعود القحطاني، وكلاهما مقرب من ولي العهد محمد بن سلمان، بتهمة "التحریض على القتل مع سبق الإصرار والترصد والتعذيب بشكل وحشي".

كما تطالب لائحة الاتهام بالحكم المؤبد بحق 18 شخصاً يُعتقد بأنهم كانوا أعضاء كتيبة الإعدام التي وصلت إسطنبول لتنفيذ جريمة قتل الكاتب السعودي البارز، بتهمة "القتل مع سبق الإصرار والترصد والتعذيب بشكل وحشي".

وتشير اللائحة إلى أن عسيري والقحطاني خططا لعملية القتل وأمرا فريق الجريمة بتنفيذ المهمة.

وتلفت النيابة في لائحتها، إلى أنه خلال التحقيقات، روجِعت المكالمات الهاتفية للضالعين في الجريمة ورُضِدت جميع تحركاتهم داخل الأراضي التركية. كما تؤكد أنها أعدت اللائحة، بعد الاستماع إلى جميع الأطراف، والاطلاع على المكالمات الهاتفية وكاميرات المراقبة، ومتابعة سير التحقيقات في المحاكم السعودية وجمع الأدلة المختلفة.

وتشير النيابة التركية إلى إصدار مذكرة بحث حمراء بحق الأشخاص الـ20، وإلى أن الشرطة الدولية (الإنتربول) والسلطات السعودية أُبلِغتا بطلب تسليمهم إلى تركيا.

مناورات سعودية

وتأتي الخطوات القضائية التركية بعد سلسلة طويلة من المناورات السعودية الهادفة إلى إماتة القضية وصرف نظر الرأي العام الدولي عنها، سواءً عبر مسارات قضائية لا تؤدي إلى شيء أو إغراءات وضغوط سياسية تُمارسها المملكة على أطراف المجتمع الدولي وأسرة الصحفي القتيل.

فعلى الصعيد القضائي، قالت النيابة السعودية في ديسمبر/كانون الأول 2019، إن محكمة سعودية حكمت بالإعدام بحق 5 متهمين وسجن ثلاثة آخرين لمدة 24 عاماً أُدينوا بالضلوع في ارتكاب الجريمة، دون أن توضح هُوية المحكمة التي أصدرت الأحكام.

واللافت أنه حسب النيابة السعودية، فقد أُفرِج عن سعود القحطاني بعدما أُخليت ساحته من التورط في الجريمة، وأُفرِجَ كذلك عن أحمد عسيري "لعدم كفاية الأدلة" التي تدينه.

وبعد أيام من إصدار الأحكام تبيّن أن السعودية تجاهلت تماماً المقررات الأممية حول الجريمة، إذ كشفت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية وقتها، أن الرياض تسعى لإعادة القحطاني إلى الواجهة، بعد أن برأته النيابة العامة.

ورداً على قرارات القضاء السعودي، قال وزير العدل التركي عبد الحميد غل: "يبدو أنه توجد محاولات لإنقاذ أشخاص ما في السعودية، فالسلطات لم تجر المحاكمة بشفافية كاملة، ولا يمكن قبولها تماماً".

وأكد الوزير التركي حينها أن بلاده اقترحت منذ البداية إجراء تحقيق دولي شفاف، لافتاً إلى أن السلطات القضائية التركية تواصل إجراءات محاكمتها في القضية، لأن الجريمة وقعت على الأراضي التركية.

فيما قالت الخارجية التركية آنذاك، إن أحكام القضاء السعودي "بعيدة عن تلبية تطلعات أنقرة والمجتمع الدولي"، وتعبر عن "قصور أساسي في تجلّي العدالة ومبدأ المساءلة".

على صعيدٍ آخر، استمرت اللوبيهات ومجموعات الضغط السعودية في الولايات المتحدة وأوروبا، في إقناع القادة السياسيين وصناع القرار بتجاهل القضية، الأمر الذي تشير إليه اتهامات وجّهها أعضاء في الكونغرس إلى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالمساعدة في التستر على الجريمة، ومطالبات بنشر تقرير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA والاستخبارات الوطنية DNI حول الجريمة.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تواصلت الإغراءات والضغوط على عائلة خاشقجي، حتى نشر نجله صلاح في مايو/أيار الماضي، بياناً أعلن فيه عفو العائلة عن قتلة أبيه.

في هذا الصدد يقول المحلل المختص في الشأن الخليجي جورجيو كافيرو: "يجب أن نتوقع أن تكون ضغوطاً كبيرة مارسها مسؤولون سعوديون على أفراد عائلة جمال خاشقجي، وبالتالي فمن غير المرجّح أنهم امتلكوا بالفعل خيار العفو".

وفي إشارة إلى تقارير إعلامية تفيد بأن صلاح نجل خاشقجي الذي يحمل الجنسية الأمريكية بالإضافة إلى جنسيته السعودية، ممنوع من مغادرة المملكة منذ مقتل والده، يقول كافيرو في حديث إلى TRT World إنه "على الصعيد العملي، لم يكن متوقعاً أن يُحاكَم قتلة خاشقجي على جريمتهم، ولكن بهذا العفو بات واضحاً أن الأمر لا يعدو كونه انتهاكاً صارخاً للعدالة".

ليست قضية عائلية

وتعليقاً على بيان نجل خاشقجي، قال الناشط الحقوقي والمعارض السعودي يحيى عسيري إن "قضية قتل جمال خاشقجي ليست قضية عائلية"، لتُغلق بمجرد عفو أفراد العائلة عن المجرم.

وأضاف عسيري في تغريدة أن الجريمة "ليست قتل خطأ في إطار طبيعي. لم يقتله أحد بسبب وضع شخصي لنصمت وتتدخل عائلته، هي جريمة سلطات، قتلته السلطات بسبب عمله السياسي"، وبالتالي فإن "قضيته سياسية، فليصمتوا!".

وشدد عسيري على أن هذا الموقف ليس رد فعلٍ على بيان صلاح خاشقجي، وإنما موقف قديم، مدللاً ببيانٍ وقّع عليه سياسيون ونشطاء سعوديون في ديسمبر/كانون الأول 2019، أعربوا فيه عن رفضهم القاطع "استخدام السلطات لأسرة المغدور جمال خاشقجي أو بعضهم، فالقضية ليست عائلية، بل قضية رأي عام، وجمال رحمه الله لم يقتل في شجار جنائي عائلي، بل هو كاتب سياسي قتلته السلطات، والقضية تهمنا كسياسيين أكثر من أسرته".

وفي 2 أكتوبر/تشرين الأول 2018، قُتِل خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول، وباتت القضية من بين الأبرز والأكثر تداولاً في وسائل الإعلام والرأي العام الدولي منذ ذلك الحين.

وعقب 18 يوماً من الإنكار، قدّمت خلالها الرياض تفسيرات متضاربة للحادث، اعترفت أخيراً السلطات السعودية بمقتل خاشقجي إثر "شجار مع سعوديين"، وأعلنت توقيف 18 مواطناً في إطار التحقيقات، دون الكشف عن مكان الجثة، الذي لا يزال سراً حتى هذه اللحظة.

المصدر: TRT عربي