أقدم جيش الاحتلال الإسرائيلي على حملة إغلاق شرسة لمؤسسات إعلامية وصحية وتربوية في القدس، بحجة أنها مدعومة من السلطة الفلسطينية. يأتي ذلك في سياق محاصرة الوجود الفلسطيني في المدينة.

الاحتلال الإسرائيلي  يواصل حملة التضييق على المؤسسات الفلسطينية بالقدس
الاحتلال الإسرائيلي  يواصل حملة التضييق على المؤسسات الفلسطينية بالقدس (AFP)

يستمر الاحتلال الإسرائيلي في التضييق على المؤسسات الفلسطينية بالقدس في محاولة منه لإلغاء الوجود الفلسطيني وتهويد المدينة التي يعتبرها عاصمة مزعومة له، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب القدس عاصمة لإسرئيل.

وفي آخر إجراءات التهويد أغلق جيش الاحتلال مكاتب مؤسسات فلسطينية عدة عاملة في القدس لمدة ستة أشهر، لتنضمّ إلى قائمة طويلة من المؤسسات المغلقة بقرار إسرائيلي، مانعاً بذلك أي نشاط سياسي أو صحي أو إعلامي هناك.

وعلى مدار السنوات الماضية أغلق الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 88 مؤسسة فلسطينية في القدس، منها مؤسسات تعليمية واجتماعية وثقافية، سعياً لمحاصرة جهود أهالي القدس في حماية مدينتهم وإلغائها.

قرار الإغلاق جاء بأمر من وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي جلعاد أردان، بإغلاق مؤسسة بيت الشرق والغرفة التجارية، والمجلس الأعلى للسياحة، والمركز الفلسطيني للدراسات، ونادي الأسير ومكتب الدراسات الاجتماعية والإحصائية، بالإضافة إلى مكتب تليفزيون فلسطين في القدس الشرقية، بدعوى أن هذه المؤسسات تموّلها السلطة الوطنية الفلسطينية، وهو ما يعدّه الاحتلال انتهاكاً للقانون الإسرائيلي.

وقال وزير الأمن الداخلي إن قرارات الإغلاق تمنع "كل إنسان أو منفذ أو عامل في الفاعلية من الاستمرار في هذه الفاعلية في كل مكان آخر في نطاق دولة إسرائيل"، معتبراً أن السلطة الفلسطينية تسعى للتدخل في تعليم أطفال القدس الشرقية، لذلك أغلق لجنة أولياء الأمور الفلسطينية التابعة لوزارة التعليم الفلسطينية، والتي تعمل من مدرسة "الأيتام" في البلدة القديمة بالقدس.

تصفية الوجود الفلسطيني

يرى عضو المجلس الوطني الفلسطيني نبيل عمرو في حديث لـTRT عربي، أن "إسرائيل تريد تصفية الوجود الفلسطيني في القدس، في سياق محاولتها فرض سياسة الأمر الواقع في الضفة الغربية، لذلك نستطيع القول إن الاستيطان الإسرائيلي وإحكام السيطرة على الفلسطينيين والمصادرات أصبح السياسية اليومية لإسرائيل".

سنستمرّ في إفشال أي محاولة تدخُّل للسلطة الفلسطينية لانتهاك سيادتنا في عاصمتنا، وإفشال تحريض سكان القدس ضدّ إسرائيل

وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي - جلعاد أردان

ويرجع عمرو أسباب هجمة الاحتلال إلى "التنافس الدائر على رئاسة الحكومة الإسرائيلية، إذ يأخذ المتنافسون مما تبقى من الحقوق الفلسطينية لإحراز الأصوات، وكلما أظهروا قسوة تجاه الفلسطينيين وتحريضاً عليهم أحرزوا أصواتاً أكثر"، مشيراً إلى أن هذا الخطر لا يتعلق بالقدس فقط، بل يطال كل الحقوق الفلسطينية، ومن بينها الأغوار التي يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى ضمّها.

ويضيف: "نحن أمام سُعار إسرائيلي لا يوقفه أحد، والولايات المتحدة تزيده وتدعم الإجراءات الإسرائيلية وتعطي هذه الإجراءات الاستيطانية شرعية".

دعم أمريكي

لم تكتفِ إسرائيل بإغلاق المؤسسات، بل وقفت مدير مكتب مديرية التربية والتعليم سمير جبريل ومدير مكتب شركة "الأرز" في القدس أيمن أبو رموز وحولتهما للتحقيق حسب ما أفاد به محامي هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية محمد محمود، إذ جرى تمديد توقيفهما حتى الخميس، كما سُلّمت أوامر استدعاء للتحقيق لكل من المدير العامّ لشركة "الأرز" نزار يونس، ومراسلة تليفزيون فلسطين في القدس كريستين ريناوي.

هذه الإجراءات جاءت بعد تأييد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بناء مستوطنات إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، لتتخلى بذلك واشنطن عن موقفها وعن الموقف الدولي منذ أربعة عقود، الذي يصف المستوطنات بأنها "مخالفة للقانون الدولي".

قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي إغلاق بعض المؤسسات الفلسطينية في القدس، تجاوز لكل الخطوط وتصفية للوجود الفلسطيني ومؤسساته في المدينة المقدسة

وكيل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية - حسام أبو الرب

ويضرب الاحتلال وواشنطن في صلب قضايا الحل النهائي لتسوية القضية الفلسطينية، مثل القدس والحدود والمستوطنات واللاجئين والمياه، "فوفقاً للمنطق الأمريكي الإسرائيلي المشترك لم يبقَ ما يمكن التفاوض عليه، بما في ذلك بديهيات الحلّ النهائي"، حسبما يقول نبيل عمرو لـTRT عربي، "فواشنطن تعتبر أن حل قضية اللاجئين بتصفيتها، وحل قضية الحدود بإلغائها، والاستيطان بعدم مقاومته، لذلك نرى أمريكيين يحكمون بجانب الإسرائيليين المتطرفين".

ويضيف عمرو لـTRT عربي "ليس أمامنا سوى البقاء في هذه الأرض والتشبُّث بحقوقنا والصمود، وبالتالي لا تستطيع إسرائيل مواجهة الكثافة البشرية الفلسطينية المتماسكة على الأرض الفلسطينية أو أن تنهي القضية الفلسطينية، وهذا ما يزعج إسرائيل التي لن تستوعب ملايين الفلسطينيين ضمن أي ترتيبات إسرائيلية، إلا إذا حصل حلّ للدولتين".

ويدعم محافظ القدس عدنان غيث رأي نبيل عمرو، إذ قال لوكالة رويترز إن "إغلاق المؤسسات الفلسطينية في القدس يأتي في إطار الهجمة الإسرائيلية المستمرة على القدس وفي سياق الدعم الأعمى من إدارة ترمب لهذا الاحتلال".

من جانبه استنكر نادي الأسير الفلسطيني في بيان إغلاق مكتبه واعتقال الاحتلال مديري المؤسسات، فيما قالت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية إن "مكتب التربية الذي أغلقته إسرائيل تابع لدائرة الأوقاف الإسلامية، وإنه يخدم نحو 100 ألف طالب ويتابع شؤونهم"، مشيراً إلى أن إغلاقه سيترك عشرات المدارس وآلاف الطلبة دون متابعة.

ولم تقتصر الانتهاكات على المؤسسات التربوية والإعلامية، بل طالت القطاع الصحي، إذ صادرت قوات الاحتلال الإسرائيلي جهاز حاسوب وملفات للمركز الصحي العربي الواقع على مقربة من سور البلدة القديمة في المدينة المحتلة، كما أخضعت مديره للتحقيق.

وقال مدير المركز أحمد سرور عقب خروجه من التحقيق، في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية، إن "نحو 40 عنصراً من القوات الخاصة والشرطة وحرس الحدود والمخابرات الإسرائيلية اقتحموا المركز وشرعوا في تفتيشه وصادروا جهاز حاسوب ووثائق وملفات".

وفي ذات السياق اعتبرت عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حنان عشراوي أن إسرائيل "تتعمد إكمال التطهير العرقي للفلسطينيين في القدس مع استهداف جميع جوانب الحياة الفلسطينية هناك وفي جميع أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة".

كما استنكرت وزارة الإعلام الفلسطينية ونقابة الصحافيين الفلسطينيين والمركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية “مدى” وغيرها من المؤسسات القرار الإسرائيلي.

المصدر: TRT عربي