عاد التوتر يسيطر على المشهد في لبنان بعد استمرار فشل تشكيل الحكومة، الأمر الذي أثار غضب المتظاهرين الذين تصادموا مع قوى الأمن لتكون الاحتجاجات الأخيرة الأعنف منذ بداية الحراك.

قوات الأمن تحاول تفريق متظاهرين ببيروت باستخدام خراطيم المياه
قوات الأمن تحاول تفريق متظاهرين ببيروت باستخدام خراطيم المياه (Reuters)

لم تهدأ وتيرة الاحتجاجات في لبنان منذ اشتعال فتيلها 17 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وعلى الرغم من أنها أجبرت حكومة سعد الحريري على الاستقالة في 29 من الشهر نفسه، فإن مسألة تشكيل الحكومة لا تزال عالقة نتيجة رفض المحتجين الذين يدعون لعصيان مدني بسبب تأخر تشكيلها، فيما يواصل رئيس الوزراء المكلف حسان دياب منذ أكثر من 4 أسابيع، مشاورات لتشكيلها.

وبدأ لبنان يعاني أسوأ أزمة اقتصادية منذ الحرب الأهلية بين 1975 و1990 في ظل استمرار الاحتجاجات وفشل تشكيل الحكومة، فيما عادت أعداد كبيرة من المتظاهرين إلى شوارع العاصمة احتجاجاً على ما يرونه لا مبالاة من قِبل السلطات السياسية بمطالبهم، لتتحول الاحتجاجات إلى مواجهات وأعمال شغب تعتبر الأعنف منذ بدء خروج المظاهرات.

إصابات ومحاولات للتهدئة

ساعات من الاشتباكات بين قوات الأمن ومتظاهرين أسفرت عن إصابة 220 شخصاً، حسب الصليب الأحمر اللبناني، فيما قام الأمن اللبناني باعتقال عدد من المتظاهرين، أثير لاحقاً الحديث حول تعرُّضهم للضرب في مراكز التوقيف، بخاصة بعد تداول مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تكشف تعرُّض موقوفين للضرب خلال خروجهم من آلية لسوق السجناء، الأمر الذي أجبر قوى الأمن الداخلية على التصريح بتوقيف أي عنصر اعتدى على الموقوفين وفتح تحقيق في الحادث.

في المقابل، نشرت قوى الأمن الداخلي على صفحتها في تويتر معلومات تفيد بتعرض عناصر الأمن لاعتداء من قبل المتظاهرين.

وقالت في تغريدة أخرى: "بعد الإنذارات التي أطلقناها عبر وسائل الإعلام لمغادرة المتظاهرين السلميين, سيُلاحَق ويوقَّف الأشخاص الذين يقومون بأعمال شغب, وسيُحالون إلى القضاء".

وتحول وسط بيروت إلى ساحة مواجهات حادة بين محتجين وقوى أمنية حاولت تفرقتهم، إذ "استخدم فيها المحتجون جذوع الأشجار وأعمدة إشارات السير لمهاجمة القوى الأمنية التي ردت باستخدام خراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع".

وفي أعنف جولة من المواجهات تشهدها المدينة منذ انطلاق الاحتجاجات في 17 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وتحت عنوان "لن ندفع الثمن"، انطلقت مسيرات من نقاط عدة في بيروت احتجاجاً على تأخير تشكيل الحكومة.

في خضم ذلك، حاول المسؤولون في لبنان ضبط التوتر، إذ استدعى الرئيس اللبناني ميشال عون الجيش لإعادة الهدوء إلى بيروت.

وقال مكتب الرئاسة اللبنانية مساء السبت، إن عون "دعاهم للحفاظ على أمن المتظاهرين السلميين والأملاك العامة والخاصة وإعادة الهدوء إلى وسط بيروت".

من جانبها، قالت ريا الحسن وزيرة الداخلية اللبنانية إن من غير المقبول أن يعتدي المحتجون على قوات الأمن، وذلك في وقت نشبت فيه اشتباكات بين الجانبين في وسط بيروت مساء اليوم السبت.

أما رئيس الوزراء اللبناني المستقيل سعد الحريري فقال "طريق لتهدئة العاصفة الشعبية، توقَّفوا عن هدر الوقت وشكِّلوا الحكومة وافتحوا الباب للحلول السياسية والاقتصادية".

وأضاف في تغريدة له على تويتر: "بقاء الجيش والقوى الأمنية والمتظاهرين في حالة مواجهة... دوران في المشكلة وليس حلاً"

وردّت مصادر نيابية في كتلة التنمية والتحرير على تصريح الحريري الذي اتهم "جهات معروفة" بتخريب العاصمة واستهداف الممتلكات العامة والخاصة، بالقول إنه "إذا كان الحريري يعلم بهذا المخطط فلماذا لا يكشف عن هوية هؤلاء المخربين؟"؛ سائلة عن الفائدة من توجيه الاتهامات بالجملة، حسب صحيفة الأنباء اللبنانية.

وكتبت صحيفة الأنباء تحت عنوان: "فوضى الشارع تسابق الانهيار... والحكومة تنتظر عملية قيصرية" منوهة بأنه "لا شيء يتصدّر اهتمامات اللبنانيين سوى انفلات الشارع ومشاهد المواجهات في بيروت التي تتكرر وتتنقل من مكان إلى آخر"، مشيرة إلى أن هذه المشاهد تنذر بالأسوأ إذا ما استمرت الأمور على ما هي عليه، وسط التعقيدات والضغوط المالية والاقتصادية والنقدية والمعيشية.

ورأت الصحيفة أن القطاعات العامة منهكة أصلاً بالهدر والفساد والمحسوبيات والمذهبية، والقطاع الخاص عرضة للانهيار بفعل سوء الإدارة من السلطة والتخريب الذي يطالها في الاحتجاجات.

حكومة أم شغب؟

تأخر تشكيل الحكومة وغضب الشارع من هذا السبب أثار موجة انتقادات كبيرة للمسؤولين في لبنان، فكتبت صحيفة الأخبار اللبنانية تحت عنوان: "تأليف الحكومة: بقيت عقدة فرنجية"، منتقدة تقاذف المسؤوليات بين أهل السلطة غير آبهين بالأوضاع التي وصلت إليها البلاد ولا بالغضب في الشوارع، وهو الدور الذي لا يتقنون غيره، حسب الصحيفة.

وقالت الصحيفة: "السلمية المعتمدة من قبل بعض المعتصمين أثبتت لا جدواها في ظل تصلّب السياسيين وتجاهلهم لما يجري في مختلف المناطق اللبنانية. وحدها أعمال الشغب التي حصلت منذ يومين أمام مصرف لبنان وفي شارع الحمرا، أعادت لمّ شملهم ووضعتهم أمام خيارين، إما تأليف حكومة أو فتح الباب على مزيد من شغب المصارف، نقطة ضعفهم الرئيسية".

وأشارت الصحيفة إلى وجود من اصطنع عقبات جديدة في الوقت الذي كان من المفترض أن توضع لمسات التشكيلة الحكومية. وتساءلت الصحيفة عن "الغاية من التلاعب بمصير البلد وتأجيج الغضب الشعبي وتعميق أزمة المواطنين الاقتصادية والاجتماعية".

من جانبها، تساءلت صحيفة النهار اللبنانية فيما إذا حجبت صورة وسط بيروت المشتعل السؤال البدهي عن ما إذا ما كان مشهد الوسط المحترق تحت وابل المواجهات بين المتظاهرين والقوى الأمنية قد أطاح الطابع السلمي الذي اتسمت به الانتفاضة، على حد تعبير الصحيفة.

وأضافت الصحيفة تحت عنوان: "مَن فجّر أسوأ المواجهات في وسط بيروت وما رسائلها؟" إلى أين تأخذ هذه المواجهات البلاد التي باتت مكشوفة أمنياً وسياسياً، مهددة المتظاهرين السلميين بقمع حراكهم بالقوة، بعدما غيبت السلطة السياسية صوتهم الصادح على مدى أكثر من أشهر".

المصدر: TRT عربي - وكالات