يدّعي نظام الأسد وداعموه استهدافهم لغير المدنيين في حربهم على آخر معاقل المعارضة السورية في مناطق خفض التصعيد، إلا أن صحيفة ديلي تلغراف البريطانية كشفت عبر تقرير حصري تعمُّد قوات نظام الأسد إطلاق النار على مدنيين مُسنّيين في شمال غربي سوريا.

الأمم المتحدة: حوالي 300 مدني قتلوا في هجمات هذا العام في شمال غربي سوريا
الأمم المتحدة: حوالي 300 مدني قتلوا في هجمات هذا العام في شمال غربي سوريا (AA)

يدّعي نظام بشار الأسد وداعموه استهدافهم لغير المدنيين في حربهم على آخر معاقل المعارضة السورية في مناطق خفض التصعيد، رغم توثيق منظمات الدفاع المدني والإنقاذ لسياسة الأرض المحروقة التي يتبعها النظام وحلفاؤه بحق المدنيين، في انتهاك واضح لكافة المواثيق الدولية باعتراف متحدثي الأمم المتحدة عما يحدث مؤخراً في الحملة على إدلب.

لكن صحيفة ديلي تلغراف البريطانية كشفت عبر تقرير حصري تعمُّد قوات نظام الأسد إطلاق النار على مدنيين مُسنّيين في شمال غربي سوريا، كما تعمدت قوات الأسد وحلفاؤها خرق اتفاق خفض التصعيد في هذه المناطق بمهاجمة نقاط المراقبة التركية.

وثقت ديلي تلغراف هذه الانتهاكات باتصالات لاسلكية مترجمة اطّلعت عليها الصحيفة، إذ تكشف كيف أطلق الجنود من الفرقة 25 للجيش السوري -قوة المهمة الخاصة النخبوية المعروفة بقوات النمر- النار على مجموعة من النساء العجائز.

ووفقاً لما ورد في التسجيلات التي حصلت عليها ديلي تلغراف تعقب جنود القوة الخاصة النساء في سيارة تقف خارج منزل قريب من كفر حلب في حلب الغربية يوم 11 فبراير/شباط الجاري. وكان يبدو أن النساء يجمعن ملابس ومتعلقات أخرى وهن يستعددن للهرب من تقدم قوات النظام.

وتظهر التسجيلات رصد أحد جنود جيش النظام لامرأة كبيرة في السن، قائلاً لزملائه: "إنها تبدو كبيرة في السن، ومن الواضح أنها قادمة لحزم أمتعتها ثم ستغادر".

ويقول جندي آخر وفقاً للتسجيلات "أنا أشاهدهن، هن على وشك دخول أحد المنازل يالا (هيا)! سأطلق النار الآن".

ويسمع دوي نيران مدفع رشاش سريع. ويتدخل ضابط آخر "أطلق النار أطلق النار، أنا أراقبك".

وذكرت الصحيفة أن التقارير المحلية المتوافقة مع تاريخ ووقت الاتصالات اللاسلكية تشير إلى أن النساء قتلن في الهجوم.

وحصلت ديلي تلغراف على التسجيلات بعد أن اكتشف مراقبون في مرصد قريب التردد اللاسلكي للجيش واعترضوه، ومن ثم نُقلت بعض تسجيلاته إلى الصحيفة عبر مجموعة نشطاء مستقلين، وتحديداً مركز ماكرو ميديا.

يذكر أن الصحيفة البريطانية نشرت الشهر الماضي تسجيلات مسربة للمجموعة نفسها تكشف وجود مليشيات إيرانية وأفغانية تقاتل مع قوات فيلق القدس -التي اغتيل قائدها الجنرال الإيراني قاسم سليماني ببغداد- في شمالي سوريا.

وقالت الصحيفة إن الهجمات على المدنيين أصبحت جزءاً من استراتيجية النظام السوري وحلفائه لترهيب السكان المحليين حتى يفروا من مناطق المعارضة مما يسهل القبض عليهم.

جرائم حرب

وتعد ممارسات النظام السوري وحلفائه وفقاً لما يعرف بمبدأ التمييز في القانون الدولي جرائم حرب، إذ يجب على جميع الأطراف المتحاربة التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين.

وأي هجوم متعمد على مدني أو مبنى مدني -مثل المنازل أو المرافق الطبية أو المدارس أو المباني الحكومية- يعتبر جريمة حرب (بما أن المبنى لم يجرِ الاستيلاء عليه للاستخدام العسكري). وإذا كان هناك أي شك فيما إذا كان الهدف مدنياً أو عسكرياً، فيجب الافتراض بأنه مدني.

ويُعرّف القانون الدولي الجرائم ضد الإنسانية بأنها الجرائم التي تُرتكب كجزء من هجوم واسع النطاق أو ممنهج ضد السكان المدنيين كجزء من سياسة الدولة أو سياسة ممنهجة أثناء فترة السلم أو الحرب. بما في ذلك حالات الاختفاء القسري والقتل والاسترقاق والاغتصاب والترحيل أو النقل القسري للسكان، وهو ما يمارسه نظام الأسد وحلفاؤه في إدلب ومحيطها منذ شهور، ومنذ 9 سنوات كاملة في مواجهات مع المدن التي انتفضت ضد النظام.

واتهمت ميشيل باشيليت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، الثلاثاء الماضي، النظام السوري وروسيا باستهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية عن عمد.

وقالت باشيليت: "لا يوجد مأوى آمن الآن. ومع استمرار الهجوم الحكومي وإجبار الناس على الدخول في جيوب أصغر وأصغر، أخشى أن يقتل المزيد من الناس". مؤكدة أن حوالي 300 مدني قُتلوا في هجمات هذا العام في شمال غرب سوريا، حيث تسبب في 93% من القتلى القوات السورية والروسية.

وفي بيان، شجبت باشيليت الضربات المباشرة على مخيمات المدنيين المشردين أو بالقرب منها، وكذلك على المرافق الطبية والتعليمية، بما في ذلك مستشفيان يوم الاثنين. وقد قالت في وقت سابق إن مثل هذه الأعمال يمكن أن تكون جرائم حرب.

وقد منعت روسيا تقريباً كل محاولات التحقيق في جرائم الحرب المحتملة للنظام السوري في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة باستخدام حق النقض (الفيتو).

كما أن سوريا لم توقّع على نظام روما الأساسي، المعاهدة التي أنشأت المحكمة الجنائية الدولية، مما يعني أنه لم يكن من الممكن رفع قضية جنائية دولية ضد الأسد أو حكومته.

استهداف إدلب مستمر

ويواصل النظام هجماته البرية بدعم روسيا والمجموعات الأجنبية الموالية لإيران، للسيطرة على المناطق السكنية داخل منطقة خفض التصعيد بإدلب.

وحذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الجمعة، من أن استمرار العمليات العسكرية للنظام السوري وحلفائه في محافظة إدلب ستكون له "عواقب وخيمة لا يمكن التنبؤ بها".

وأضاف غوتيريش، في مؤتمر صحفي بالمقر الدائم للأمم المتحدة في نيويورك، أن القتال يتقدم الآن إلى مناطق بها نسبة تجمعات سكنية عالية الكثافة.

وأوضح أنه "على مدى عام تقريباً، رأينا سلسلة من الهجمات البرية للنظام السوري تدعمها الغارات الجوية الروسية".

وتابع: "هذا الشهر شهدنا اشتباكات مميتة متكررة بين قوات الحكومة التركية وقوات النظام السوري".

وأردف قائلاً: "نحن جميعاً ندرك حجم الأزمة التي تتكشف في إدلب والخسائر البشرية الهائلة للمدنيين".

وأوضح أن نحو 900 ألف شخص -غالبيتهم العظمى من النساء- نزحوا من مناطق الشمال السوري.

وتابع: "يتقدم القتال الآن إلى المناطق التي بها تجمعات سكانية عالية الكثافة، ويهدد بخنق شريان الحياة الإنساني، في تجاهل ممنهج للقانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين".

وأعلن غوتيرش عن إطلاق نداء إنساني عاجل للمانحين الدوليين بقيمة 500 مليون دولار؛ لتغطية "احتياجات النازحين الجدد خلال الأشهر الستة المقبلة".

وأضاف: "هناك ما يقدر بنحو 2.8 مليون شخص في شمال غربي سوريا يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية".

وأردف: "إلى جانب الأزمة الإنسانية المتصاعدة، فإن التطورات على الأرض تجعل الأمور أكثر خطورة بالرغم من إنشاء منطقة حظر التصعيد في إدلب عام 2017، وتوقيع مذكرة أخرى بين تركيا وروسيا في سبتمبر/أيلول 2018".

وأكمل: "بحلول أواخر فبراير/شباط 2019 بدأت الترتيبات تتعثر، ورأينا عدة تجديدات لوقف إطلاق النار في الأشهر اللاحقة، وكان آخرها في 12 يناير/كانون الثاني الماضي".

وحذر قائلاً: "كل هذا يعني أنه بالإضافة إلى الوضع الإنساني الدرامي والمتدهور، فإننا نواجه عواقب وخيمة لا يمكن التنبؤ بها".

وسيطرت قوات النظام على النيرب وسراقب ومناطق أخرى بريفي حلب وإدلب في هجومه الأخيرة على منطقة خفض التصعيد شمالي سوريا خلال الأيام الماضية.

وتشهد منطقة خفض التصعيد في إدلب خروقات واسعة من قبل النظام والمجموعات التابعة لإيران مدعومة بإسناد جوي روسي.

وتقدم النظام وحلفاؤه في أجزاء واسعة من المنطقة وباتت قواته قريبة من السيطرة على طريق حلب - دمشق السريع، الأمر الذي دفع مئات الآلاف من السوريين للنزوح نحو الحدود التركية تحت ظروف طقس قاسية.

وفي مايو/أيار 2017، أعلنت تركيا وروسيا وإيران توصلها إلى اتفاق "منطقة خفض التصعيد" في إدلب، في إطار اجتماعات أستانا المتعلقة بالشأن السوري.

ورغم تفاهمات لاحقة تم إبرامها لتثبيت وقف إطلاق النار في إدلب، وآخرها في يناير/كانون الثاني الماضي، إلا أن قوات النظام وداعميه تواصل شنّ هجماتها على المنطقة.

وأدت الهجمات إلى مقتل أكثر من 1800 مدني، ونزوح أكثر من مليون و300 ألف آخرين إلى مناطق هادئة نسبياً أو قريبة من الحدود التركية، منذ 17 سبتمبر/أيلول 2018.

المصدر: TRT عربي - وكالات