أثار البيان الذي نشره صلاح نجل الصحفي السعودي المقتول جمال خاشقجي حول عفو العائلة عن قتلة أبيه، آراء متباينة حول إذا ما كانت الخطوة مدفوعة بضغوط من السلطات أو إغراءات مادية، وإذا ما كان من حق العائلة أصلاً العفو عن المجرمين.

إعلان نجل خاشقجي عفو عائلته عن قاتل والده يثير جدلاً واسعاً بأوساط النشطاء السعوديين والمدافعين عن حقوق الإنسان
إعلان نجل خاشقجي عفو عائلته عن قاتل والده يثير جدلاً واسعاً بأوساط النشطاء السعوديين والمدافعين عن حقوق الإنسان (AP)

أثارت التغريدة التي نشرها الجمعة، صلاح خاشقجي الابن الأكبر للصحفي السعودي المقتول جمال خاشقجي، معلِناً فيها عفو العائلة عن قتلة أبيه، جدلاً واسعاً بين الناشطين السعوديين والعاملين بمجالَي الإعلام وحقوق الإنسان حول العالم.

وقال صلاح في تغريدته: "في هذه الليلة الفضيلة من الشهر الفضيل.. نعلن -نحن أبناء الشهيد جمال خاشقجي- أنّا عفونا عن من قتل والدنا رحمه الله لوجه الله تعالى، وكلنا رجاء واحتساب للأجر عند الله عز وجل".

ضغوط على العائلة؟

يرى مراقبون أن البيان الذي أصدره نجل خاشقجي ليس على الأرجح سوى نتيجة ضغوط تمارسها السلطات السعودية الراغبة في إغلاق القضية التي سببت لها حرجاً دولياً، بشكل نهائي.

انطلاقاً من تلك الفكرة، يقول المحلل المختص في الشأن الخليجي جورجيو كافيرو: "يجب أن نتوقع أن تكون ضغوطاً كبيرة مارسها مسؤولون سعوديون على أفراد عائلة جمال خاشقجي.. وبالتالي فمن غير المرجّح أنهم امتلكوا بالفعل خيار العفو".

وفي إشارة إلى تقارير إعلامية تفيد بأن صلاح نجل خاشقجي الذي يحمل الجنسية الأمريكية بالإضافة إلى جنسيته السعودية، ممنوع من مغادرة المملكة منذ مقتل والده، يقول كافيرو في حديث إلى TRT World إنه "على الصعيد العملي، لم يكن متوقعاً أن يُحاكَم قتلة خاشقجي على جريمتهم، ولكن بهذا العفو بات واضحاً أن الأمر لا يعدو كونه انتهاكاً صارخاً للعدالة".

في السياق نفسه، أشارت الإعلامية ليليان داود إلى أن القضاء السعودي لم يكن لـ"ينصف عائلة جمال خاشقجي في ظل النظام الحاكم"، مضيفة أن "الله وحده يعلم ما هي الضغوط التي تتعرض لها هذه العائلة".

"مهزلة"

خبيرة الأمم المتحدة التي حققت في قضية اغتيال خاشقجي أعلنت أنّ عفو أبنائه عن القتلة "صادم"، مشبهة الأمر بـ"المهزلة".

وقالت كالامارد التي تحقق في الإعدامات التعسفية: "على الرغم من أنّه صادم، فإنّ الإعلان أن عائلة الصحفي السعودي جمال خاشقجي عفت عن القتلة، كان متوقعاً".

وأضافت أنّ "السلطات السعودية تراهن على ما تأمل أن يكون الفصل الأخير في سياق مهزلتها القضائية أمام مجتمع دولي مستعد أكثر من اللازم لأن ينخدع"، معتبرة أن عفو أبناء خاشقجي "فصل" جديد في "المهزلة".

للصمت أثمانٌ

خلال العام الماضي، نُشِرت تقارير إعلامية تقول إن السلطات السعودية عرضت على أبناء خاشقجي مبالغ مالية كبيرة، مقابل شراء صمتهم في ما يتعلق بجريمة قتل والدهم.

وفي تقرير بعنوان "منازل ومبالغ شهرية لأبناء خاشقجي تعويضاً عن قتل والدهم"، قالت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، في أبريل/نيسان 2019، إن أبناء الصحفي الراحل تسلّموا منازل بقيمة مليون دولار، فضلاً عن مبالغ شهرية كبيرة تعويضاً عن مقتل والدهم ، نقلاً عن مسؤولين سعوديين حاليين وسابقين وأشخاص مقربين من الأسرة.

من جهته يرى المعارض السعودي عمر بن عبد العزيز أن البيان الصادر عن نجل خاشقجي هو "بيان ذكي وجيد جداً من أسرة الفقيد، لكنه لا يُقدِّم ولا يؤخر".

ويقول بن عبد العزيز في مقطع فيديو نشره على تويتر، إن "هذا البيان هو أفضل ما يمكن فعله الآن.. خذ من محمد بن سلمان (ولي العهد السعودي) كل ما تستطيع الحصول عليه من أموال، لأن في النهاية الجميع يعرف أنه لا وجود لمحاكمات حقيقية نزيهة عادلة، والقاضي هو الخصم".

"قتل الغيلة لا عفو فيه"

على الرغم من ذلك، يشير المعارض السعودي إلى أنه "من الناحية الشرعية، فإن قتل الغيلة لا عفو فيه"، ما يعني أن عفو أفراد العائلة عن القاتل في هذه الحالة، لا يعني أي شيء انطلاقاً من أحكام الشريعة الإسلامية التي يستند إليها القانون السعودي.

وفي هذا الصدد أعاد بن عبد العزيز نشر تغريدة قديمة من الحساب الرسمي لوزارة العدل السعودية ورد فيها أن "القاتل غيلة يُقتل حداً لا قصاصاً، ولا يُقبل فيه العفو، وهو مقدم على الحق الخاص"، مرفقاً إياها بتعليق "جزاكم الله خيراً".

الفكرة ذاتها أشار إليها حساب "معتقلي الرأي" المعني برصد انتهاكات السلطات السعودية لحقوق الإنسان وتعقُّب المعارضين، بالقول إن بيان العفو الصادر عن أبناء خاشقجي هو "إثبات جديد لعدم استقلالية القضاء، فقبل الجريمة كان المعمول به في القانون أن القاتل غيلةً يُقتل حداً وليس قصاصاً ولا يُقبل فيه العفو.. أما اليوم فقد بات العفو عن قتلة خاشقجي أمراً مقبولاً! أليس هذا أكبر دليل على التلاعب بالقانون؟".

"ليست قضية عائلية"

من ناحية أخرى، أكد الناشط الحقوقي والمعارض السعودي يحيى عسيري أن "قضية قتل جمال خاشقجي ليست قضية عائلية"، لتُغلق بمجرد عفو أفراد العائلة عن المجرم.

وأضاف عسيري في تغريدة أن الجريمة "ليست قتل خطأ في إطار طبيعي. لم يقتله أحد بسبب وضع شخصي لنصمت وتتدخل عائلته! هي جريمة سلطات.. قتلته السلطات بسبب عمله السياسي"، وبالتالي فإن "قضيته سياسية، فليصمتوا!".

وشدد عسيري على أن هذا الموقف ليس رد فعلٍ على بيان صلاح خاشقجي، وإنما موقف قديم، مدللاً ببيانٍ وقّع عليه سياسيون ونشطاء سعوديون في ديسمبر/كانون الأول 2019، أعربوا فيه عن رفضهم القاطع "استخدام السلطات لأسرة المغدور جمال خاشقجي أو بعضهم، فالقضية ليست عائلية، بل قضية رأي عام، وجمال رحمه الله لم يقتل في شجار جنائي عائلي، بل هو كاتب سياسي قتلته السلطات، والقضية تهمنا كسياسيين أكثر من أسرته".

في سياق متصل جددت منظمة القسط لحقوق الإنسان دعوتها لعقد محاكمة دولية، إذ إن المحاكمة السعودية أثبتت "عدم جديتها وتسترها على من أمر بالقتل، وعدم استقلالها وهي تحاول إغلاق القضية دون عقاب لمن أمر بالقتل ومن أشرف ومن نفذ".

وأضافت المنظمة في تغريدة على تويتر، أن "نجاة الجناة والنظام سيدفعهم إلى مزيد من الجرائم".

وفي 2 أكتوبر/تشرين الأول 2018، قُتل خاشقجي الصحفي السعودي والكاتب بصحيفة "واشنطن بوست" داخل قنصلية بلاده بمدينة إسطنبول.

وعقب 18 يوماً من الإنكار، قدّمت خلالها الرياض تفسيرات متضاربة للحادث، أعلنت مقتل خاشقجي على إثر "شجار مع سعوديين"، وتوقيف 18 مواطناً في إطار التحقيقات، من دون الكشف عن مكان الجثة.

وفي إطار القضية، أصدرت السعودية أحكاماً بالإعدام ضد 5 متهمين، وأحكاماً بالسجن 24 عاماً لثلاثة متهمين آخرين، فيما أُطلِق سراح الأسماء المقربة من ولي العهد محمد بن سلمان.

وفي تقرير من 101 صفحة نشرته المفوضية العليا لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة في يونيو/حزيران 2019، حُمِّلت السعودية المسؤولية عن قتل خاشقجي "عمداً". وأشار التقرير الأممي أيضاً إلى وجود أدلة موثقة من أجل التحقيق مع مسؤولين كبار، بينهم بن سلمان.

المصدر: TRT عربي