تركيا دعت لزيارة مكتباتها الوطنية والاطلاع على أرشيف تاريخها الذي يحوي أكثر من مليون وثيقة تتعلق بقضية الأرمن الذين تثبت الوثائق تورطهم بارتكاب مجازر ضد رعايا الدولة العثمانية - صورة أرشيفية (AA)

برئاسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بحث المجلس الاستشاري التركي الأعلى، في اجتماع الخميس، ملف "الإبادة الأرمينية" المزعومة، أكد خلاله أردوغان مواصلة الدفاع عن الحقائق ضد من يقفون لأسباب سياسية وراء الافتراءات وأكذوبة "الإبادة الأرمينية".

فبمناسبة وبدونها، تطالب أرمينيا واللوبيات الأرمينية في أنحاء العالم بشكل عام، تركيا بالاعتراف بما جرى خلال عملية التهجير عام 1915 على أنه "إبادة عرقية". فبماذا يخبرنا التاريخ عن أحداث 1915؟ وأين تكمن الحقيقة الغائبة؟

ماذا جاء في تقرير هاربورد؟

تعليقاً على الاتهامات الأرمينية المتكررة، قال وزير الدفاع التركي خلوصي أقار، الخميس، إن اختلاق العداوات من التاريخ ليس مقبولاً وغير مُجدٍ لبناء مستقبل مشترك، حسب ما جاء في مقال له نشره موقع صحيفة "ريل كلير ديفينس" العسكرية الأمريكية، حول "أحداث 1915" تحت عنوان "القضية الأرمينية وتقرير هاربورد".

وأوضح أن الفريق جيمس جوثري هاربورد، يعدّ أحد أبرز العسكريين الأمريكيين الذين لعبوا دوراً مهماً في النزاعات التي شاركت فيها الولايات المتحدة على مدار قرن، بدءاً من الفلبين والثورة المكسيكية وصولاً إلى الحرب العالمية الأولى.

وأضاف أن هاربورد لعب دوراً فعالاً في تشكيل الولايات المتحدة علاقاتها الدبلوماسية الحديثة مع الشرق الأوسط وتركيا، وأشار إلى أن تقريره بشأن العلاقات الأمريكية مع أرمينيا بدد الضباب حول القضية الأرمينية.

وأوضح أن الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون أرسل بعثة عسكرية برئاسة هاربورد إلى تركيا عقب الحرب العالمية الأولى تحت ضغط اللوبي الأرميني وبعض المجموعات، وأضاف أن اللجنة المكونة من أكثر من 50 عضواً أعدت تقريراً من 1603 صفحات، اعتمد على دراسة مطولة في المنطقة استغرقت 58 يوماً.

وأكد أقار أن التقرير بدد الضباب ودحض الدعاية حول القضية الأرمينية وأظهر موضوعية وصدقاً فكرياً حول العلاقة بين الإمبراطورية العثمانية وأتباعها الأرمن في زمن الحرب، وأضاف أن التقرير أكد أن الأتراك والأرمن عاشوا بسلام مع بعضهم لسنوات طويلة.

التعنّت الأرميني

في المقال ذاته، أوضح أقار أنه في عام 2005، اقترح رئيس الوزراء التركي حينها، الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان، على أرمينيا تشكيل لجنة مشتركة تضم مؤرخين وعلماء لدراسة أحداث 1915.

وأشار إلى أن أرمينيا لم ترد على مقترح تركيا الساري حتى الآن، كما أن أرمينيا ترفض فتح أرشيفها حول أحداث 1915.

وتطالب أرمينيا واللوبيات الأرمينية في أنحاء العالم بشكل عام، تركيا بالاعتراف بما جرى خلال عملية التهجير عام 1915 على أنه "إبادة عرقية"، وبالتالي دفع تعويضات.

وبحسب اتفاقية 1948، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بخصوص منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، فإن مصطلح "الإبادة الجماعية" (العرقية)، يعني تدميراً كلياً أو جزئياً لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، فيما تؤكد تركيا عدم إمكانية إطلاق صفة "الإبادة العرقية" على أحداث 1915، بل تصفها بـ"المأساة" لكلا الطرفين.

وتدعو تركيا إلى تناول الملف بعيداً عن الصراعات السياسية، وحل القضية عبر منظور "الذاكرة العادلة"، الذي يعني باختصار التخلي عن النظرة الأحادية إلى التاريخ، وتفهم كل طرف ما عاشه الآخر، والاحترام المتبادل لذاكرة الماضي لكل طرف.

"فتنة تتغذّى من حسابات سياسية"

في السياق ذاته، عقدت تركيا "المؤتمر الدولي لأحداث 1915"، الثلاثاء، لمناقشة الخلفية التاريخية والبعد القانوني لأحداث 1915، وانعكاساتها على الحاضر، بتنظيم من دائرة الاتصال في الرئاسة التركية.

وكانت دائرة الاتصال قد ذكرت في بيان، أن المؤتمر انعقد انطلاقاً من مفهوم يؤكد ضرورة مناقشة الأحداث الواقعة إبان الحرب العالمية الأولى، بشكل عادل قائم على نهج علمي وعلى أرضية القانون والتاريخ الدوليين.

وفي كلمة له خلال المؤتمر، قال فخر الدين ألطون، رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية، إن بلاده تواجه حالياً رواية تسعى إلى إذكاء نزاع بين المجتمعين التركي والأرميني اللذين عاشا لقرون معاً في أجواء من السلام.

وأشار إلى أن مجتمعات الإمبراطورية العثمانية، عاشت وكافحت معاً لعصور ضد مختلف التهديدات والأعداء، وتطرق إلى ما شهدته منطقة جنوب شرقي الأناضول، من قيام المليشيات الأرمينية بالاعتداء على الجيوش العثمانية ومصالحها في المنطقة، ما دفع العثمانيين إلى نفي هذه المليشيات إلى الأراضي السورية، واصفاً هذه الخطوة بأنها "تدابير أمنية".

وأفاد بأن بلاده تواجه في الوقت الحاضر "رواية تسعى إلى تزييف ماضي المجتمعين التركي والأرميني اللذين عاشا معاً لقرون ضمن أجواء من السلام"، مؤكداً عدم قبول تركيا لهذه الرواية.

وشدد رئيس دائرة الاتصال أن مزاعم الإبادة الأرمينية، لا صلة لها بالحقائق، وهي مجرد "فتنة تتغذّى من حسابات سياسية"، وأضاف أن من يهاجمون تركيا بواسطة أكاذيب قابلة للاستغلال، لا يهمهم مصالح الأرمن في زمن الإمبراطورية العثمانية.

وأوضح المسؤول التركي أن استمرار الجدل حول أحداث عام 1915، رغم مرور 100 عام عليها، سببه معالجة الأمر من منظور أيديولوجي وسياسي.

وأشار إلى دعوة الرئيس رجب طيب أردوغان، سابقاً، إلى مراجعة الوثائق الأرشيفية لكشف حقيقة أحداث 1915، مؤكداً أن هذه الدعوة مؤشر على صدق نوايا أنقرة في الكشف عن الحقائق.

بماذا يخبرنا التاريخ؟

خلال الحرب العالمية الأولى، وفي سنة 1915 تحديداً، كانت هناك حرب تخوضها الدولة العثمانية، والثابت تاريخياً أن رعايا هذه الدولة من الأرمن وقفوا بطرق شتى في وجه دولتهم وساندوا الروس في حربهم ضدها، حسب تقرير سابق لوكالة الأناضول.

شكّل الأرمن مجموعات مسلحة "عصابات" ارتكبت مجازر موثقة تاريخياً ضد سكان المناطق الخاضعة لسلطة الدولة العثمانية، التي اكتفت بقرار تهجير أفراد تلك العصابات للحيلولة دون وقوع مجازر أكبر نتيجة حرب أهلية متوقعة بين الأرمن الذين اصطفوا إلى جانب روسيا، وسكان الدولة العثمانية من المسلمين وغيرهم الذين يوالون دولتهم.

إن وجود الملايين من الأرمن يعيشون حتى اليوم في دول أوروبية وإفريقية وفي الولايات المتحدة والقوقاز وغيرها، يؤكد يقيناً ضعف حجة الذين يزعمون ارتكاب الدولة العثمانية "مذابح وجرائم إبادة ضد الأرمن" بلغت نحو مليوني ضحية وفقاً لبعض المتقوّلين، حسب وكالة الأناضول.

هناك حقيقة مؤلمة في العالم المعاصر، وهي انتهاج سياسة الكيل بمكيالين بالتركيز على مزاعم "إبادة الأرمن" في الوقت ذاته الذي يسود العالم فيه صمت مطبق عن وقائع تاريخية لا تقبل الشك بإبادة لملايين العرب والمسلمين من قبل الدول المستعمرة، بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها من دول العالم.

فتركيا دعت دول العالم والباحثين والأكاديميين إلى زيارة مكتباتها الوطنية والاطلاع على أرشيف تاريخها الذي يحوي أكثر من مليون وثيقة تاريخية تتعلق بقضية الأرمن الذين تثبت الوثائق تورطهم بارتكاب مجازر ضد رعايا الدولة العثمانية في منطقة الأناضول.

ومن الحقائق التي يجري تجاهلها، أن الأرمن كانوا يتحركون بدافع إقامة دولة أرمينية مستقلة، أي متمردة على الدولة العثمانية في ذلك الوقت، إذ تعاونوا مع الروس ضد دولتهم في منطقة وجودهم شرق الأناضول، عبر متطوعين أرمن ومنشقين عن الجيش العثماني، وهؤلاء شكلوا وحدات عسكرية تُعرف بـ"عصابات الأرمن".

ووفقاً للوثائق التاريخية، عطلت الوحدات العسكرية، أو عصابات الأرمن، طرق الإمداد لقوات الجيش العثماني بالتعاون مع القوات الروسية.

فبعد قيام الثورة البلشفية عام 1917، وانسحاب القوات الروسية من الحرب، أخلت روسيا مناطق سيطرتها وسلمتها لعصابات الأرمن مع كميات ضخمة من الأسلحة والمعدات الروسية استخدمها الأرمن بارتكاب مجازر ضد المدنيين في الدولة العثمانية، حسب مرصد تفنيد الأكاذيب التابع لوكالة الأناضول.

ووثّق الأرشيف العثماني مقتل قرابة 47 ألف شخصاً، قتلوا في مجازر ارتكبتها العصابات الأرمينية شهدتها مدينة قارص أوائل القرن العشرين، وجمعت عصابات الأرمن 286 شخصاً من الوجهاء في المسجد الكبير وسكبت على أجسادهم الزيت المغلي، حسب المصدر ذاته.

واكتشفت في قرية سوباط عام 1991 مقبرة جماعية يرقد فيها 570 عثمانياً ماتوا حرقاً وجرى التمثيل بجثثهم، واكتشفت أخرى في درجيك عام 2003، وثالثة في كوتشوك تشاتمه، وعثر على رفات 30 شخصاً من عدد 183 قتلوا في المكان ذاته.

واستناداً إلى وثيقة أرشيفية، هناك 185 مقبرة جماعية في مناطق شرق وجنوب شرقي الأناضول، كما أن العصابات الأرمينية قتلت 50 ألف مسلم في أرضروم، و15 ألفاً في وان، و17 ألفاً في قارص، و15 ألفاً في إغدير، و13 ألفاً في أرزنجان، والآلاف في مناطق أخرى، حسب وكالة الأناضول.

ومن المعروف أن جمعيتي "الهانشاك" و"الطاشناق" التابعتين للأرمن، قامت عناصرهما بأعمال إرهابية شملت تفجيرات في إسطنبول ومحاولة فاشلة لاغتيال السلطان العثماني.

وكانت السلطات العثمانية قد خططت لتوفير الاحتياجات الإنسانية للمهجرين، لكن ظروف الحرب والاقتتال الداخلي وقطاع الطرق والجوع والأوبئة، لم تحل بين عدد ضخم منهم والتعرض للموت.

وقطعاً حدثت انتهاكات فردية ضد الأرمن، وقامت الحكومة العثمانية بإعدام المتورطين فيها رغم أن الحرب كانت قائمة ولم تخمد بعد.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً