إيران تحاول الضغط على واشنطن للعودة إلى الاتفاق النووي قبل نهاية مهلتها (AP)

قبل أيام، ومع حضوره في التليفزيون الرسمي الإيراني، اضطُرّ وزير الاستخبارات محمد علاوي، إلى استعمال تشبيه من عالم الحيوان كي ينقل رسالته إلى واشنطن، قائلاً: "عندما يُحشَر قط في الزاوية سيردّ بشكل مختلف. ليس مثل قط يسير بحرية، ولن يكون هذا ذنبنا”.

كان سياق هذه الكلمات هو الحديث عن فتوى المرشد الأعلى علي خامنئي الشهيرة التي يحرّم بموجبها امتلاك القنبلة النووية باعتبارها تهدّد السلم، ولكن داخل هذا التشبيه كانت رسالة واضحة إلى إدارة بايدن بأن طهران مستعدة للذهاب إلى الأقصى إن لم تُرفع العقوبات ويعُد العمل بالاتفاق النووي.

كان هذا الموقف بمثابة تهديد للإدارة الأمريكية، التي تأتي بتعاطٍ سياسي جديد، إذ يرى بايدن أن العودة إلى الاتفاق النووي واردة جداً، إلا أن التصعيد هذه المرة يأتي من طهران، بخاصة قبل نهاية مهلتها بعشرة أيام، وهي المحدد بالنسبة إليها لرسم سياساتها القادمة تجاه الاتفاق النووي ووضعها الاقتصادي.

سياسة الدفع إلى الأمام

ينتهج وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف ذات المسار في الخطابات حول الاتفاق النووي؛ على واشنطن أن ترفع العقوبات وتعود إلى بنود الاتفاق لتعود إيران. كان هذا آخر مواقفه المعلنة التي حذّر فيها من المهلة التي قررها البرلمان الإيراني من أجل عودة واشنطن إلى الاتفاق التي تنتهي يوم 21 فبراير/شباط الجاري.

لم يكن هذا الضغط الوحيد لطهران في الأيام الأخيرة، إذ ذهبت في خطوات عملية في سياق ذلك، إذ قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن إيران شرعت في إنتاج اليورانيوم المعدني في انتهاك جديد للاتفاق النووي، مشيرة أن معدن اليورانيوم يُعتبر مادة أساسية في صناعة الأسلحة النووية.

وأكد رافائيل غروسي، رئيس الوكالة التابعة للأمم المتحدة، أن إيران أنتجت كمية صغيرة من اليورانيوم المعدني تبلغ 3.6 غرامات في 8 فبراير/شباط الجاري، بعد استيرادها من الخارج، وذلك في منشأة نووية تخضع لتفتيش الوكالة الدولية في مدينة أصفهان. ويثير هذ التهديد الإيراني لإنتاج معدن اليورانيوم قلق الدبلوماسيين الغربيين لأن الموادّ تتخطى تخصيب اليورانيوم الممكن استخدامه لأغراض مدنية، وهو مكون أساسي في الأسلحة النووية.

صحيفة لوس أنجلوس تايمز تقول في سياق آخر، إن مواقف القادة الإيرانيين وسياساتهم، تأتي نتيجة لشعور المتشددين داخل التيار المحافظ الذين يدعمون الطموحات النووية، بسبب عمليات القتل المستهدف التي أدت إلى مقتل قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني والعالم النووي فخري زاده.

تضيف الصحيفة أن قرار طهران المضيّ وخرق بنود الاتفاقية النووية يعقّد عملية اتخاذ الإدارة الجديدة القرار. فقد أعلنت إيران أنها لم تعُد ملتزمةً القيود على تخصيب اليورانيوم، الذي منعها من تخصيب أي من أشكال اليورانيوم النظيف الضروري لإنتاج السلاح النووي.

ومنذ ذلك الوقت استخدمت أجهزة طرد مركزي قوية لتخصيب اليورانيوم الذي منعته الاتفاقية. وهي تنتج اليوم اليورانيوم المخصب بنسبة 20%، بشكل تجاوز المستوى المسموح به في الاتفاقية وهو 3.67%. وأكدت إيران في أكثر من مناسبة أن الأمر يعود إلى بايدن كي يتخذ الخطوة الأولى.

ماذا يواجه بايدن؟

في الأيام القليلة الماضية كثرت التسريبات عن مشاورات يُجريها بايدن مع حلفائه الأوربيين من أجل إحياء الاتفاق النووي، كان آخرها ما أوردته وكالة رويترز من أن واشنطن تبحث عن مجموعة من الأفكار حول كيفية إحياء الاتفاق النووي الإيراني، وأضافت الوكالة نقلاً عن "ثلاثة مصادر مطّلعة"، أن هذا البحث يتضمن خيار اتخاذ خطوات صغيرة بين الجانبين دون الالتزام الكامل لكسب الوقت.

بيد أن هذا لا يعني أن الخطوة ستكون خالية من المطبات، كما تقول صحيفةفاينانشيال تايمز، إذ إن فريق السياسة الخارجية لبايدن، المليء بالمحاربين القدامى من إدارة باراك أوباما، يدرك مدى صعوبة إعادة الاتفاق النووي مع إيران، لأنه يعرف من التجربة المباشرة حجم "دهاء" المفاوضين الإيرانيين، وإلى أين وصلت العلاقات العدائية مع طهران خلال فترة إدارة ترمب.

مصادر رويترز قالت إن الأمريكيين "يفكرون بشكل حقيقي" وهم يدرسون عدة أفكار تشمل عودة مباشرة إلى الاتفاق النووي الموقَّع عام 2015 وما سمّوه "الأقلّ مقابل الأقلّ" كخطوة مؤقتة.

في المقابل أكدت المصادر ذاتها أن التفاوض بشأن العودة الكاملة للاتفاق سيستغرق وقتاً طويلاً، فقد تتبنى نهجاً أكثر اعتدالاً، فيما تساءل أحدهم: "هل عليهم محاولة تخفيف بعض العقوبات المفروضة على إيران على الأقلّ وإقناعها بالموافقة على التوقف وربما التراجع عن بعض (خطواتها) النووية؟".

بدورها ترى صحيفة إسرائيل هيوم عدم ذكر بايدن لإيران في خطابه عن سياسة الخارجية، يؤشر إلى اعتزامه أخذ الوقت اللازم ليسمح لفريق روبرت مالي، مسؤول الموضوع النووي الإيراني، بدراسة عميقة لاحتمال الوصول إلى اتفاق ملزم وأطول مدى مع إيران، يتناول أيضاً موضوع الصواريخ الباليستية والمؤامرات الإقليمية.

ولن يكون الجانب الإيراني هو الوحيد الذي يواجه بايدن في هذا الملف، إذ ينتقد الجمهوريون أي عرض على إيران بتخفيف للعقوبات دون عودتها الكاملة إلى الاتفاق، ويقولون إن هذا سيهدر النفوذ الذي اكتسبه ترمب بفرض عشرات العقوبات منذ عام 2018.

كما يواجه ضغط الإسرائيليين، حلفاء واشنطن التقليديين، الذين يرجحون امتلاك إيران أسلحة نووية في غضون سنتين، كما صرّح وزير الطاقة الإسرائيلي الذي أكد أن طهران بحاجة إلى "نصف سنة" لإنتاج ما يكفي من اليورانيوم لصنع السلاح النووي "إذا ما قامت بالأمر على النحو المطلوب".

جاء ذلك بالتزامن مع تحذير مسؤولين إسرائيليين، بينهم نتنياهو وقائد الجيش أفيف كوخافي، من عودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الاتفاق الدولي مع إيران.

TRT عربي
الأكثر تداولاً