تصدرت تركيا مشهد الدفاع عن قضية الجولان، بعد اعتراف الرئيس الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على المنطقة التي تعد أرضاً سورية محتلة. ويرى محللون أن أسباباً كثيرة تدفع تركيا لتصدر المشهد، من ضمنها الحفاظ على وحدة أراضي سوريا، والدفاع عن قضايا الأمة.

الرئيس الأمريكي اعترف رسمياً بالسيادة الإسرائيلية على منطقة الجولان المحتل
الرئيس الأمريكي اعترف رسمياً بالسيادة الإسرائيلية على منطقة الجولان المحتل (AFP)

لم تكتفِ تركيا ببيان تدين من خلاله قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، إذ حظيت القضية باهتمام واسع من قبل صنّاع القرار على اختلاف مناصبهم، في الوقت الذي أكدت فيه أنقرة سعيها إلى تدويل القضية.

وقبل أن يتخذ ترمب قراره بشكل رسمي يوم الإثنين 25 مارس/آذار، وفي ظل توارد الأنباء عن اقتراب اتخاذ القرار، بدأت تركيا بقيادة حملة رفض واسعة بغية التصدي للقرار الذي كان مُحتملاً قبل أن يولد، إذ أشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أن بلاده نقلت موضوع الجولان إلى الأمم المتحدة عبر سفيرها الدائم، فيما أكد أنه تحدث في الشأن ذاته مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أخبره بأن موقف بلاده إزاء الجولان لم يتغيّر.

وكانت تركيا أوّل الدول التي انتقدت قرار ترمب لحظة صدوره يوم الإثنين وهاجمته بشدّة، وجاء أوّل تصريح على لسان وزير خارجيتها مولود تشاوش أوغلو الذي قال إن القرار لن يشرعن أبداً ضم إسرائيل لمرتفعات الجولان. ولفت إلى أنّه سيقوّض مساعي السلام في الشرق الأوسط ويزيد التوتر في المنطقة.

سأقوم بما يقع على عاتقي في الدفاع عن قضايا الأمة، وسأستمر في ذلك حتى لو واصلت الدول الإسلامية مواقفها الخجولة

رجب طيب أردوغان - الرئيس التركي

قضايا الأمّة

وأخذت أنقرة زمام الأمور فيما يتعلق بالقضية، وعملت على إثارتها خلال اجتماع وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول الجمعة الماضية، حيث أشار أردوغان في حينه إلى أن بلاده لن تسمح بشرعنة احتلال مرتفعات الجولان.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وجّهت أنقرة انتقادات حادة إلى دول عربية، قالت إنها التزمت الصمت إزاء اعتراف ترمب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل.

وترأس تركيا في الوقت الراهن الدورة الثالثة عشرة لمنظمة التعاون الإسلامي، وهو ما جعلها في مقدّمة الأحداث، حيث سبق وتصدرت الرفض الدولي لاعتراف ترمب بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونجحت في انتزاع قرارات أممية تدين الاعتراف وترفضه، فيما بدأت التحرك اليوم تجاه قضية الجولان عبر المنبر ذاته، وبدا ذلك جلياً في خطاب الرئيس التركي أمام الوزراء المجتمعين في إسطنبول، إذ أكد أن "صمت تركيا ومنظمة التعاون الإسلامي إزاء مسألة مهمة كهذه والخضوع للأمر الواقع أمر لا يمكن تصوره".

وقال أردوغان خلال لقائه مع عدد من الشباب في أنقرة، الخميس، إنه يقوم بما يقع على عاتقه في الدفاع عن قضايا الأمة، كونه رئيساً للدورة الحالية لمنظمة التعاون الإسلامي، وأنه سيستمر في ذلك حتى لو واصلت الدول الإسلامية مواقفها الخجولة.

تركيا تتميز بحضورها على الساحة الدولية، ومن شأن ذلك أن يمنحها مزيداً من القوة التي تستغلها للدفاع عن القضايا التي تراها عادلة

برهان كور أوغلو - أستاذ الفلسفة والعلاقات الدولية

وفي هذا السياق، يقول أستاذ الفلسفة والعلاقات الدولية في جامعة ابن خلدون في إسطنبول برهان كور أوغلو إن "تركيا وبسبب الإرث التاريخي الذي يربطها بشعوب المنطقة، تشعر أن الدفاع عن قضايا الأمة العربية والإسلامية من واجبها".

وأضاف في حديث لـTRT عربي "يزداد الاعتقاد في أنقرة بأن غالبية الدول العربية والإسلامية تعاني جرّاء التحكم بها من قبل أنظمة ديكتاتورية، أو تعاني جرّاء حروب وأزمات مختلفة، ولعل هذا يعد سبباً رئيساً في سعيها إلى قيادة المرحلة وتصدر مشهد الدفاع عن قضايا الشعوب العربية".

وأشار إلى أن تركيا تتميز بحضورها على الساحة الدولية، "ومن شأن ذلك أن يمنحها مزيداً من القوة التي تستغلها للدفاع عن القضايا التي تراها عادلة".

وحدة الأراضي السورية

على صعيد آخر، رفضت تركيا على لسان عدد من المسؤولين محاولات شرعنة الاحتلال التي تهدف إلى المس بوحدة الأراضي السورية، خاصة في ظل الأزمة التي تعصف في البلاد، وتربص عدد من الدول التي أثارت قضية تقسيمها، خلال السنوات الماضية.

وقال وزير الخارجية التركي إن "وحدة أراضي البلدان أهم المبادئ الأساسية بالنسبة إلى القانون الدولي". وأكد أن "تركيا تدعم وحدة الأراضي السورية".

بدوره، قال وزير العدل التركي عبد الحميد غُل، إن "جهود إسرائيل، التي تستمد جرأتها من ترمب، لشرعنة احتلالها لمرتفعات الجولان، لا تحمل أي قيمة في نظر القانون الدولي".

وأضاف عبر تويتر "محاولة ملء فراغ السلطة في سوريا، بالاحتلال والفوضى، ستكون خطأ تاريخياً خطيراً".

في هذا السياق قال برهان كور أوغلو إن "أنقرة تعي تماماً أن المنطقة تتعرض لمؤامرات مختلفة، وأنها مستهدفة بسياسات التقسيم والشرذمة، وهذا ما ظل خلال الأزمة السورية، ولذلك تسعى إلى رفض أي محاولة احتلال للأرض أو فرض سيطرة عليها".

وقال إن "تركيا سعت ولا تزال من أجل ضمان وحدة الأراضي السورية ودافعت عن ذلك خلال السنوات الماضية، لأنها تدرك أن المنطقة باتت هشة ومعرضة لمثل هذه الهجمات، وقد تعتبر الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان شرعنة لاحتلال الأرض، بالتالي جزء من عملية التشتيت والشرذمة".

تهجير الشعوب..وإرث التركمان

الرئيس التركي وفي معرض حديثه عن الجولان، خلال قمّة وزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول قال إن "مرتفعات الجولان محتلة من قبل إسرائيل منذ 1967، ولم يُجبر الاحتلال الإسرائيلي العرب فقط في المنطقة على النزوح من أراضيهم، بل التركمان أيضاً".

وأكد ذلك، بيان المجلس التركماني السوري الذي استنكر اعتراف ترمب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل، ووصفه بأنه غير شرعي. وأضاف البيان أن مرتفعات الجولان تُعتبر واحدة من المواطن التركمانية القديمة في سوريا، وأن هذه البقعة الجغرافية قابعة تحت الاحتلال الاسرائيلي منذ 52 عاماً.

وقال المجلس أيضاً "نحن في المجلس التركماني السوري، كوننا نمثل تركمان الجولان، لن نعترف بهذا القرار أبداً".

التركمان كانوا جزءاً أصيلاً من مركبات سكان الجولان قبل أن تتعرض قراهم إلى التهجير

أيمن أبو جبل - إعلامي وباحث من الجولان المحتل

وتوجّهت TRT عربي إلى الإعلامي والباحث أيمن أبو جبل وهو من سكان منطقة الجولان، والذي أفاد بأن التركمان كانوا جزءاً أصيلاً من مركبات سكان المنطقة قبل أن تتعرض قراهم إلى التهجير، "إذ لم يبق منهم في الجولان أحد".

أبو جبل، وهو مدير موقع عشتار المعني بتوثيق تاريخ الجولان وحكايات سكانه أشار إلى أن التركمان كانوا يعيشون في قرية الرمثانية التي تم تهجيرها على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي عام1967، مشيراً إلى أنها لم تكن القرية التركمانية الوحيدة، إذ عاش التركمان في أكثر من قرية.

وأوضح أن التركمان هُجّروا من الجولان عن بكرة أبيهم، ولفت إلى أن العلاقات بين سكان الجولان الحاليين والتركمان المُهجرين ما زالت قائمة حتى اليوم رغم الاحتلال، لافتاً إلى أن عدداً كبيراً منهم يعيش في تركيا في الوقت الراهن.

وأشار إلى أن السلطات الإسرائيلية أبقت على أطلال قرى التركمان في الجولان، في وقت تمنع فيه أهلها من الرجوع إليها، "بل وصارت تزعم في الآونة الأخيرة أنها بقايا قرى يهودية".

يُذكر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان قد زعم قبل أيام أن الجولان يحتوي على بعض الكنس اليهودية، وذلك في معرض تبريره للسيطرة على المنطقة.

ويعلق أستاذ الفلسفة والعلاقات الدولية برهان كور أوغلو على الموضوع بالقول "تركيا تهتم بشؤون كل الشعوب والقوميات، وليس التركمان فحسب، إذ تتصدر الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني العربي، وكذلك الأكراد الذين يُضطهدون من قبل التنظيمات الإرهابية في سوريا".

المصدر: TRT عربي