جاءت نتائح الانتخابات في إسرائيل على غير ما يشتهي نتنياهو، إذ لم يحصل معسكر اليمين على أصوات كافية تخوله تشكيل حكومة بدون الخضوع لشروط أفغيدور ليبرمان، بينما حصلت القائمة العربية على 13 مقعداً ما من شأنه أن يعزز فرص منافسيه في تشكيل الحكومة.

ليبرمان (وسط) يدعو لتشكيل حكومة وحدة وطنية بالتشارك مع حزب الليكود وتحالف أزرق-أبيض
ليبرمان (وسط) يدعو لتشكيل حكومة وحدة وطنية بالتشارك مع حزب الليكود وتحالف أزرق-أبيض (Reuters)

لم تحمل نتائج الانتخابات الإسرائيلية البشرى لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كما أرادها، ولم تسهم في تبديد بعض الضباب الذي كان يخيّم على المشهد السياسي في إسرائيل، إذ ازداد المشهد تعقيداً، لدرجة بات الحديث فيها عن تكرار الانتخابات للمرّة الثالثة مطروحاً للنقاش.

وأظهرت آخر نتائج فرز الأصوات، تقدم تحالف أزرق-أبيض الوسطي، برئاسة بيني غانتس على منافسه حزب الليكود، برئاسة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بمقعد واحد.

وقال الموقع الإلكتروني لصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية إن تحالف أزرق-أبيض، حصل على 32 مقعداً مقابل 31 مقعداً لحزب الليكود.

وحصلت القائمة المشتركة التي تمثل فلسطينيي 48 على 13 مقعداً، فيما حصل حزب شاس اليميني على 9 مقاعد وحزب يسرائيل بيتينو اليميني على 9 مقاعد، وحزب يهودوت هتوراه اليميني على 8 مقاعد وحزب يمينا على 7 مقاعد.

وبالمقابل، حصل تحالف العمل-غيشر الوسطي على 6 مقاعد وتحالف المعسكر الديمقراطي الوسطي على 5 مقاعد.

واستناداً إلى النتائج، فإن معسكري اليمين والوسط، لم يحصلا على الأصوات الـ61 المطلوبة لتشكيل الحكومة الجديدة.

وحسب القانون الإسرائيلي، يحق لرئيس الدولة تكليف الفائز المناسب بتشكيل الحكومة، وذلك بعد حصول هذا المرشح على توصيات من قبل قادة الأحزاب الفائزة بالانتخابات، وذلك بغض النظر عمّا إذا كان المرشح المذكور قد فاز حزبه بأكبر عدد من المقاعد من عدمه، ما يبقي الخيارات مفتوحة أمام الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين في المشهد الحالي.

نتنياهو من جديد.. فزاعة العرب

مباشرة، بعد صدور النتائج الأولية، سارع نتنياهو إلى دعوة زعماء الأحزاب اليمينية الإسرائيلية، ليخبرهم أن المشهد لا يحتمل سوى خيارين "فإما أن يتم تشكيل حكومة بزعامتي، أو أن تُشكل حكومة خطيرة قوامها الأحزاب العربية".

وأخطر نتنياهو أعضاء حزب الليكود بأن كل أحزاب اليمين اتفقت على البدء في المفاوضات الائتلافية التي سيقودها وزير السياحة يريف ليفين باسم الجميع.

وقال نتنياهو "في ظل التحديات الأمنية والسياسية التي نواجهها، يجب ألا تقوم حكومة تعتمد على الأحزاب العربية التي تقول إنها ضد الصهيونية. سنفعل كل ما بوسعنا من أجل منع تشكيل مثل هذه الحكومة الخطيرة، هذا عهد منا لدولة إسرائيل، هذا تعهد منّا لمن انتخبنا من الشعب". مضيفاً "معاً سوف نشكل حكومة قوية صهيونية وجيدة لدولة إسرائيل".

وأشار إلى أن في نيته تشكيل معسكر يميني موحد يحتوي جميع الأحزاب اليمينية ويربط مصير كل حزب بالآخر، على أن يبدأ هذا المعسكر في خوض المفاوضات مع تحالف أزرق-أبيض.

حديث نتنياهو عن مفاوضات مع تحالف أزرق-أبيض الذي يهدد بقاءه على رأس سدّة الحكم، قد يكون مؤشراً على وجود نيّة لدى الرجل لتقديم بعض التنازلات من أجل الاحتفاظ بمنصبه، خاصة في ظل إصرار رئيس حزب يسرائيل بيتينو أفغيدور ليبرمان وتمسكه بشروطه، التي يعد أبرزها فرض التجنيد الإجباري على اليهود المتدينين، وهو ما ترفضه الأحزاب المتدينة التي تشكل مصدر قوّة لنتنياهو لا يمكنه التخلي عنه بسهولة.

سيناريوهات مختلفة

سيناريوهات عدة موضوعة على الطاولة في ظل الضبابية التي تحيط بالمشهد السياسي في إسرائيل.

وأبرز السيناريوهات المتوقعة، هو تشكيل حكومة وحدة وطنية قوامها تحالف أزرق-أبيض وحزب الليكود

حكومة وحدة وطنية

تشير صحيفة هآرتس إلى أن حكومة مكونة من الليكود وتحالف أزرق-أبيض تعد منطقية في ظل المشهد الحالي، ولكن الفكرة تصطدم بعدة عقبات أبرزها تعهدات زعيم أزرق-أبيض بيني غانتس لجمهور الناخبين بأنه لن يجلس في حكومة واحدة مع نتنياهو.

وتضيف "قد يجد غانتس حرجاً أيضاً في التنازل لنتنياهو بينما حصل تحالفه على أكبر عدد من المقاعد، ربما نسمع في الأيام القادم نتنياهو يحذر من نشوب حرب، ويصرح بخشيته من انهيار الاقتصاد والعملية السياسية، من أجل تمهيد الطريق لغانتس كي يتنازل عن تعهداته بسبب حالة الطوارئ التي تُلم بالبلاد".

وتقول "لحكومة كهذه يمكن ضم حزب يسرائيل بيتينو الذي صرح زعيمه ليبرمان بأنه يريد حكومة وحدة يتشارك فيها مع الليكود وأزرق-أبيض". وترى أن احتمال تشكيل حكومة كهذه قائم، ولعله الخيار الأفضل.

التحالف مع المتدينين

أما السيناريو الثاني، فهو تشكيل حكومة وحدة قوامها حزب الليكود وتحالف أزرق-أبيض وكذلك الأحزاب المتدينة، والتي ستكون حكومة واسعة ومريحة، ولكن عقبة واحدة تبقى تعرقل إقامة حكومة كهذه، وهي تعهد نائب الوزير يعكوف ليتسمان من حزب يهودوت هتوراه لناخبيه بأنه لن يجلس في حكومة واحدة مع يائير لبيد، وهو أحد أقطاب تحالف أزرق-أبيض.

تقول هآرتس" من الممكن أن يتنازل ليتسمان عن تعهده هذا، الأحزاب الحريدية المتدينة سبق وأن سارت بما لا يوافق معتقداتها وبما يخالف مصالحها في بعض الأحيان من أجل تحقيق بعض الغايات، واحتمال تشكيل هذه الحكومة قوي ووارد جداً".

الإطاحة بنتنياهو !

في الوقت الذي قال فيه نتنياهو إنه سيشرع بالتفاوض مع تحالف أزرق-أبيض الذي يعد أبرز منافسيه، يستعد التحالف لخوض مفاوضات مع أحزاب اليسار، إلى جانب حزب يسرائيل بيتينو اليميني.

ولعل الأهم من ذلك، هو طرح التحالف إمكانية إجراء مفاوضات مع عدد من قيادات حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو، في مسعى إلى إقناعهم بالتخلي عنه مقابل الانضمام لائتلاف حكومي يتزعمه بيني غانتس.

وتشير صحيفة هآرتس إلى أنه يصعب التسليم بأن أياً من أعضاء حزب الليكود سيخضع لتحالف أزرق-أبيض، "لأن المشهد في داخل الليكود يبدو مشرذماً، وأعضاؤه ليسوا على قلب رجل واحد، ويصعب أن يتحالفوا معاً ضد نتنياهو".

وتقول "حتى لو أجرى الحزب انتخابات داخلية جديدة، فإن لدى نتنياهو القدرة على الفوز مجدداً وبسهولة"، مضيفة "أعضاء حزب الليكود لديهم انتماء كبير لنتنياهو، هم أعتى من أن يتأثروا بأي ضغوط خارجية"، ولكن احتمال تشكيل مثل هذه الحكومة يبقى وارداً.

إعادة الانتخابات.. مرّة أخرى؟

في الواقع فإن إعادة الانتخابات للمرة الثالثة، يعد سيناريو واقعياً وقد يُطرح على الطاولة في كل حين، ولكنه السيناريو الأصعب الذي من شأنه أن يواجه معارضة جديدة من قبل القيادات الإسرائيلية وبخاصة الرئيس ريفيلين، الذي قال إنه سيعمل كل ما يستطيع من أجل عدم إعادة الانتخابات. خاصة وأن الانتخابات الأخيرة هي انتخابات مُعادة، إذ سعى نتنياهو قبل أشهر إلى حل الكنيست بعد فشله في تشكيل حكومة.

تشير هآرتس إلى أن لدى حزب الليكود القوة الكافية لمنع تحالف أزرق-أبيض من تشكيل حكومة، وكذلك لدى التحالف قوة أيضاً يستطيع من خلالها منع الليكود من تشكيل حكومة، بالتالي في حال أصر كل زعيم على تعهداته أثناء الحملة الانتخابية، فإن مصير البلاد ذاهب لا محالة نحو إجراء انتخابات جديدة تكلف ميزانية الدولة مئات الملايين.

وتقول "يبدو الأمر خيالياً، ولكن إعادة الانتخابات السابقة أيضاً بسبب إصرار ليبرمان على موقفه كان سيناريو خيالياً حتى صار حقيقة".

وحسب القانون الإسرائيلي فإن مسار تشكيل الحكومة يمر في عدة مستويات ومراحل، وعندما يصل إلى طريق مسدود، يتم الدعوة لانتخابات جديدة.

العرب: لسنا في جيب أحد

في ظل ذلك المشهد القاتم، يبدو أن الحديث عن القائمة العربية المشتركة التي حصلت على 13 مقعداً وباتت تشكل القوة الثالثة من حيث الحجم داخل الكنيست، يقتصر على التحريض من قبل نتنياهو الذي يُخوّف الشعب الإسرائيلي من تشكيل حكومة عمادها العرب.

بيد أن أيمن عودة رئيس القائمة المشتركة، وإن كان قد صرّح اليوم بأن قائمته ليست "في جيب أي أحد"، سبق وأن قال إن القائمة قد تدرس الدخول في ائتلاف حكومي.

وأكد عوده أنه تحدث مع بيني غانتس صباحاً وقال "ومن المتوقع أن نلتقي قريباً، لم يصدر أي قرار حتى الآن، ولكن الواضح الوحيد هو أننا نريد تغيير حكومة نتنياهو".

بعد صدور النتائج، دعا رئيس حزب العمل عمير بيرتس إلى دعوة العرب للحوار، بعد أن قال إنه لن يجلس مع نتنياهو في حكومة واحدة.

وقال بيرتس لصحيفة يديعوت أحرونوت "اليوم تحدثت مع زعيم أزرق-أبيض بيني غانتس وسوف نجتمع قريباً، يجب أن تُدعى القائمة العربية لطاولة المفاوضات أيضاً، نحن نسعى اليوم لتغيير تاريخي، علينا أن نتشافى من نتنياهو، وهذا التغيير يدعونا ألا نتجاهل أي أحد، سواءً العرب أو المتدينين الحريديم".

تشكيل حكومة إسرائيلية مع العرب، سيناريو لا يلائم الجميع؛ فحزب الليكود على سبيل المثال يرفض تشكيل حكومة كهذه، وإن كان بحاجة للقائمة المشتركة التي قد تنقذه من شروط ليبرمان، لكنه بالتأكيد سيجد نفسه مضطراً للخضوع لشروطها، بينما يبدو سيناريو قبول أعضاء الكنيست العرب بالجلوس مع نتنياهو خيالياً، بخاصة أن الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة كانت قائمة على عنوان "إزاحة نتنياهو"، وقد صرّح رئيسها أيمن عودة صباح اليوم التالي في تغريدة على تويتر قائلاً "أبا يائير، للتحريض هناك ثمن"، في إشارة لنتنياهو.

يبقى السيناريو الثاني لمشاركة العرب في الائتلاف هو التحالف مع تحالف أزرق-أبيض، لكنه تحالف هش ضعيف ينقصه عدد كبير من المقاعد أيضاً، وقد يكون تشكيله شبه مستحيل، في ظل رفض ليبرمان الدخول مع العرب في أي ائتلاف، إذ صرّح صباح اليوم التالي للانتخابات قائلاً "لن نجلس في حكومة واحدة مع القائمة المشتركة، هذا أمر مفروغ منه، على الجميع أن يدرك أننا نضيع الوقت فقط".

المصدر: TRT عربي - وكالات