يسير لبنان في طريق غامض تملؤه مطالب شعبية واسعة بإجراء تغيير جذري في بنية النظام، وبينما تبدو مهمة تشكيل حكومة جديدة صعبة بعد استقالة مفاجئة لحكومة حسان دياب، تكشف تلك التعقيدات ارتهان لبنان إلى معادلة دولية وإقليمية.

مطالب بتشكيل حكومة إنقاذ في لبنان ومخاوف من تدهور المشهد السياسي
مطالب بتشكيل حكومة إنقاذ في لبنان ومخاوف من تدهور المشهد السياسي (Reuters)

بعدما كشفت وثائق تشير إلى أن الرئيس اللبناني ميشيل عون ورئيس الحكومة المستقيل حسان دياب، تلقيا تحذيراً قبل انفجار مرفأ بيروت بأسبوعين، تباينت آراء القوى السياسية في لبنان بشأن المرحلة المقبلة بعد استقالة الحكومة، بين مطالب بتشكيل حكومة مؤقتة تشرف على انتخابات نيابية مبكرة، وأخرى تدعو لتشكيل حكومة إنقاذ وسط مطالب شعبية واسعة بإجراء تغيير جذري في بنية النظام.

وتواصلت تداعيات انفجار المرفأ مؤثرة على الساحة السياسية التي شهدت استقالة وزراء ونواب في البرلمان اللبناني، وما تلاها من تحرك الشارع مجدداً ليسقط حكومة دياب.

ومع ازدياد المخاوف من تدهور المشهد السياسي، طالبت قوى حزبية وبرلمانية بتشكيل حكومة إنقاذ تعيد ثقة المجتمع الدولي بلبنان.

وقال أمين سر الحزب التقدمي الاشتراكي ظافر ناصر لـTRT عربي، إنهم "عبروا بشكل واضح عن عدة مطالب من قبل استقالة الحكومة، أهمها تشكيل حكومة حيادية تحمل برنامج إنقاذي حقيقي، وإجراء انتخابات نيابية مبكرة".

ولا تزال الاتصالات جارية حتى الآن، حسب تصريح الكاتب والمحلل السياسي رضوان عقيل لـTRT عربي، الذي أشار إلى أن سفير لبنان السابق في الأمم المتحدة نواف سلام، من أبرز الأسماء المشرحة لرئاسة الحكومة، وهو اسم متوافَق عليه من قبل الرئيس اللبناني والقوات اللبنانية، وأبقى تأكيد حزب الله على الاسم.

حراك الشارع ومطالب مصيرية

ويستمر الحراك الشعبي في رفع سقف مطالبه، مؤكداً عدم تراجعه إلا بعد إجراء الإصلاحات التي يطالب بها، وهو ما أكده الناشط في الحراك المدني هادي منلا لـTRT عربي، حين تحدث عن "الثورة التي تهدف إلى إسقاط كل المنظومة الفاسدة لبناء نظام جديد على أنقاض النظام الطائفي القائم، يكون أكثر عدالة وديمقراطية وأكثر تمثيلاً للشعب".

ويتخوف اللبنانيون في الشارع من إعادة إنتاج السلطة السياسية وحكومات الوحدة الوطنية التي سقطت في الـ17 من أكتوبر/تشرين الأول، حسب تصريحات للأكاديمية والباحثة السياسية ليلى نقولا.

وتشير نقولا في مقابلة مع TRT عربي، إلى "أن ما كشفته وكالة رويترز حول مادة نيترات الأمونيوم لم يكن جديداً، فالرئيس ميشال عون أكد بنفسه أنه تلقى تقريراً في 20 يولو/تموز الماضي، حول وجود هذه المواد في مرفأ بيروت، وأشار إلى أن الجهات المعنية اجتمعت لحل القضية وأن وزير البيئة كلّف لجنة لبحث الموضوع، ما جاء في التقرير ليس فضيحة لأن البيروقراطية في لبنان ودول العالم الثالث معروفة وللأسف لم يكن رد سريع لتجنيب اللبنانيين الكارثة التي حلت بهم".

ولفتت نقولا إلى أن "الحديث عن حكومة وحدة وطنية يعيد إلى الأذهان رجوع نفس الوجوه التقليدية التي وللأسف عندما تشكل حكومة فإنها تغطي على الفساد، وهذا ما لا يستسيغه اللبنانيون، لذلك فإن الضغط الذي يشكله الشارع اليوم يهدف إلى فرض حكومة أساسها من خارج الأسماء والوجوه المعروفة".

ولا تعتقد الباحثة السياسية "أن يجري تشكيل حكومة مستقلين أو محايدين كما يريد الشارع، لأن الأحزاب يجب أن ترضى عن الحكومة لتعطيها الثقة في البرلمان".

وتوضح أن "توجد شؤون غير مرتبطة بالإرادة الداخلية للبنان بل بالخارج بشكل أساسي، فمنذ انتخابات 2018 حيث جاءت الأغلبية النيابية لصالح محور على حساب آخر وباتت السلطات في لبنان لصالح محور حزب الله وحلفائه، بات التوازن في لبنان مفقوداً ونعيش منذ تلك اللحظة أزمات متتالية".

وتؤكد الباحثة السياسية أن "المطلوب هو إعادة التوازن إلى الساحة اللبنانية، يجب أن تكون إصلاحات جدية وحقيقية كما يريد الشارع والمجتمع الدولي وأن يعاد التوازن إلى السلطة".

تشكيل الحكومة.. مهمة صعبة

وتُطرح أسئلة عديدة حول الحكومة الجديدة والمرحلة المقبلة في ظل ظروف صعبة وشائكة للغاية أفرزتها الأزمة السياسية والاقتصادية المتفاقمة، يضاف إليها انفجار المرفأ وتداعياته.

وحسب المعلومات التي توفرت لـ"صحيفة الديار اللبنانية"، "وجود رغبة لدى معظم القوى السياسية الرئيسية من عدم تكرار التجارب السابقة مع تشكيل الحكومات، والعمل على تأليف الحكومة الجديدة في أسرع وقت، لكن هذه الرغبة لا تعني سهولة المهمة نظراً إلى التعقيدات التي قد تؤدي إلى تأخير هذه العملية كما حصل سابقاً".

وتضيف المعلومات أن "الاجتماع الذي عقد في عين التينة برعاية الرئيس بري وبمشاركة رئيس التيار الوطني الحرّ جبران باسيل ومسؤولين من حزب الله أكد على نقطة أساسية ومهمة هي ضرورة الإسراع في تشكيل الحكومة في أقرب وقت".

وبينما تشير الاجتماعات إلى تأييد حزب الله تسريع تأليف الحكومة، لم يُبحث بعد في حسم الاسم المطروح لرئاسة الحكومة الجديدة.

وبينما يتوقع الجميع ترشح سعد الحريري، تقول الصحيفة إن الحريري لم يصدر عنه أي موقف منذ ما قبل استقالة الرئيس دياب، لكن المعلومات تفيد بأنه منخرط في الاتصالات الجارية بشأن الحكومة، وأنه لا يمانع بل يرغب في العودة إلى رئاسة الحكومة من دون أن يكون مكبلاً أو مقيداً بوزراء سياسيين يعيدون تجربة حكومته السابقة.

تخبط السلطة والمعارضة

وترى صحيفة النهار اللبنانية أن "التعقيدات الداخلية التي بدأت تتراكم وتؤخر مسار التكليف، وعادت الألاعيب السياسية التقليدية لتتحكم بمجمل الاستحقاق الحكومي وإطالة أمد الفراغ".

وأشارت الصحيفة إلى أن "قوى السلطة بدأت تتخبط غداة استقالة الحكومة بسبب عدم توافق قواها على بوصلة موحدة ثابتة حتى الآن"، منوهة بأن المعارضة لم تكن بحال أفضل، إذ ظهرت من أول الطريق مواقف قواها المتناقضة بما يخدم قوى السلطة".

وأضافت الصحيفة: "الواقع أن الاستقالة السريعة لحكومة حسان دياب أبرزت في جانبها الخلفي أن معظم القوى السياسية موالية أو معارضة لم تكن جاهزة إطلاقاً لاستحقاق تغيير الحكومة، بدليل أن معسكرَي التحالف الحاكم كالمعارضة بقواها الكبرى الأساسية بدت تتسابق إلى التخبط والانكشاف، الأمر الذي سيشجع رئاسة الجمهورية على مزيد من توظيف التعقيدات للتباطؤ في إجراء الاستشارات النيابية الملزمة، ولذلك تعاظم التعويل على التحرك الفرنسي خصوصاً بعدما اتضح أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وضع لبنان في رأس أولوياته منذ قام بزيارته الخارقة لبيروت غداة الانفجار".

الارتهان للموقف الدولي

في سياق آخر، قالت مصادر سياسية لـ"صحيفة اللواء اللبنانية"، "إن القوى اللبنانية في مرحلة جسّ النبض، تلعب على حافة إضاعة فرصة الدعم الدولي، فهي تلعب بورقة الحكومة على طريقة إخفاء المواقف الحقيقية وتبادل الحرب الإعلامية على هذا الصعيد".

وأضافت أنه "في الوقت الذي يقود فيه الرئيس الفرنسي مشاورات دولية لنزع الألغام من أمام تأليف حكومة جديدة، عبر الاتصال مع المسؤولين الإيرانيين، وطلب المساعدة الروسية، والتنسيق مع العواصم العربية الداعمة للاستقرار وإخراج لبنان من محنته، كشفت تقارير إعلامية من طهران أن خط المشاورات الأميركية-الإيرانية في سلطنة عمان عاد إلى العمل، من زاوية الحد من فرض حظر جديد على التسلّح الإيراني، وكذلك العمل على العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني".

لكن مصادر دبلوماسية غربية أعربت عن خشيتها من تباطؤ التفاهم الأمريكي-الإيراني أو تعثره، الذي يتناول وضع لبنان كجزء من منظومة قضايا المنطقة، والتدخلات الإيرانية مباشرة أو بالواسطة في عدد من عواصم المنطقة، وعليه، فإن التطورات اللبنانية رهن الحركة الدولية، التي يفترض أن تؤتي أكلها قبل مجيء ماكرون مجدداً إلى بيروت في الأول من سبتمبر/أيلول المقبل.

المصدر: TRT عربي