زار فايز السراج ثلاث عواصم أوروبية في جولة من أجل كسب الدعم وتأكيد الحل السلمي، لكنه عاد دون نتائج ملموسة، بالتزامن مع وجود خليفة حفتر في مصر. على أثر ذلك عادت المعارك مجدداً إلى طرابلس التي تعتبر خيار حفتر في فرض سياسة الأمر الواقع.

فايز السراج خلال لقائه بإيمانويل ماكرون في العاصمة الفرنسية باريس
فايز السراج خلال لقائه بإيمانويل ماكرون في العاصمة الفرنسية باريس (Reuters)

في السابع من مايو/أيار الجاري، وصل فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية، المعترف بها دولياً إلى أوروبا، لزيارة أكبر عواصمها، روما وباريس وبرلين، من أجل الحصول على دعم جديد ضد هجوم خليفة حفتر على العاصمة.

في الوقت ذاته، كان المشير المتقاعد، المسيطر على الشرق الليبي، يجلس في القاهرة مع أحد أهم حلفائه في المنطقة، عبد الفتاح السيسي، للمرة الثانية منذ بداية حملته العسكرية في الرابع من أبريل/نيسان الماضي.

ظن الجميع أن بوادر انفراجة ما بدأت تظهر خلال هذه اللقاءات، خاصة مع هدوء وتيرة المعارك في جبهات العاصمة، لكن ما إن انتهت هذه اللقاءات حتى عادت المعارك سيرتها الأولى كأن شيئاً لم يكن، في دلالة أخرى على عدم اتفاق الدول المتداخلة في ليبيا على حل الأزمة.

رئيس المجلس الرئاسي يصل إلى طرابلس في ختام جولته الاوروبية وصل رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني السيد فائز...

Posted by ‎حكومة الوفاق الوطني Government of National Accord‎ on Thursday, 9 May 2019

بخُفَّي حنين!

على أثر المطالبات الدولية بوقف إطلاق النار في ليبيا، وإبداء الأمم المتحدة قلقها حول أحداث طرابلس، تحول فايز السراج إلى أوروبا، والدول الأكثر تأثيراً فيها من أجل محاولة تدخلهم في هذا الغرض.

السراج كان يدرك تماماً خلال هذه الزيارة الفجوة الكبيرة الحاصلة بين القوى الكبرى في أوروبا حول ليبيا، بخاصة بين الجارتين إيطاليا وفرنسا، فروما التي تدعمه منذ سنوات تتهم باريس بالوقوف وراء حفتر والسعي لفرض سلطة عسكرية على أرض الواقع من أجل مصلحتها.

صحيفة لاكروا الفرنسية، قالت إن إيمانويل ماكرون، كعادته يجيد اللعب مع الطرفين، ففي الوقت الذي أكد فيه دعمه للسراج خلال لقائهما في 8 مايو/أيار، ورفضه الحل العسكري، يدعم فتى الإليزيه حفتر لوجيستياً واستخباراتياً، وهو ما لخصه، حسب الصحيفة لقاء وزير الخارجية الفرنسي جون إيف لودريان مع لوفيغارو في 2 مايو/أيار، عندما أشاد بدور قوات حفتر في حربها على الإرهاب قائلاً "أنا أؤيد كل شيء يخدم أمن فرنسا والدول الصديقة لها ولحلفائها".

الصحيفة قالت إن السراج عاد إلى ليبيا "بخفي حنين" من زيارته لأوروبا التي كان الغرض منها كسب الجانب الفرنسي لصالحه، إلا أن "ماكرون سوَّى بين المعتدي والمعتدى عليه، ووضع شروطاً منحازة لوقف إطلاق النار أغضبت السراج" حسب وصفها.

سياسة الأمر الواقع

الصدمة التي تلقاها السراج وصفتها الباحثة المتخصصة في الشأن الليبي بالمعهد الأوروبي بفلورنسا، فيرجيني كولومبير، بأنها "محاولة أخرى ضمن سلسلة محاولات قوات حفتر التي بدأت في الجنوب من أجل الاستيلاء على النفط، لفرض سياسة الأمر الواقع التي تعطي الحق للموجود على الأرض".

من جانبه، مكث اللواء المتقاعد خليفة حفتر في مصر ثلاثة أيام، التقى خلالها بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي يعد اللقاء الثاني منذ إطلاقه حملته العسكرية، إذ أكد السيسي دعمه المتجدد له في "جهود مكافحة الإرهاب".

وقال المتحدث باسم الرئاسة المصرية بسام راضي إن حفتر أطلع السيسي على مستجدات الأوضاع في ليبيا، مؤكداً "دعم مصر جهود مكافحة الإرهاب والجماعات والمليشيات المتطرفة لتحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا، وتهيئة المناخ للتوصل إلى حلول سياسية وتنفيذ الاستحقاقات الدستورية".

استقبال السيد الرئيس اليوم بقصر الاتحادية المشير خليفة حفتر القائد العام للقوات المسلحة الليبية بحضور السيد عباس كامل رئيس المخابرات العامة

Posted by ‎المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية-Spokesman of the Egyptian Presidency‎ on Thursday, 9 May 2019

في غضون ذلك، أفادت وسائل إعلام ليبية مقربة من حفتر بأن الأخير بصدد إجراء زيارة لباريس، الأربعاء القادم، للقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

فرنسا ومصر إلى جانب المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، أهم الداعمين للواء المتقاعد، حسب لاكروا الفرنسية، إذ تعتبر هذه الدول سنده العسكري والسياسي، من أجل القضاء على الإسلام السياسي أولاً، وتمكين مصالح هذه الدول النفطية من الاستفادة ثانياً.

تجدد المعارك

بعد توقف المعارك ليومين متواصلين، عادت المواجهات المسلحة، إلى جنوبي العاصمة طرابلس، حيث شهد محورا طريق مطار طرابلس الدولي ومنطقة العزيزية مواجهات عنيفة، مع تحليق مكثف للطيران الحربي، دون معرفة تبعيته.

وأفادت مصادر عسكرية للأناضول بأن المواجهات تجري في مناطق التوغار والرملة والعزيزية، وكلها محيطة بمطار طرابلس الدولي القديم.

وأضاف المصدر التابع لحكومة الوفاق، أن قواتهم تمكنت من إحباط الهجوم الذي نفذته قوات حفتر وجارٍ رجع تلك القوات إلى تمركزاتها السابقة.

ورغم أن قوات حفتر تمكنت من دخول أربع مدن رئيسية تمثل غلاف العاصمة، هي صبراتة وصرمان وغريان وترهونة، وتوغلت في الضواحي الجنوبية لطرابلس، فإنها عجزت عن اختراق الطوق العسكري حول مركز العاصمة الذي يضم المقرات السيادية.

ويستمر بذلك مسلسل الحرب في ليبيا، وسط وضع إنساني خطير حسب الأمم المتحدة، وإغلاق جزئي لمصافي النفط التي تشغل اقتصاد البلاد، بإرادة أمراء الحرب الإقليميين الذين اختاروا العسكرة على حساب الحلول السياسية.

المصدر: TRT عربي