في وقت لا تزال فيه المملكة السعودية تواجه تداعيات قتل الكاتب والصحفي جمال خاشقجي، أعلنت الرياض عن خطوات لإعادة هيكلة جهاز استخباراتها، في قرار كان له عدد من التفسيرات، من بينها أنّه يهدف إلى إبعاد التهم عن ولي العهد محمد بن سلمان.

مدخل القنصلية السعودية في إسطنبول التي قتل خاشقجي
مدخل القنصلية السعودية في إسطنبول التي قتل خاشقجي (AP)

ما المهم: يُعدُّ استحداث إدارات جديدة في جهاز الاستخبارات السعودية خطوة أخرى في سياق محاولات الرياض التعامل مع تداعيات مقتل الكاتب والصحفي جمال خاشقجي بقنصليتها في إسطنبول في بداية أكتوبر/تشرين الأول، خاصةً أنّ الرياض كانت قد أعفت نائب رئيس الاستخبارات أحمد عسيري من منصبه، بعد ظهوره كأحد المتهمين الرئيسيين في التحقيقات السعودية الخاصة بالقضية.

المشهد: أعلنت وكالة الأنباء السعودية الرسمية "واس" الخميس، أن اللجنة الوزارية الخاصة والتي يرأسها ولي العهد محمد بن سلمان، أوصت "بحلول تطويرية قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، كما أنّها أقرت حلولاً عاجلة"، في سياق "إعادة هيكلة رئاسة الاستخبارات العامة وتحديث نظامها وتحديد صلاحياتها بشكل دقيق".

وتم استحداث إدارة عامة للإستراتيجية والتطوير، للتأكد من توافق العمليات مع إستراتيجية الرئاسة وإستراتيجية الأمن الوطني وربطها برئيس الاستخبارات العامة، كما تم استحداث إدارة عامة للشؤون القانونية لمراجعة العمليات الاستخبارية وفقاً للقوانين والمواثيق الدولية وحقوق الإنسان، واستحداث إدارة عامة لتقييم الأداء والمراجعة الداخلية لتقييم العمليات والتحقق من اتباع الإجراءات الموافق عليها، ورفع التقارير لرئيس الاستخبارات العامة، وتفعيل لجنة النشاط الاستخباري ووضع آلية لمهامها، التي تهدف إلى المراجعة الأولية واختيار الكفاءات المناسبة للمهمات، بحسب ما أفادت به الوكالة الرسمية.

الخلفيات والدوافع: أدرج الكاتب السعودي بدر العتيبي مجمل القرارات والتوصيات المتخذة من قبل اللجنة الوزارية، في خانة "مسيرة الإصلاح"، وكتب في مقال نشره في صحيفة سبق الإلكترونية، أنّه مع هذه القرارات "ظهر الدليل الدامغ على مضي الدولة قدماً لتطوير قطاعاتها الخدمية والأمنية وتحديد الصلاحيات، منعاً للاجتهادات".

وكان الملك سلمان قد أقرّ إنشاء هذه اللجنة في 19 أكتوبر/تشرين الأول، بعد أكثر من أسبوعين على مقتل جمال خاشقجي، وبعد أربعة أيام على بدء التحقيقات السعودية الخاصة بالقضية.

يرى الباحث المتابع للشأن السعودي رياض الصيداوي، أنّ هذه القرارات يُراد منها القول إنّ "محمد بن سلمان لم يكن يُشرف على جهاز الاستخبارات، وبالتالي القول إنّه يريد حالياً، بعد اكتشاف مشاركة أحمد عسيري في قتل خاشقجي، أن ينظمه للتحكم به".

ويدرج صيداوي هذه القرارات خلال حديثه لـTRT عربي، في خانة "ضرورة القيام بشيء ما في الداخل لإرضاء الحلفاء الخارجيين"، في أعقاب مقتل خاشقجي.

من جهة أخرى، يعود الباحث في الشؤون الأمنية مجاهد الصميدعي، إلى بداية حرب اليمن، ويشرح أنّ الاستخبارات السعودية تمرّ بظروف صعبة منذ تلك الفترة، ما دفع نحو إجراء تغييرات بداخلها والإتيان بأحمد عسيري في منتصف2017 لدوره في هذه الحرب، وبالتالي معرفته بالمطلوب داخل الجهاز. ويستدرك الصميدعي بأنّ "اغتيال خاشقجي أثّر سلباً على الاستخبارات السعودية وعلى التغييرات التي جرت، وتجري، داخلها"، وهو ما يعطي، برأيه، بُعداً إضافياً خلاف البعد السياسي للتغييرات الحالية.

ما التالي: ويشير الصميدعي إلى أنّ "أجهزة استخبارات الدول تتبدل أولوياتها باختلاف أولويات الدولة نفسها وتبدّل ظروفها"، ما يفرض تغييرات في السعودية بما تقتضي مرحلة ما بعد قتل خاشقجي. إلا أن الباحث رياض الصيداوي يقلل من مدى تأثير التغييرات الأخيرة "لأنّ الكارثة وقعت"، على حد تعبيره.

ويعتبر الصيداوي هذه القرارات بمثابة "ترقيع داخلي"، متابعاً أنّ محمد بن سلمان "فقَد الشرعية الاعتبارية الرمزية وكذلك الشرعية الدولية".

المصدر: TRT عربي