يعيش السودان بوادر أزمة سياسية جديدة، بعد تأجيل توقيع الاتفاق حول المرحلة الانتقالية بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير، بعد قول الأخيرة إن لها ملاحظات حول مسوَّدة الاتفاق، مما يشير إلى خلاف بين الطرفين.

الخلاف بين طرفَي الأزمة يجعل احتمال التوصّل إلى اتفاق نهائي هشّاً حتى الساعة
الخلاف بين طرفَي الأزمة يجعل احتمال التوصّل إلى اتفاق نهائي هشّاً حتى الساعة (Reuters)

دخلت أزمة الحكم في السودان مرحلة جديدة من التعقيد، إثر تسريب وثيقة اتفاق مُزمَع توقيعه بين المجلس العسكري الانتقالي الحاكم وقوى إعلان الحرية والتغيير، التي تقود الاحتجاجات الشعبية.

وتمنح مسوَّدة الاتفاق مجلس السيادة حقّ تعيين رئيس الوزراء والولاة، وتوفّر حصانة لأعضاء المجلس، ولا تنصّ على نسبة لقوى التغيير في البرلمان الانتقالي. أمرٌ دفع قوى التغيير إلى إعلان تأجيل التوقيع على مسوَّدة الاتفاق، مما يجعل إمكانية التوصُّل إلى اتفاق نهائي احتمالاً هشّاً حتى الساعة.

ماذا جاء في مسوَّدة الاتفاق؟

تداول السودانيون منذ صباح السبت، نسخة مسرَّبة من الوثيقة تخصّ تحالف قوى الإجماع الوطني، أحد مكونات قوى التغيير، وتشمل الوثيقة إعلانين، سياسيّاً ودستوريّاً، وتتألف من 15 صفحة، تتضمن 11 فصلاً و58 مادة هي مُجمَل الاتفاق.

وأثارت المادة 15، ضمن الفصل الرابع المتعلق باختصاصات مجلس السيادة (أحد أجهزة الحكم خلال المرحلة الانتقالية)، جدلاً وسخطاً على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ أعطت المجلس حقّ تعيين رئيس مجلس الوزراء.

وتنصّ المادة على أن "مجلس السيادة يعيّن رئيس مجلس الوزراء، بعد ترشيحه من قبل قوى إعلان الحرية والتغيير".

وهو أمر لم يكن متفقاً عليه مسبقاً، بخاصة أن شخصية عسكرية ستتولى رئاسة مجلس السيادة خلال أول 21 شهراً من أصل 39 شهراً، هي الفترة المقترحة لمرحلة انتقالية تعقبها انتخابات.

وقال قيادي في قوى التغيير لوكالة الأناضول، إنه "وفقاً لجلسات التفاوض السابقة، فإن قوى التغيير هي التي تعيّن رئيس الوزراء، على أن يعتمده مجلس السيادة، وليس مجلس السيادة هو الذي يعينه".

المادة ذاتها تطرقت إلى حصانات يتمتع بها أعضاء مجلس السيادة، وتنصّ على أن "يتمتع رئيس وأعضاء مجلس السيادة بحصانة في مواجهة أي إجراءات جنائية، ولا يجوز اتهامهم أو مقاضاتهم أمام أي محكمة، ولا يجوز اتخاذ أي تدابير ضبط بحقهم أو بحق ممتلكاتهم أثناء فترة ولايتهم".

هذه الفقرة أثارت غضب الشارع السوداني، وانعكس ذلك في موجة احتجاجات شهدتها عدة مدن ظهر السبت، تحت عنوان "العدالة أولاً"، إذ يطالب المحتجون بالقصاص لضحايا الاحتجاجات الماضية، ومن قُتلوا بالعشرات خلال فض الاعتصام أمام قيادة الجيش بالخرطوم، في 3 يونيو/حزيران الماضي.

في المادة 15 أيضاً، تنص وثيقة الاتفاق على أن مجلس السيادة هو الذي يعيّن ولاة الولايات، بعد ترشيحهم من مجلس الوزراء، بينما كان المُعلن سابقاً هو أن تعيين الولاة من اختصاصات مجلس الوزراء، وعلى مجلس السيادة اعتمادهم فقط.

لم تتضمن الوثيقة المسربة نِسَباً بشأن توزيع مقاعد البرلمان الانتقالي، بينما أعلنت قوى التغيير في بيانات سابقة، أنها لن تتنازل عن نسبتها (67٪) في مقاعد البرلمان، التي توصلت إليها خلال التفاوض مع المجلس العسكري قبل فض الاعتصام، بل ووضعت ذلك ضمن شروطها لاستئناف التفاوض مع المجلس.

وتحدثت المادة 23 في الفصل السادس عن صلاحيات المجلس التشريعي، وأنه جهة مستقلة لا يجوز حلّها طوال الفترة الانتقالية، ونصّت على أن عدد أعضاء البرلمان يجب أن لا يتجاوز 300 عضو، وأن تكون نسبة تمثيل المرأة فيه 40٪، بينما لم تشر المادة إلى أي نسبة تخصّ قوى التغيير.

واكتفت الفقرة 2 من المادة 23 بالنص على أنه "يتكون المجلس التشريعي من قوى إعلان الحرية والتغيير والقوى الأخرى غير الموقعة على إعلان الحرية والتغيير، والتي يتم تسميتها وتحديد نسب مشاركة كل منها بالتشاور بين قوى التغيير ومجلس السيادة".

وتنص الفقرة 13 من الفصل الرابع، المتعلق بتكوين مجلس السيادة، على أن يتكون المجلس بالتوافق بين المجلس العسكري وقوى التغيير، ويتألف المجلس من 11 عضواً هم 5 مدنيين تختارهم قوى التغيير، و5 عسكريين يختارهم المجلس العسكري، على أن يتوافق الطرفان على اختيار عضو مدني.

وتتولى شخصية عسكرية من أعضاء مجلس السيادة، رئاسة المجلس خلال الـ21 شهراً الأولى، على أن يتولى مدني رئاسته خلال الـ18 شهر المتبقية، من الفترة الانتقالية، وذلك من تاريخ التوقيع على الاتفاق، وفق الاتفاق.

تأجيل التصديق على الاتفاق

قالت قوى إعلان الحرية والتغيير السودانية السبت، إن "لديها العديد من الملاحظات على مسوَّدة الاتفاق، وإنها تُخضِعها للدراسة وسط مكونات قوى التغيير".

وأضافت قوى الحرية والتغيير في بيان، أنه "عقب الانتهاء من وضع الملاحظات سيلتئم اجتماع مشترك لوفدَي التفاوض لنقاش النقاط العالقة المتبقية وحسمها، تمهيداً للتوقيع على الاتفاق النهائي ونقل السلطة لسلطة مدنية انتقالية وفقاً لإعلان الحرية والتغيير"، دون تحديد سقف زمني لذلك.

وأوضح البيان أن "اللجان الفنية لقوى إعلان الحرية والتغيير أكملت عملها المشترك في تحويل الاتفاقات السياسية مع المجلس العسكري إلى صياغة قانونية مُحكَمة لخّصَتها في وثيقتين هما وثيقة الاتفاق السياسي ووثيقة الإعلان الدستوري".

وتابع البيان "هاتان الوثيقتان حملتا نقاطاً لم تنجح اللجان الفنية في التوافق على صيغة موحدة لها، فتَقرَّر نقلها إلى وفدَي التفاوض من أجل النقاش حولها وحسم النقاط العالقة"، دون تحديد سقف زمني.

في هذا الصدد، قال مراسل TRT عربي في الخرطوم، إنه بين قوى التغيير والمجلس العسكري خلافات في وجهات النظر، خصوصاً حول بندَي حصانة المجلس السيادي، وتعيين رئيس الوزراء.

وأضاف المراسل أن قوى التغيير لا تريد أن تكون قوات الدعم السريع التي يقودها حميدتي جزءاً من المشهد، وأشار إلى أنهم يرون أن الوثيقة تُضفِي نوعاً من الشرعية على هذه القوات التي تُتّهم بأنها كانت وراء مجزرة فض اعتصام القيادة.

من جهته أعلن تحالف قوى الإجماع الوطني السوداني الأحد، عن تحفظات "جوهرية" حول مضمون الاتفاق السياسي والإعلان الدستوري الذي تقدمت به الوساطة الإفريقية.

وقال التحالف الذي يشكّل أحد مكونات قوى إعلان الحرية والتغيير، إن "وثيقة الاتفاق والإعلان الدستوري لا تتناسب مع التأسيس لسلطة مدنية انتقالية حقيقية وتجهض فكرة مشروع قوى إعلان الحرية والتغيير لإدارة المرحلة الانتقالية".

وتابع "نعلن عن التزامنا بكامل الاتفاق السابق مع المجلس العسكري، والتزامنا أيضاً بالقرار الصادر من مجلس السلم والأمن الإفريقي، والذي ينصّ على ضرورة التزام الطرفين بما توصلا إليه من اتفاق في ما مضى وإكمال ما لم يتم الاتفاق عليه، وليس بداية التفاوض من جديد بمسلسل لا ينتهي".

المصدر: TRT عربي - وكالات