يتصاعد الخلاف بين المجلس العسكري السوداني وقوى إعلان الحرية والتغيير في ظل عدم التوصل إلى اتفاق على أسس إدارة المرحلة الانتقالية، في ظل استمرار تراشق الاتهامات بين قوى المعارضة والجيش، ما يشير إلى أن السودان لم يتجه بعد إلى نقطة الاستقرار.

المحتجون يواصلون اعتصامهم أمام مقر قيادة الجيش في العاصمة السودانية
المحتجون يواصلون اعتصامهم أمام مقر قيادة الجيش في العاصمة السودانية (AFP)

لا يزال الجدل في السودان دائراً حول ماهية المرحلة الانتقالية وشكل المجلس السيادي الذي يحاول الجيش والمعارضة المدنية التوصل إليه، من أجل إدارة المرحلة القادمة، إلى حين إجراء انتخابات نزيهة، تكفل انتقال البلاد إلى الديمقراطية، كما سبق وصرّح الجانبان.

ودخل المشهد السياسي في السودان في منعطفات خطيرة منذ الإطاحة بالرئيس السابق عمر حسن البشير الذي حكم البلاد نحو ثلاثين عاماً، في 11 أبريل/نيسان الماضي، والتي كان آخرها محاولات المجلس العسكري فض الاعتصام قبالة مقر قيادة الجيش في الخرطوم، وخروج قياداته في مؤتمر صحفي يشكك في قوى المعارضة ومدى تمثيلها للشارع، وهو ما رآه مراقبون محاولات لنزع الشرعية عن قوى "إعلان الحرية والتغيير" التي تمثّل أطياف المعارضة المختلفة.

إلى ذلك سارعت قوى الحرية والتغيير لتقديم وثيقة دستورية للمجلس العسكري، تضع فيها رؤيتها لآلية إدارة المرحلة الانتقالية، وهي الوثيقة التي قالت إنها قدّمتها "كرؤية متكاملة حول صلاحيات المؤسسات الانتقالية في الفترة الانتقالية ومهامها".

ضغوط على الجيش

في ظل مسعاها لممارسة مزيد من الضغوط على المجلس العسكري الانتقالي، كي يسلم الحكم إلى سلطة مدنية، سعت قوى إعلان الحرية والتغيير لصياغة وثيقة دستورية تحدد بشكل متكامل طبيعة السلطات ومستوياتها في الفترة الانتقالية. وقالت القوى إنها عملت في الوقت الحالي على التركيز في طبيعة السلطات في السودان ومستوياتها، وليس الحديث عن نسب التمثيل في مجلس السيادة.

وتطالب القوى بـ"مجلس رئاسي مدني" يضطلع بالمهام السيادية خلال الفترة الانتقالية، و"مجلس تشريعي مدني"، و"مجلس وزراء مدني مصغر" من الكفاءات الوطنية، لأداء المهام التنفيذية.

المؤتمر الصحفي للمجلس العسكري الإنتقالي الثلاثاء 7 مايو 2019م

Posted by ‎المجلس العسكري الإنتقالي - السودان‎ on Tuesday, 7 May 2019

الوثيقة الدستورية

الوثيقة التي قدّمتها قوى إعلان الحرية والتغيير، والتي أثارت جدلاً واسعاً، تنص على أن مستويات الحكم في البلاد ستكون من "مجلس سيادة انتقالي وهو رأس الدولة ورمز السيادة، ومجلس وزراء تكون له السلطة التنفيذية العليا، وكذلك هيئة تشريعية تقوم بالدور التشريعي والرقابي".

وحسب الوثيقة، سيكون مجلس السيادة الانتقالي القائد الأعلى للقوات المسلحة ويعتمد تعيين أعضاء مجلس القضاء الأعلى، ويعتمد سفراء السودان بالخارج، وتعيين حكام الأقاليم بالبلاد، فيما يتكون مجلس الوزراء من رئيس ونائب وعدد من الوزراء لا يتجاوز 17 وزيراً".

كما نصت الوثيقة المقترحة على أن "يتكون المجلس التشريعي الانتقالي من 120 إلى 150 عضواً يتم التوافق عليهم بواسطة القوى الموقعة على إعلان الحرية والتغيير ولا يقل تمثيل المرأة به عن 40%".

المجلس العسكري.. بين الرفض والقبول

بعد نحو أسبوع من تسلّمه الوثيقة الدستورية، قال المجلس العسكري السوداني إنه يوافق بصفة عامة عليها، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى جملة من البنود التي "تفتقر إليها الوثيقة"، إضافة إلى عدد من البنود التي تحتاج إلى مراجعات.

ولعل أبرز ما انتقده الجيش هو عدم تطرّق الوثيقة إلى الشريعة الإسلامية، مشيراً إلى أن قادة المجلس العسكري يريدون أن تكون الشريعة الإسلامية والأعراف المحلية مصدراً للتشريع.

وقال الفريق شمس الدين كباشي المتحدث باسم المجلس "رأينا أن تكون الشريعة الإسلامية والأعراف والتقاليد في جمهورية السودان هي مصدر التشريع".

وأضاف أن المجلس يعتقد أن سلطة إعلان حالة الطوارئ في البلاد يجب أن تكون "للسلطة السيادية لا سلطة مجلس الوزراء" مثلما نصت الوثيقة.

الكباشي قال إن المرحلة الانتقالية يجب أن تستمر عامين فقط 
الكباشي قال إن المرحلة الانتقالية يجب أن تستمر عامين فقط  ()

ومن أبرز الانتقادات التي وجهها الجيش إلى قوى إعلان الحرية والتغيير، تضمُّن وثيقتها بنداً ينص على أن المرحلة الانتقالية يجب أن تكون لمدة أربع سنوات، وقال الكباشي "الفترة الانتقالية يجب أن تستمر لمدة عامين لا أربعة مثلما اقترحت المعارضة".

الكباشي لفت أيضاً إلى أن في الوثيقة التي قدّمها قادة التظاهرات "كثيراً من نقاط الالتقاء بينما توجد نقاط تحتاج إلى استكمال". وأضاف أنّ الوثيقة "تجاهلت كذلك اللغة العربية كلغة رسمية للدولة".

وقال "نحن نثق بقوى إعلان الحرية والتغيير ونثق أنّنا في جلسة تفاوض واحدة سنصل إلى ترتيبات انتقالية".

تعقيباً على ذلك، قال أمجد فريد، المتحدث باسم تجمع المهنيين السودانيين الذي يعد جزءاً من قوى إعلان الحرية، إن المجلس العسكري أرسل رداً مكتوباً، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنه "ستتم مناقشة رد المجلس العسكري الانتقالي، ثم إعلان الموقف في وقت لاحق".

الشعب يعاني وفي أوّل ردّ فعل على تصريحات الجيش في ما يتعلق بالوثيقة الدستورية، قالت قوى إعلان الحرية خلال مؤتمر صحفي في الخرطوم إن "المجلس العسكري لم يقدّم أي بدائل في ردّه على وثيقتنا".

وأشارت القوى إلى أن "معاناة الشعب تزداد في ظل الأزمات السياسية وعدم وجود حكومة انتقالية متفق عليها، وأن ردّ المجلس العسكري أثار شكوكنا بشأن التزامه تسليم السلطة".

وأضافت "لا نطلب السلطة لأنفسنا، ونحن صوت الجماهير التي تثق بنا، وسوف يستمرّ التصعيد والنضال إلى أن تتحقق سلطة مدنية بعيداً عن أي تسويف".

الثورة المضادة

من جانبه، قال إبراهيم عبد الحكيم، القيادي في قوى إعلان الحرية والتغيير، إن تصريحات المتحدث باسم المجلس العسكري مكررة جداً، مشيراً إلى أن المجلس يبتغي التصعيد والصيد في المياه العكرة، وذلك من منطلق اعتقاده أن القوى ليست على قلب رجل واحد.

وأضاف لـTRT عربي "قوى إعلان الحرية والتغيير عملت على معالجة الخلافات في صفوفها والتوصل إلى حلول مرضية للأطياف كافة، وتحديد القنوات الرسمية للتصريحات الإعلامية، وحسم الخلافات السياسية".

وعبّر عبد الحكيم عن عدم رضى قوى الحرية والتغيير عن تصريحات المجلس العسكري التي أعقب تسليمه الوثيقة الدستورية، وقال "الوثيقة تحتوي على تسع نقاط، وقد اتفقنا على الحد الأدنى منها".

وقال إن "قادة المجلس العسكري الانتقالي ليسوا على قلب رجل واحد، فيه ضباط لا يزالون يدينون بالولاء للرئيس السابق عمر البشير، وهناك صراعات كبيرة تؤدي إلى انقسامات تبدو واضحة المعالم، ولعل آخرها هو قبول استقالة أربعة من أعضاء المجلس".

وفي ما يتعلق بالفترة الانتقالية التي حددتها الوثيقة بأربع سنوات ورفضها الجيش، قال القيادي في قوى إعلان الحرية والتغيير إن القوى "لديها رؤية لا يمكن التفاوض عليها، فالسودان لم يتعافَ بعد من دائرة الانقلابات العسكرية والفساد، وهو بحاجة إلى أربع سنوات كحد أدنى من أجل ترتيب ملفات الحرب والسلام والنظام الاقتصادي المهترئ، ومعالجتها".

ويرى عبد الحكيم أن المجلس العسكري بدأ يفتعل الأزمات في السودان، وأن الثورة المضادة بدأت تطل برأسها، "يبدو ذلك واضحاً من خلال أزمات الوقود والكهرباء على سبيل المثال".

المصدر: TRT عربي - وكالات