القيادة العثمانية تلقت هذه الرسالة: "لقد تلقى الإنجليز مرة ثانية، الدرس الذي سبق أن تلقوه في جناق قلعة، وفهموا أنهم لن يتمكنوا من كسر المقاومة العثمانية، ومن أخذ غنائم من يد العثمانيين"  (AA)

يصادف الـ29 من أبريل/نيسان من هذا العام الذكرى 105 لمعركة حصار الكوت (مدينة عراقية تقع جنوب شرقي بغداد)، التي وقعت إبان الحرب العالمية الأولى، بين القوات العثمانية والقوات البريطانية.

يعد استسلام "الكوت" ثاني أكبر نصر في الحرب العالمية الأولى بعد معركة جناق قلعة، حيث انتهى الحصار باستسلام الجيش البريطاني بأكمله، والذي بلغ عدده 13 ألف جندي، للقوات العثمانية.

وتوضح الوثائق العسكرية في أرشيف رئاسة الأركان التركية، أن قائد الجيش العثماني آنذاك، ويدعى خليل باشا، كتب عقب استسلام الجيش البريطاني في 29 أبريل/نيسان 1916، أن "التاريخ سيواجه صعوبة في إيجاد كلمات لتسجيل هذا الحادث".

وأعلن خليل باشا النصر في معركة كوت العمارة قائلاً: "إن ثبات العثمانيين كسر عناد الإنجليز، فكان النصر الأول في جناق قلعة، والثاني هنا".

المؤرخ البريطاني جيمس موريس، وصف معركة الكوت بأنها "الاستسلام الأكثر إذلالاً في التاريخ العسكري البريطاني"، حيث بدأت المعركة بحصار الجيش العثماني للقوات البريطانية والحلفاء في بلدة الكوت الواقعة على ضفاف نهر دجلة جنوب شرقي العراق، وانتهت بسيطرة العثمانيين على الكوت واستسلام كامل الجيش البريطاني.

وكانت الفرقة السادسة في الجيش البريطاني بقيادة الجنرال تشارلز فير فيريرز تاونسند، تتقدم نحو بغداد، غير أنها منيت بالهزيمة بعد مواجهة القوات العثمانية في معركة سلمان باك، في 22-23 نوفمبر/ تشرين الثاني 1915، ما دفعها إلى التراجع إلى الكوت في الثالث ديسمبر/كانون الأول، من العام نفسه.

وكان الجنرال "كولمار فون در غولتس باشا" القائد الألماني الذي جرى تعيينه في الفيلق السادس العثماني، أمر قائد الجيش العثماني في العراق وما حوله، العقيد "نورالدين باشا"، بمحاصرة بلدة الكوت في 27 ديسمبر/كانون الأول 1915.

وبدأ البريطانيون هجوماً بقيادة الجنرال "أيلمر" لإنقاذ جيشهم المحاصر في الكوت، إلا أنهم اضطروا إلى التراجع، بعد أن خسروا أربعة آلاف جندي في معركة "شيخ سعد" في 6 يناير/كانون الثاني 1916، وعقب إصداره أمر الانسحاب للجيش العثماني في هذه المعركة عُزل العقيد نورالدين باشا من قيادة الجيش التاسع العثماني، وعُين خليل باشا عوضاً عنه.

وفي يناير/كانون الثاني 1916 مني الجيش البريطاني بالهزيمة في معركة الوادي، ومعركة أم الحنة. وفي مطلع مارس/آذار عاود البريطانيون الهجوم، حيث شنوا هجوماً على الفيلق 13 العثماني بقيادة العقيد علي إحسان بيك، لتنتهي المعركة بهزيمة الجيش البريطاني، ومقتل ثلاثة آلاف و500 من جنوده، ومن ثم انسحابه، وعزل الجنرال أيلمر من منصبه.

وفي 19 أبريل/نيسان 1916 عُين خليل باشا قائداً للجيش السادس بعد وفاة الجنرال "كولمار فون در غولتس" باشا في بغداد جراء إصابته بحمى التيفوئيد، وفي 29 أبريل/نيسان استسلم الجيش البريطاني بقيادة تشارلز تاونسند.

البريطانيون يعرضون المال مقابل السماح لجيشهم المحاصر بالتوجه إلى الهند

وبحسب الوثائق العسكرية، فإن خليل باشا، أرسل تلغرافاً لقيادة الجيش العثماني، أوضح فيه بأن " تاونسند، عرض مليون جنيه، مقابل السماح له ولجيشه، بالتوجه إلى الهند"، وطلب من أصحاب القرار في الدولة إعطاءه توجيهات بهذا الخصوص. وجاء رد قيادة الجيش العثماني لخليل باشا، "لا حاجة لنا بالنقود، يمكنكم السماح لتاونسند فقط بالرحيل، مع أسر جيشه".

وفي برقية أخرى، أوضحت فيها قيادة الجيش، أنه يمكن السماح لتاونسند، بالذهاب بحرية إلى المكان الذي يريد، مقابل استسلامه مع جنوده وتعهده بألا يعتدي على الجيش العثماني، طوال فترة الحرب.

من جانبه طلب تاونسند، من خليل باشا، التوسط له لدى أنور باشا، من أجل "السماح له، ولمساعده وثلاثة من أتباعه، بنقلهم إلى إسطنبول، معلناً استعداده لتسليم جنوده.

وأوضح تاونسند، في برقيته لخليل باشا، "السيد خليل باشا، الجوع يجبرنا على ترك السلاح، لذا فإنني بناء على عهدكم بأن جنودنا الأبطال سيحلّون ضيوفاً مكرمين لديكم، أعلم جنابكم العالي باستعدادي لتسليم جنودي لكم".

وأضاف تاونسند في برقيته، "نحن مستعدون لتسليم كوت العمارة، عقب الاستجابة لشروطنا، وتسريع عملية نقل المؤن"، مردفاً "أعرض عليكم زيارة الجرحى، حيث إنكم ستشاهدون من بترت أقدامهم وأيديهم، أو من حل به الهزال والمرض جراء الجوع، ولا أعتقد أنكم ستأخذونهم أسرى حرب، وأعرض نقلهم إلى الهند بدل ذلك".

وأعلن تاونسند، عقب استسلامه للجيش العثماني، أنه سينتقل إلى إسطنبول ومنها إلى لندن، وهنأ خليل باشا على نصره.

كما بعث تاونسند برقية إلى مقر قيادة القوات البريطانية في أوروبا، أفاد فيها بأن فوجاً من الجيش العثماني، اقترب من الكوت استعداداً لاستلام الجنود البريطانيين، وأنهم رفعوا الراية البيضاء فوق أسوار المدينة.

استسلام الجيش البريطاني

أرسل خليل باشا، في 16 أبريل/نيسان، تلغرافاً إلى أنور باشا قال فيه: إن عملية أسر تاونسند وجنوده المحاصرين البالغ عددهم 13 ألفاً و100 جندي، بدأت صباح ذلك اليوم.

وفي تلغراف آخر أرسله إلى قيادة الجيش العثماني، قال خليل باشا: إن الجنود البريطانيين أتلفوا أسلحتهم خلال الليل، ومن ثم بدأوا الاستسلام للجيش العثماني صباحاً.

وأضاف خليل باشا أنه أرسل تاونسند، ومعاونه، وأتباعه الثلاثة، إلى إسطنبول، كأسرى حرب.

وبعد النصر العثماني الكبير الذي تحقق في الكوت، رفع قائد الفوج الثالث العثماني، النقيب نظمي، العَلَم العثماني على مبنى الحكومة في الكوت، كما رُفعت راية الفوج على مقر الجنرال تاونسند.

وقالت رسالة تلقتها قيادة الجيش العثماني، تشرح ما حدث في الكوت: "لقد تلقى الإنجليز مرة ثانية، الدرس الذي سبق أن تلقوه في جناق قلعة، وفهموا أنهم لن يتمكنوا من كسر المقاومة العثمانية، ومن أخذ غنائم من يد العثمانيين".

وذكرت الرسالة محاولات البريطانيين لإيصال المؤن إلى الكوت لدى حصارها، ومنها محاولتهم إسقاط أكياس دقيق من الجو، إلا أن الطائرات الحربية العثمانية أسقطت نظيرتها البريطانية، كما حاول الإنجليز إدخال المؤن عبر السفن ليلاً، ولكن الجنود العثمانيين صادروا تلك السفن.

وقال خليل باشا في رسالة إلى الجيش السادس العثماني بعد نصر الكوت "سقط 350 ضابطاً و10 آلاف جندي من جيشنا، شهداء في الكوت، إلا أن المعركة أفضت في النهاية إلى استسلام 13 جنرالاً و481 ضابطاً، و13 ألفاً و300 جندي من الجيش البريطاني، كما انسحبت القوات التي كانت تحاول إنقاذ الجيش البريطاني، بعد أن سقط منها 30 ألف قتيل".

وأضاف خليل باشا "نحن أمام فرق كبير إلى درجة تدهش العالم. سيجد المؤرخون صعوبة في إيجاد كلمات لوصف هذه المعركة، كانت جناق قلعة النصر الأول الذي كسر فيه ثبات العثمانيين عناد الإنجليز، وأمامنا هنا النصر الثاني".

بدوره قال العقيد كاظم قره بكر، قائد الفيلق العثماني الـ18 في خطاب مكتوب "فلنحمد الله الذي وهبنا نصراً، لم يشهده تاريخنا منذ مئتي عام (...) هذه هي المرة الأولى التي تدخل فيها الحربة التركية التاريخ الإنجليزي".

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً