فيما باتت معظم الأطراف الخارجية راغبة في تثبيت هدنة وقف إطلاق النار في ليبيا والتخلي عن خليفة حفتر في مساعيه للحسم العسكري، لا تزال الإمارات وحليفتها إسرائيل تدعمان الجنرال الانقلابي، أملاً في انتصار لم يستطع الأخير تحقيقه خلال عام ونصف العام.

حفتر يبذل محاولات متكررة لإفشال هدنة وقف إطلاق النار والعودة إلى المسار العسكري
حفتر يبذل محاولات متكررة لإفشال هدنة وقف إطلاق النار والعودة إلى المسار العسكري (Getty Images)

في الوقت الذي تسعى فيه أغلب الأطراف الدولية والإقليمية إلى تثبيت هدنة وقف إطلاق النار المستمرة في ليبيا منذ 21 أغسطس/آب الماضي، تمهيداً للدخول في مفاوضات تنتهي بتسوية ووضع أكثر استقراراً من ذلك الذي يعيشه البلد الغني بالنفط منذ قرابة عام ونصف العام، يبذل خليفة حفتر، ومن ورائه داعمون قليلون في مقدمتهم الإمارات وحليفتها إسرائيل محاولات متكررة من أجل إفشال الهدنة والعودة إلى المسار العسكري.

الإمارات حالياً هي الطرف الوحيد الذي يرجح الحل العسكري ويعمل على تسعير الحرب في ليبيا

نزار كريكش - مدير مركز البيان للدراسات

خروقات متكررة

يعتمد حفتر مدعوماً من الإمارات، في محاولته إفشال هدنة وقف إطلاق النار التي بدا أن معظم الأطراف داخلياً وخارجياً، بمن في ذلك بعض حلفاء حفتر أنفسهم، راغبة في إطالته وبدء مفاوضات، على استراتيجية ذات شقين؛ الأول يتمثل في الخروقات المتكررة، والثاني رفض إخلاء مدينتي سرت والجفرة من المليشيات والمرتزقة المتمركزة فيها.

وكان آخر تلك الخروقات ما أعلنه الجيش الليبي الأربعاء، حول أن مليشيات حفتر أطلقت 6 صواريخ غراد باتجاه تمركزات قواته غرب مدينة سرت شمالي البلاد، في ثاني خرق للهدنة خلال 3 أيام.

وقد قوبلت خروقات حفتر بتنديد أممي صريح، إذ قالت ستيفاني ويليامز الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة الأربعاء، إن قصف مليشيات حفتر المتكرر "خرق فاضح" لوقف إطلاق النار في ليبيا، لافتة إلى واقعة إطلاق صواريخ تجاه مناطق تتمركز فيها قوات الجيش الليبي قرب سرت في 26 أغسطس/ آب الفائت، والليلة الماضية.

أما بالنسبة للشق الثاني المتمثل في رفض حفتر إخلاء مليشياته سرت والجفرة، فقد طالب الطاهر السني مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة، بضرورة أن تصبح المدينتان "منزوعتي السلاح"، وخروج القوات الأجنبية والمرتزقة منهما، كشرط موضوعي لإنجاح الهدنة.

وأضاف السني في كلمة له أمام مجلس الأمن، أن الغاية الأساسية من وقف إطلاق النار هو استرجاع السيادة الكاملة على التراب الليبي، بما يتضمن إعادة فتح الموانئ والحقول النفطية فوراً.

الإمارات فقط

على الرغم من أن أطرافاً عدة كانت تعوّل على إمكانية حسم حفتر معركة طرابلس التي أطلقها قبل نحو 17 شهراً، ليتغير المشهد كلياً ويصبح الجنرال المنقلب سيد ليبيا الأوحد على نحو يخدم مصالح تلك الأطراف، فإن فشل حفتر في تحقيق ما أُوكل إليه دفع الكثير من داعميه إلى تغيير وجهتهم وإن لم يتخلوا عنه تماماً.

يُستثنى من أولئك دولة الإمارات التي يبدو أنها لا تزال مصممة على الخيار العسكري وإن كان لا مفر لذلك سوى دعم الجنرال الفاشل، وتؤكد تلك المقاربة تقارير صحفية حديثة تتحدث عن وصول أسلحة إسرائيلية إلى مليشيات حفتر منها 5 راجمات صواريخ من طراز "لينكس"، عبر الإمارات.

في هذا الصدد، يقول مدير مركز البيان للدراسات والباحث في الشأن الليبي نزار كريكش إن "الخروقات المستمرة للهدنة ليست سوى محاولة من حفتر للبقاء في المشهد"، لا سيما أن "كل المؤشرات تشير إلى وجود ضغط دولي وإقليمي من أجل الذهاب إلى مفاوضات وتسوية سياسية تفضي إلى مرحلة دائمة، لأن الحرب جُرِّبت واستمر حفتر في القتال لمدة سنة، وخسر بخسارته العسكرية الدعم الخارجي الذي كان يتلقاه".

ويضيف كريكش في حديث لـTRT عربي، أن "الإمارات حالياً هي الطرف الوحيد الذي يرجح الحل العسكري ويعمل على تسعير الحرب في ليبيا"، لافتاً إلى أن النظام المصري الذي يُعد من أبرز داعمي حفتر يبدو وأنه "قد خفف لهجته".

ويتابع: "المسار السياسي بدأ يزداد زخمه أمام تراجع تعويل القوى الخارجية على الحل العسكري"، مستدركاً بأن "حفتر مع ذلك لم يخرج من المعادلة بالكامل، لأن المنطقة الشرقية لا تزال تحت سيطرة قواته، وخروجه سيعني فراغاً قد يفتح المجال لقوى أخرى تتقاتل، وهو ما لا تريده معظم الأطراف".

على الرغم من الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي قد لا يكون له تأثير كبير على حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.. فإنه قد ينعكس بشكل عميق على الصراعات في أماكن أخرى

جيسون باك في مقال منشور على فورين بوليسي

التحالف الإماراتي الإسرائيلي

على صعيدٍ موازٍ، يقابل إصرار الإمارات على دعم حفتر وحله العسكري حتى النهاية، رضا ودعم من إسرائيل أيضاً، لا سيما بعد إعلان التطبيع رسمياً بين البلدين في أغسطس/آب الماضي.

وقد وردت على مدار الأشهر الماضية تقارير عدة تؤكد دعم تل أبيب لرجل أبو ظبي في ليبيا، منها ما أشار إليه الكاتب الإسرائيلي يوسي ميلمان في مقال نُشِر على موقع "ميدل أيست آي" في أبريل/نيسان الماضي، حول إشراف جهاز الموساد بشكل خاص على العلاقات بين تل أبيب وحفتر، وتقديم دعم لوجستي إسرائيلي لمليشياته ومدها بأسلحة ومعدات عسكرية، عبر الإمارات غالباً.

إلا أن الأمر الآن بدا مختلفاً بعد إعلان اتفاق التطبيع بين تل أبيب وأبو ظبي، والذي يراه مراقبون شراكة استراتيجية خرجت إلى العلن أكثر من كونه اتفاق سلام بين دولتين لم تكونا يوماً متحاربتين.

ويشير إلى ذلك الفارق الباحث المتخصص في الشأن الليبي جيسون باك في مقال نُشر على موقع مجلة فورين بوليسي، بعنوان "الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي لن يجلب السلام، لكنه سيطيل أمد الحرب في ليبيا".

ويجادل باك في مقاله بأن "على الرغم من اتفاق التطبيع قد لا يكون له تأثير كبير على حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.. فإنه قد ينعكس بشكل عميق على الصراعات في أماكن أخرى، على نحو يزيد من حدة الحرب الباردة المعاصرة التي اجتاحت منطقة الشرق الأوسط منذ انطلاق ثورات الربيع العربي".

ويشير الباحث السياسي إلى "الأهمية الإقليمية للاتفاق الإماراتي الإسرائيلي.. (الذي) من المرجح أن يشكِّل مستقبل المنطقة عبر إضفاء الطابع الرسمي على تقسيمها إلى كتلتين متنافستين (فقط)، بعد اندماج إسرائيل في المنطقة بقوة إلى جانب الكتلة التقليدية المؤيدة للملكيات والمعادية للثورة".

في هذا الإطار، يلفت باك إلى أن انعكاسات ذلك ستكون مباشرة على الصراع الليبي، إذ لم يعد هناك ما يمنع تل أبيب من إعلان دعمها رسمياً لحليف حليفها، في إشارة إلى حفتر والإمارات.

المصدر: TRT عربي