فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على الصادرات الإيرانية من اليورانيوم المخصَّب، في سياق سلسلة العقوبات المستمرة على طهران، التي يستفيد منها أطراف فيما يخسر فيها آخرون، وتفتح خيارات عديدة في المنطقة.

حاويات نقل تمر عبر مضيق هرمز من جهة إيران
حاويات نقل تمر عبر مضيق هرمز من جهة إيران (AFP)

عندما انسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من الاتفاق النووي، الذي كان غطاء التحركات الإيرانية النفطية في العالم، حصل عملاء النفط من الإيرانيين على ستة أشهر للعثور على مصادر أخرى للنفط أو مواجهة عقوبات مالية. وبعد نهاية تلك الأشهر الستة في نوفمبر/تشرين الثاني2018،حصل عديد من الدول، بما في ذلك كبار المستوردين مثل الصين والهند وتركيا، على إعفاءات مؤقتة لمواصلة استيراد النفط من طهران، انتهت مهلتها كذلك في 2 مايو/أيار الجاري.

ولم يتوقف الضغط الأمريكي ضدّ إيران، بل تَواصَل ليشمل فرض عقوبات جديدة على الصادرات الإيرانية من اليورانيوم المخصّب التي يجيزها الاتفاق النووي، مع إعفاءات أخرى لروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، قد تنتهي كغيرها بعد90يوماً.

المسؤولون في الإدارة الأمريكية يصرون على أن هذه الضغوط لا تهدف إلى إسقاط النظام بل إلى تغيير سلوكه، الذي يتجسد في دعمه جماعاته المسلحة في عدة دول، وتهديداته للجيران الذين يُعتبرون أهم حلفاء واشنطن، وأبرزهم المملكة العربية السعودية، إضافة إلى مواصلة تطوير الصواريخ التي ترى واشنطن أنها "ستشكّل خطراً نوويّاً في المستقبل".

في طهران، يبدو التعامل مع تصرفات إدارة ترمب وتصريحات مسؤوليها خالياً من الانصياع المعتاد لدى الدول التي تواجه الولايات المتحدة، وهو ما جسّده الرئيس الإيراني حسن روحاني عندما ردّ على كل ذلك بأن إيران ستتصدى للعقوبات الأمريكية عن طريق مواصلة تصدير النفط وتعزيز الصادرات غير النفطية.

النفط.. نووي إيران

على بُعد نحو 70 ميلاً من السواحل السعودية على البحر الأحمر، توقفت ناقلة نفط إيرانية تحمل أكثر من مليون برميل بسبب مخاوف جدية من احتمال تسرب النفط من السفينة.

ورغم الظروف الزمنية المتوترة التي تزامنت معالثاني مايو/أيار الجاري،يوم انتهاء إعفاءات الولايات المتحدة من النفط لمشتريات النفط الخام الإيراني، لم يمنع ذلكوكالة الأنباء السعودية من إعلان إنقاذ حرس الحدود الناقلة الإيرانية بعد"عطل في المحرك وفقدان السيطرة عليها" ونقلها إلى ميناء جدة، وأفادت الوكالة وقتها بأن السفينة كان بها طاقم من 26 فرداً بينهم 24 إيرانيّاً وبنغلاديشيان.

قدّر موقع "TankerTrackers" الذي يراقب مبيعات النفط في البحار السعة التي تحملها الناقلة بنحو 1.1 مليون برميل من الوقود، مشدّداً على أنه لا يعتقد بوجود تسرُّب للنفط، على الرغم من المعلومات التي تحدثت بذلك.

غموض ملابسات الحادثة حسب الموقع، فتح المجال لقراءة مدى واقعية العقوبات الأمريكية على النفط الإيراني وعلى مستورديه، بخاصة مع التباين الكبير في الآراء حول قدرة المملكة العربية السعودية على تغطية حصة إيران من النفط العالمي، إذ أفاد آخر الأرقام بعدم قدرتها على تغطية أكثر من500ألف برميل.

ورغم ذلك يواصل الرئيس الأمريكي مُضِيَّه إلى الأمام بالعقوبات على طهران، وضرب اقتصادها وخنقها أكثر فأكثر، إلا أنه في ذات الوقت يخاطر بأسعار النفط العالمية، ويعرّض أهم الممرات النفطية في العالم، وهو مضيق هرمز، لخطر المواجهة أو الإغلاق.

خيارات مفتوحة

حتى الآن، كان ردّ فعل إيران صاخباً بالتهديدات والتصريحات، التي كان آخرها عدم استبعاد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف "مواجهة عسكرية في المنطقة" وإشارته إلى أن "دول المنطقة لن تكون في مأمن منها".

من جهته، شكّك رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني، في قدرة السعودية والإمارات على إنتاج النفط أكثر من النسبة الحالية، ورأى أن التعاون السعودي-الأميركي بشأن النفط يُعَدّ حرباً نفسية ضدّ طهران.

تصريحات المسؤولين الإيرانيين المتجهة نحو التصعيد والحرب، بلغت حد التهديد بالانسحاب من الاتفاق النووي الذي ما زالت إيران ملتزمة شروطه، وهو ما يعني إعادة تشغيل برنامج الأسلحة النووية، بخاصة مع عدم إيفاء الأوروبيين بتعهداتهم، حسب جواد ظريف.

إيران قابلت تصنيف حرسها الثوري بالمعاملة بالمثل، وأعلنت القوات العسكرية الأمريكية في المنطقة إرهابية أيضاً، كما هدَّدَت بإغلاق مضيق هرمز، الخطوة التي وصفها مستشار الأمن القومي الأمريكي مايك بولتون بـ"غير المقبولة" مما يعني ضمناً أنها قد تدعو إلى ردّ عسكري أمريكي.

في مقابل هذه التهديدات وعلى النقيض منها، ظهرت مؤشرات أخرى خلال السنوات الأخيرة دلت على إمكانية التهدئة بين الطرفين، وقالت مجلة أتلانتيك الأمريكية إن اللوم الأمريكي على إيران وتحميلها مسؤولية مقتل 603 من أفراد الخدمة الأمريكية في العراق من عام 2003 إلى عام 2011، لم يمنع طهران وواشنطن من القتال على نفس الجانب في العراق ضدّ تنظيم داعش الإرهابي بعد عام 2014.

وفي ذات الوقت، وعلى الرغم من أن إيران رفضت مراراً وتكراراً مبادرات التفاوض من الولايات المتحدة، تدلّ علامات أخرى على إمكانية تخفيف نار الحرب، أبرزها تصريح وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف مؤخراً عندما طرح فكرة تبادل الأسرى في زيارة منه لنيويورك.

إيران.. أكبر المتضررين

في معركة الربح والخسارة، يُعتبر اقتصاد إيران وشعبها، أكبر الخاسرين حاليّاً، فمسؤولو الإدارة الأمريكية يُصِرُّون على سياسة "التجويع" للحَدّ من أنشطة أجهزة إيران في المنطقة، ففي الفترة الأخيرة كان على زعيم تنظيم حزب الله حسن نصر الله أن يطلب التبرعات من الناس، جاء ذلك بعد تصنيف الحرس الثوري الذي يسيطر على نسبة20-50% من الاقتصاد الإيراني.

على مستوى آخر، يُعَدّ التضخم أكبر خطر على اقتصاد إيران، فتكلفة السلع الأساسية تضاعفت، فيما أصبح استيراد الأدوية أمراً صعباً، على الرغم من أن العقوبات تُعفِي المواد الإنسانية على وجه التحديد. الأمر الذي أثّر على جميع الطبقات الاجتماعية، التي يراهن ترمب على انفجارها وتحريكها داخليّاً على شاكلة فنزويلا.

من جانبها، تشكو الشركات الدولية من فرص الاستثمار الضائعة في إيران بسبب الخوف من أي عقوبات أمريكية، وتأمل في إيجاد أسواق جديدة وفرص استثمارية أخرى.

وتبقى أسواق النفط العالمية أهم الخاسرين في هذه الحرب الباردة حتى الآن، رغم تعامل منظمة أوبك الجيد مع هذا الذي أبقى على أسعار النفط ثابتة حتى الآن، لكن إمكانية ارتفاعها تبقى واردة بسبب عدم قدرة فائض الطاقة الإنتاجية في السوق على تغطية نفط إيران.

حلف المستفيدين

بالمرور على سوق النفط العالمية، فإن إيران أكثر الدول معرفة بالسوق الموازية لها، وهي ما يُعرف بالسوق السوداء، فكلما تحركت الإدارة الأمريكية لجعل التجارة مع إيران غير شرعية، كانت الجهات الفاعلة غير المشروعة على استعداد لسَدّ الفجوة، والمقصود هنا المهربون.

وتتمتع إيران بخبرة ثلاثة عقود في إيجاد طرق للتهرب من العقوبات الأمريكية، من إخفاء نفطها إلى المقايضة عليه، ولدى الحرس الثوري، على وجه الخصوص، شبكة متطورة من الشركات الأمامية التي تساعد على إخفاء الأموال، فمع ارتفاع تكلفة التجارة مع إيران، تزداد الأموال المخصصة للمهربين الذين ينسجون علاقات كبيرة معهم.

ناقلات نفط تمر عبر مضيق هرمز
ناقلات نفط تمر عبر مضيق هرمز (AFP)

وفي سياق الاستفادة، بارك الحلفاء الإقليميون للولايات المتحدة، وعلى رأسهم إسرائيل والسعودية والإمارات، العقوبات باعتبارها مهمة لأمنهم، إلا أنها تُخفِي كذلك فوائد تجارية ضخمة لمنتجي النفط الخليجيين الذين يمكنهم بيع مزيد من نفطهم لتعويض النقص من إيران.

أما المستفيد الأكبر فيبقى الولايات المتحدة، التي قد لا تحصل على امتثال إيراني لمطالب وزير خارجيتها مايك بومبيو الـ12، لكن في الوقت نفسه، ستكون هي الفائز عندما تستطيع فرض رؤيتها على العالَم، وهي أن "كل دولار لا يتدفق إلى إيران هو دولار لا يستطيع النظام الإيراني إنفاقه على الإرهاب أو الصواريخ".

المصدر: TRT عربي