هل تحاول مصر استعادة دور قزّمته الإمارات؟ (AFP)

بعد الدور الكبير الذي لعبته القاهرة في اتفاق هدنة وقف إطلاق النار بين إسرائيل وفصائل المقاومة الفلسطينية في غزة، أُثيرت تساؤلات عدة حول إمكانية استعادة مصر مركزيتها الإقليمية بعد فترات من التراجع، بالتزامن مع تعاظم لأدوار دول أخرى على رأسها الإمارات التي اعتُبِرت مؤخراً عرّاب التطبيع الجديد في المنطقة.

تصريحات ومواقف مغايرة

منذ بداية موجة التصعيد الأخيرة التي اندلعت بسبب التهديدات الإسرائيلية بتهجير سكان حي الشيخ جرّاح بالقدس المحتلة وما تبعها من اعتداءات نفّذها المستوطنون وشرطة الاحتلال على المصلين في المسجد الأقصى، خرجت تصريحات المسؤولين المصريين بشكل مغاير لطبيعتها التي اتسمت بها خلال السنوات الماضية، بالبرود أو حتى الانحياز إلى الجانب الإسرائيلي.

وأخذ الموقف يتضح جليّاً مع تصريحات وزير الخارجية المصري سامح شكري في كلمة ألقاها في 15 مايو/أيار الجاري، أمام اجتماع وزاري طارئ لجامعة الدول العربية، إذ قال: "نجتمع اليوم في ظل أيام مباركة من شهر مبارك، غير أن لنا إخوة في القدس لم تُتح لهم الفرصة ليستشعروا نفحات الشهر الكريم لأنهم يخوضون معركة وجود دفاعاً عن مقدساتهم وعن بيوتهم في وجه هجمات إسرائيلية جديدة تستهدف حقوقهم في الأرض التي وُلدوا عليها".

وأكّد متابعون للسياسة الخارجية المصرية التي ارتسمت معالمها بعد وصول النظام الحالي إلى سدة الحكم عقب انقلاب قاده الجيش على السلطة المنتخبة منتصف 2013، أن اللهجة التي استخدمها شكري اختلفت كثيراً عن تلك المستخدمة خلال الأعوام الماضية.

ولم تكتفِ القاهرة بالتصريحات القوية فقط، إذ أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بعد ذلك بنحو أسبوع، عزم بلاده تقديم منحة مساعدات لإعادة إعمار غزة بقيمة 500 مليون دولار، وبعدها بنحو يومين، أعلِن عن التوصل لاتفاق الهدنة بين إسرائيل وفصائل المقاومة، تتويجاً لنجاح وساطات إقليمية ودولية، كان على رأسها الوساطة المصرية.

هل كان التغيّر جذرياً؟

على الرغم من الاختلاف الظاهري في الموقف المصري الذي بات هذه المرة منحازاً بوضوح إلى الجانب الفلسطيني، يرى كُتاب ومراقبون أن التحوّل الحالي ليس وليد اللحظة، وأنه إن كان مختلفاً على مستوى الشكل، فإن مضمونه لا يختلف كثيراً عن السياسة التي اتبعتها القاهرة بهذا الشأن منذ عام 2014، العام الذي قادت فيه مصر جهود وساطة نجحت في التوصل إلى هدنة وقف إطلاق نار بعد عدوان شنّته إسرائيل على قطاع غزة لنحو 7 أسابيع.

على الرغم من ذلك، نقل موقع "مدى مصر" الصحفي عن مسؤول حكومي لم تُسمّه، تأكيده أن الموقف المصري هذه المرة «يختلف بالفعل» عن موقفها عام 2014، إذ وجّهت القاهرة حينها لوماً كبيراً لفصائل المقاومة الفلسطينية في القطاع بسبب إطلاق الأخيرة صواريخ على الداخل الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن أسباب هذا التحول متنوعة ومتشابكة؛ فمنها ما يتعلق بالإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جو بايدن، والتقارب المصري مع حركة حماس الذي وصل إلى ذروته باستقبال قيادات الحركة في القاهرة عام 2017، وغيرها من الأسباب.

مسافة من الإمارات

ولكن عاملاً آخر بات أساسياً في المعادلة، ويتمثّل في الخلافات بين مصر والإمارات، التي وصلت إلى مستويات لم يعد ممكناً إغفالها، بسبب عديد ملفات، منها ما رأته القاهرة تجاوزاً لدورها خلال حملة التطبيع التي قادتها الإمارات العام الماضي وانتهت بإعلان 4 دول عربية خلال أشهر قليلة تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، فضلاً عن قضايا أخرى.

وفي هذا الصدد، نقل موقع مدى مصر عن مسؤولين مصريين لم يسمّهما قولهما إن النظام المصري بات يشعر أن الإمارات "تعمل ضده على أكثر من محفل، منها الموقف في سد النهضة إذ تجنّبت الضغط على إثيوبيا لصالح مصر"، وأضاف المسؤولان أن "تحركاً آخر أثار القاهرة، وهو التنسيق المباشر مع إسرائيل وقبرص واليونان بشأن منتدى غاز شرق المتوسط"، على نحو تجاهل مصر، فيما رفض الرئيس الفلسطيني محمود عباس انضمام الإمارات البعيدة جداً عن شواطئ المتوسط، إلى المنتدى.

يُذكر أن الموقف الإماراتي من سد النهضة الإثيوبي يكتسب أهمية خاصة، إن وُضِعت التحركات الإسرائيلية التي تراها القاهرة منذ فترة طويلة، منحازة إلى الجانب الإثيوبي، في الملف نفسه.

من ناحية أخرى، تمثّل القضية الفلسطينية تحديداً حساسية خاصّة لمصر بما قد لا يتأثر بطبيعة النظام الحاكم في القاهرة، وهو أمر يرى مراقبون أن الإمارات لم تتفهمه جيداً.

وفي هذا الإطار، يؤكد الصحفي المصري الكبير فهمي هويدي أن "الدور المصري محكوم باعتبارات التاريخ والجغرافيا. بمعنى إذا ذكرت أن مصر على حدود غزة، بالتالي الجغرافيا حكمت على مصر أن تكون لها يد طولى في غزة".

كما يشير هويدي في مقابلة أجرتها معه "دويتش فيله" الألمانية، إلى أن القضية الفلسطينية مركزية بالنسبة لمصر "باعتبارها دولة عربية كبرى لها دور قيادي في الساحة".

أمّا فيما يتعلق بالمحاولات الإماراتية لعب دور جديد في المعادلة، يقول هويدي: "حينما تتداخل دول صغرى كالإمارات، هنا علينا أن نقول صراحة إن هذه الدول التي تدخلت في الوقت الخطأ أصبحت أيديها ملطخة بالدم الفلسطيني في هذه التجربة".

تحالفات إقليمية جديدة

وبالإضافة إلى الخلافات المذكورة بين مصر وحليفتها "السابقة" الإمارات، تجب الإشارة إلى تحالفات إقليمية جديدة اتخذت القاهرة خطوات مهمة فيها، لا سيما بخصوص التقارب الأخير مع أنقرة، فضلاً عن إعادة العلاقات مع الدوحة، الخصم الخليجي التقليدي لأبو ظبي، والمضي قُدماً في تطوير العلاقات معها.

وبخصوص النقطة الثانية، وجه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني للمرة الأولى منذ بدء القطيعة مع مصر منتصف عام 2017، دعوة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لزيارة الدوحة، وفقاً لما أفادت به الرئاسة المصرية، في بيان، عقب استقبال السيسي، وزير خارجية قطر محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وتسلمه رسالة من أمير البلاد.

وحضر اللقاء من مصر وزير الخارجية سامح شكري، ورئيس المخابرات العامة عباس كامل، إلى جانب رئيس جهاز أمن الدولة القطري عبد الله الخليفي.

وتضمنت الرسالة "الإعراب عن التطلع لتعزيز التباحث بين البلدين حول سبل تطوير العلاقات الثنائية، وكذا مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية، وتنسيق المواقف بشأنها، بما يخدم تطلعات الدولتين".

يبدو إذن أن الأيام القادمة ستشهد تحالفات جديدة غير التي اعتدنا رؤيتها خلال الأعوام السبعة الماضية، ولكن المرجّح أن القاهرة التي خفت صوتها كثيراً عازمة على العودة بقوة إلى ساحتي الفعل الإقليمي والدولي.


TRT عربي
الأكثر تداولاً