البرلمان التونسي يصادق على تعديل قوانين اختيار المحكمة الدستورية (Jihed Abidellaoui/Reuters)

خطا البرلمان التونسي خطوة جديدة ومهمة نحو إرساء محكمة دستورية في البلاد، قد تنهي سنوات من الفراغ الدستوري نشبت خلالها صراعات قانونية بين مؤسسات الدولة التجأ فيها كل طرف لتأويله للدستور الذي أقر سنة 2014.

وبعد سجال حاد داخل قبة مجلس نواب الشعب، تخلله محاولات تعطيل من قبل النائب عبير موسي وكتلتها إذ استعملت مكبرات الصوت لمحاولة منع إتمام الجلسة، نجح النواب في المصادقة على تعديل القوانين المتعلقة بالمحكمة الدستورية في تونس ما سيسهل عملية اختيار أعضائها في جلسة قررت في الثامن من أبريل/نيسان القادم.

هذه التعديلات، ورغم اعتراض البعض عليها، إلا أنها قد تحل إشكال استكمال أهم مؤسسة دستورية في البلاد والتي برزت أهميتها منذ انتخابات 2019، خاصة في قراءات تأويل الدستور بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وفي تداخل الصلاحيات بين رئيس البرلمان ورئيس الجمهورية.

المصادقة على مشروع قانون أساسي يتعلق بتنقيح وإتمام القانون الأساسي عدد 50 لسنة 2015 المؤرخ في 03 ديسمبر 2015 المتعلق بالمحكمة الدستورية عدد 39/2018 بــــرمّته بـ 111 نعم، 08 احتفاظ ودون رفض

Posted by ‎مجلس نوّاب الشّعب Assemblée des Représentants du Peuple‎ on Wednesday, March 24, 2021

ما الذي تغير؟

صدّق البرلمان التونسي بأغلبية 111 صوتاً، وتحفظ 5 نواب، على مبادرتين من الحكومة والنواب دُمجتا لتعديل قانون المحكمة الدستورية بهدف تجاوز عثرة استكمال انتخاب مجلسها المعطل منذ 7 سنوات.

وتنص المبادرة الأولى المقدمة من قبل الحكومة على تعديل القانون بالنزول بالأغلبية المطلوبة لانتخاب الأعضاء من الثلثين (145 صوتاً) إلى ثلاثة أخماس الأعضاء (131 صوتاً) من جملة 217 نائباً، على أن "يعاد فتح باب الترشحات إثر كل ست دورات انتخابية، ويجري الانتخاب خلال 3 دورات انتخابية بأغلبية الثلثين، وإن لم يحرز أي مترشح الأغلبية تعاد ثلاث دورات انتخابية متتالية بأغلبية الثلاثة أخماس إلى حين استكمال انتخاب الأعضاء الأربعة..".

كما أقر البرلمان المبادرة الثانية المقدمة من قبل الكتلة الديمقراطية المعارضة، التي تقوم على حذف شرط التتابع في انتخاب أعضاء المحكمة وتعيينهم من قبل السلطات المتداخلة لفتح المجال أمام المجلس الأعلى للقضاء لاختيار 4 أعضاء ورئيس الجمهورية لتعيين 4 أعضاء، دون التوقف عن استكمال انتخاب 4 أعضاء من قبل مجلس نواب الشعب بعد أن توفق في اختيار مرشح وحيد خلال المدة البرلمانية الماضية.

وكان البرلمان السابق قد توفق في مارس/أذار 2018 إلى انتخاب عضو واحد من أصل أربعة لعضوية المحكمة الدستورية وهي القاضية روضة الورسيغني التي تحصلت على 150 صوتاً، علماً بأن الدستور نصّ على إرساء المحكمة الدستورية في أجل سنة بعد المصادقة على قانونها الأساسي.

ويعرف الدّستور في فصله 118، المحكمة الدستورية بأنها: "هيئة قضائية مستقلة تتكون من 12 عضواً من ذوي الكفاءة، ثلاثة أرباعهم من الاختصاصيين في القانون الذين لا تقل خبرتهم عن عشرين سنة. يعيّن كل من رئيس الجمهورية ومجلس نواب الشعب والمجلس الأعلى للقضاء، أربعة أعضاء، على أن يكون ثلاثة أرباعهم من المختصين في القانون ويكون التعيين لفترة واحدة مدتها تسع سنوات".

وتختص المحكمة الدّستوريّة أساساً بمراقبة دستورية كلّ من تعديل الدّستور والمعاهدات إلى جانب مراقبة دستورية مشاريع القوانين ومراقبة دستورية النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب.
كما تتعهّد المحكمة بمهامّ أخرى، وهي إعفاء رئيس الجمهورية، وإقرار شغور منصب رئيس الجمهورية، وتلقي يمين القائم بمهام رئيس الجمهورية، واستمرار الحالة الاستثنائية، والنظر في النزاعات المتعلقة باختصاص كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.

خطوة مهمة

رغم سيطرة أجواء من الارتباك والتشنّج على الجلسة العامة بسبب استعمال رئيسة كتلة الحزب الدستوري الحرّ، عبير موسي، لمضخم صوت وسط قاعة الجلسة العامة للتعبير عن رفضها لعدم تقديم مقترح التعديل مكتوباً، وقيام عضو من الكتلة ذاتها بمحاولات بث مداخلات مسجلة بالهاتف لموسي للدفاع عن مقترحات لهذه الكتلة، جرى رفضها من قبل النواب.

إلا أن الجلسة استكملت أعمالها بنجاح، إذ اعتبرت وزيرة العدل بالنيابة، حسناء بن سليمان، أن الهدف من التعديلات المقترحة من قبل الحكومة "تجاوز الإشكالية الحالية لاستكمال انتخاب بقية أعضاء المحكمة الدستورية"، مؤكدة "وجود إجماع واتفاق على أهمية هذه المؤسسة الدستورية للبت في الخلافات والنزاعات".

وشددت بن سليمان أيضاً في ردها على مداخلات النواب خلال الحصة الليلية من الجلسة العامة للمجلس النيابي، والتي تواصلت منذ صباح أمس الأربعاء، "على عدم وجود إرادة في التقليل من مرتبة أعضاء المحكمة (عددهم 12) من خلال التقليل من الأغلبية المطلوبة لانتخابهم"، مشيرة، في المقابل، إلى أن التنقيح المقترح، والمتعلق بالأغلبية، هدفه "الوصول إلى إرساء هذه المحكمة".

من جانبه، أكد رئيس كتلة النهضة، عماد الخميري، مساندة دمج المبادرتين في قانون واحد، مؤكداً دعم كتلة النهضة النزول بالأغلبية لتجاوز العراقيل أمام إحداث المحكمة الدستورية، ودعا الكتل إلى التوافق حول 3 مرشحين للتسريع بانتخاب المحكمة الدستورية.

فيما كتب النائب عن حركة النهضة والرئيس السابق لكتلتها، نور الدين البحيري، على "فيسبوك" تعليقاً على المصادقة: إنه "رغم تراجع بعض النواب عما التزموا به علناً ونكثهم لعهودهم، فقد نجحت أغلبية النواب في المصادقة على مشروع التعديل، وأنجزت خطوة مهمة نحو تركيز المحكمة الدستورية".

أوفياء صادقون : #المحكمة_الدستورية أولوية وطنية رغم العربدة ومحاولات الارباك واستمرار عبير وعصابتها الفاشية والرحوي في...

Posted by ‎Noureddine BHIRI نور الدين البحيري‎ on Wednesday, March 24, 2021


من جانبه، دوّن النائب عن الكتلة الديمقراطية وحزب التيار الديمقراطي نجم الدين بن سالم “خلافاً لما يدعيه مرضى النفوس، ساهمنا فعلياً وعملياً في تخليص القانون الأساسي للمحكمة الدستورية من عدد من الفصول المكبّلة لتأسيس المحكمة الدستورية بالمصادقة على تنقيحات هذا القانون، وذلك إيماناً منا بضرورة ضمان حيادية هذه الهيئة الدستورية والإسراع بتكوينها”.

سيناريو غير متوقع

يضبط الفصل 81 من الدستور آليات ختم القوانين المصادق عليها من قبل مجلس نواب الشعب، وينص هذا الفصل على أن رئيس الجمهورية هو الجهة المخولة لختم القوانين وهو الذي يأذن بنشرها بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية في أجل لا يتجاوز أربعة أيام إن لم تحصل طعون فيها أو جرى ردها إلى البرلمان لقراءة ثانية.


وباستثناء مشاريع القوانين الدستورية، لرئيس الجمهورية الحق في رد المشروع مع التعليل إلى المجلس للتداول ثانية، وذلك خلال أجل خمسة أيام من انقضاء أجل الطعن بعدم دستوريتها وفق الفصل 120 من الدستور، وتكون المصادقة، إثر الردّ، بالأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس على مشاريع القوانين العادية، وبأغلبية ثلاثة أخماس أعضاء المجلس على مشاريع القوانين الأساسية.

ويمكن للرئيس التعلل بما تأويله للدستور، فمثلاً في هذه الحالة أي قوانين المحكمة الدستورية يمكن للرئيس أن يقدم تأويل الفصل 46 من الدستور الذي ينص على "تحقيق التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخبة "، وهو ما جرى تجاهله في هذه القوانين ما قد يفتح ثغرة تتيح لرئيس الجمهورية إعادة القانون إلى البرلمان مرة أخرى.

لذلك دستورياً بإمكان رئيس الجمهورية الموافقة على ختم القانون أو رفض الختم حسب سلطته التقديرية، وإرجاعه لمداولات ثانية من قبل مجلس نواب الشعب والأغلبية المطلوبة في المداولات الثانية هي أغلبية ثلاثة أخماس لأن القانون الخاص بالمحكمة الدستورية هو قانون أساسي.

ولا يمكن الحديث عن القانون الأساسي للمحكمة الدستورية دون ختم رئيس الجمهورية ودون استكمال عملية انتخاب باقي الأعضاء، في هذا الإطار من المنتظر عقد جلسة عامة يوم 8 أبريل/نيسان 2021 لاستكمال انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية.

TRT عربي
الأكثر تداولاً