يتكشف الدعم الإسرائيلي لمليشيا خليفة حفتر يوماً بعد يوم، على الرغم من مساعي تل أبيب للتكتم عليه، وتشير مصادر إعلامية إسرائيلية إلى أن إسرائيل تمد حفتر بالسلاح وتدعمه بالسياسة.. فما مصلحة إسرائيل من دعم الجنرال الانقلابي؟

مقربون من خليفة حفتر أبدوا استعداداً لإقامة علاقات مع إسرائيل
مقربون من خليفة حفتر أبدوا استعداداً لإقامة علاقات مع إسرائيل (AFP)

في أغسطس/آب عام 2018، فجّر الصحفي الإسرائيلي ومحلل الشؤون العسكرية والأمنية في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية يوسي ميلمان حالة من الجدل الواسع على صعيد محلي ودولي. ميلمان كشف في حينه أن ما كان يقوله عن وجود علاقات سرية بين جهاز الموساد الإسرائيلي والجنرال الليبي خليفة حفتر هو حقيقة لا لبس فيها، وذلك بعد تواصله مع مصادر "استخباراتية" لم يسمِّها.

ما كشفه ميلمان في حينه أثار ضجة عارمة، لكنه لم يجد ما يستند عليه من تصريحات رسمية أو دلائل تشير إليه، إذ إنه على خلاف الكثير من القضايا تخفي إسرائيل هذه العلاقات وتتكتم عليها بحرص، لكن الصحفي المتيقن مما يقول كما يظهر، ظلّ متابعاً للمشهد يترصد دعماً إسرائيلياً لحفتر، وهو الدعم الذي قد يسبب لإسرائيل حرجاً على صعيد دولي، لكنه يجد آذاناً صاغية على صعيد محلي في تل أبيب، إذ توصي الدراسات الأمنية والاستراتيجية حكومة نتنياهو بتعميق علاقاتها مع ما يسمى بـ"الجيش الوطني الليبي" الذي يقوده حفتر من أجل "مصالحها الأمنية".

ونقل موقع "يسرائيل نيوز" عن مصادر قولها إن إسرائيل ومصر تقودان عملية تصدير السلاح إلى ليبيا في هذه الأثناء.

حفتر والموساد

في أبريل/نيسان 2020 بعد عام ونصف تقريباً، عاد يوسي ميلمان ليكشف حقائق جديدة حول ما قال إنه "الدعم الإسرائيلي لخيلفة حفتر"، إذ أشار في مقال نشره موقع "ميدل أيست آي" البريطاني إلى أن جهاز الموساد يشرف بشكل خاص على العلاقات بين تل أبيب وحفتر.

وقال ميلمان في مقاله إن "خليفة حفتر يحظى بدعم إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، التي تؤيد في الظاهر جهود السلام الدولية لكنها تقوم سراً بتشجيع حفتر على شن حملاته، وهذا ما ينهجه حلفاء الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، ومن بينهم مصر والإمارات العربية المتحدة، وبدرجة أقل إسرائيل".

وكشف ميلمان أن حفتر التقى ما بين عامي2017 و2019 عدداً من عناصر جهاز الموساد خلال زياراته إلى القاهرة، وهم الذين رتبوا له لقاءات مع مسؤولين في الجهاز، مشيراً إلى أن ما يسمى بـ"وحدة الملف الليبي" التي تدير هذه العلاقات تنسق عملياتها وسياساتها تجاه حفتر مع الحكومة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي ومع رئيس مخابراته عباس كامل".

ويقول: "ما بين عام 2017 وعام 2019، التقى مبعوثو الموساد في العديد من المناسبات مع حفتر في القاهرة، ورتبوا له تدريب بعض ضباطه الأساسيين على التكتيكات الحربية وجمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها وكذلك على إجراءات التحكم والقيادة".

سلاح وعتاد

ويشير إلى أن الموساد ساعد مليشيات حفتر على شراء تجهيزات الرؤية الليلية وبنادق القنص، ولفت إلى أن الجنرال الليبي كان يغازل إسرائيل وبادر إلى بعض الإيماءات السياسية سابقاً.

الإيماءات السياسية التي يشير إليها ميلمان، هي ذاتها التي كشفتها صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، حين نقلت على لسان عبد الهادي الحويجي وهو وزير الخارجية في حكومة حفتر غير المعترف بها دولياً قوله إنه "يأمل أن تتوصل ليبيا وإسرائيل إلى علاقات طبيعية ذات يوم".

التصريحات نقلتها الصحيفة عن حويج خلال وجوده في باريس، وقد أشار في حينه إلى أن "حكومة حفتر" تدعم التوصل إلى سلام إقليمي وتنبذ "الإرهاب".

مكاسب إسرائيلية

الدعم الإسرائيلي لمليشيات حفتر لم يكن وليد اللحظة، وعلى الرغم من سعي تل أبيب للتكتم عليه، فإن وسائل إعلام إسرائيلية ودولية سلطت الأضواء على الموضوع وفضحت هذه السياسية.

يشير موقع "consortiumnews" الأمريكي إلى أن إسرائيل تعتقد أن لديها ما يبرر دعمها لخليفة حفتر، ومن ضمن ذلك مسعاها لتعزيز مكانة تحالف السعودية ومصر والإمارات في المنطقة ودوره، وهو التحالف الذي تتشارك وإياه تل أبيب برؤى مشتركة بخاصة فيما يتعلق بمواجهة "التهديد الإيراني" وجماعة الإخوان المسلمين.

ويقول الموقع إن إسرائيل تجد في ليبيا سوقاً جيداً وغنياً لشراء المزيد من السلاح المُصنّع في تل أبيب، إذ ربحت خلال الفترة الماضية المليارات جراء بيع السلاح لدول إفريقية.

حفتر اجتمع بمسؤولين في جهاز الموساد بالقاهرة بين عامَي 2017 و2019
حفتر اجتمع بمسؤولين في جهاز الموساد بالقاهرة بين عامَي 2017 و2019 (Getty Images)
دعم سياسي

بدوره، يقول العقيد في جيش الاحتلال الإسرائيلي ونائب رئيس "مركز القدس للدراسات الاستراتيجية والأمنية" عيران ليرمان في مقال، إن "مساعدة تركيا لحكومة الوفاق الشرعية في ليبيا غيّرت موازين القوى على الأرض هناك"، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن اندحار حفتر ليس في مصلحة إسرائيل وحلفائها بخاصة الدول المعنية في غاز شرق المتوسط "إسرائيل-جنوب قبرص- اليونان".

ويرى أنه حان الوقت للتصدي لهذا التدخل، وكذلك لـ"مساعي تركيا" المتعلقة بالثروة في البحر المتوسط، بخاصة بعد توقيع تفاهمات بين أنقرة وطرابلس حول الحدود المائية، مشيراً إلى أن الأمر بات يتطلب "استمرار دعم مليشيات خليفة حفتر ورفع درجة التنسيق بين مصر واليونان وإسرائيل لما في ذلك من مصالح "أمنية واستراتيجية وسياسية".

ويشير إلى أن على إسرائيل أن تبدأ بشكل فوري الضغط على الإدارة الأمريكية والكونغرس من أجل التخلي "عن تحفظاتها على خليفة حفتر" والعمل بإرادة قوية وعزم تجاه تركيا للتخلى عن تفاهماتها مع حكومة الوفاق.

ويقول العقيد بالجيش الإسرائيلي إن لما يجري على الأرض في ليبيا تأثير كبير على إسرائيل وعلى استقرار المنطقة، مشيراً إلى أن على تل أبيب أن تبدأ العملية سياسياً بالدرجة الأولى بالتنسيق مع حلفائها بالشرق الأوسط اليونان وإدارة جنوب قبرص اليونانية، من أجل دعم المصالح المصرية في شرق ليبيا، والتأكد من استمرار سيطرة "الجيش الوطني الليبي" الذي يقوده خليفة حفتر على تلك المنطقة، والسعي لـ"وقف تأثير جماعة الإخوان المسلمين على الساحة الليبية، وقطع أرجل تركيا".

خدمات حفتر

وفي مقال بحثي نشره مركز القدس للدراسات الإسرائيلي، يرى باحثون إسرائيليون أن التنسيق مع مصر واليونان يجري من أجل دعم المبادرات السياسية الهادفة إلى الحفاظ على الوضع القائم في منطقة شرق ليبيا، "بالنسبة إلى إسرائيل من المهم للغاية أن يبقى حفتر مسيطراً على منطقة الشرق وبنغازي وحدود مصر، وعلى الرغم من أن "حفتر شخصية تثير جدلاً فإن حاجته إلى مصر تخدم مصالح إسرائيل بالدرجة الأولى، وبخاصة المصالح الأمنية".

وحسب المقال "فإن تجارة إسرائيل التي تمر في البحر المتوسط تجعل تل أبيب مهتمة اهتماماً بالغاً في الجهة التي تسيطر على الشواطئ في ليبيا، إضافة إلى ذلك تعتقد تل أبيب أن السلاح كان يمر من منطقة شرق ليبيا إلى مصر ثم قطاع غزة في وقت من الأوقات، وأن عدم سيطرة حفتر على تلك المنقطة من شأنه أن يغيّر موازين القوى مقابل حركة حماس والمقاومة الفلسطينية، مشيراً إلى أن حكومة الوفاق الوطني في ليبيا من شأنها أن تشكل تهديداً بعيد المدى لإسرائيل".

إسقاط الشرعية.. مصلحة إسرائيلية

وفي دراسة نشرها "مركز دراسات الأمن القومي" الإسرائيلي، تشير الباحثة سارة بويلر إلى أن ليبيا تعتبر ذات أهمية كبيرة لإسرائيل على صعد مختلفة، لافتة إلى أن تل أبيب تخشى من تحوُّل طرابلس إلى عاصمة لجذب بعض القيادات المناوئة لها، وكذلك تحوّل ليبيا إلى دولة لا تخدم في سياستها المصالح الإسرائيلية المتعلقة بمياه شرق البحر المتوسط، وكذلك تأثير الأوضاع على الأرض على استقرار جمهورية مصر وهو ما من شأنه أن يسبب قلقاً لإسرائيل.

من جانبه، قال الكاتب في صحيفة "يسرائيل هيوم" عوديد جرانوت إن "إسرائيل بشكل رسمي لا تظهر أي علاقة بالحرب الدائرة في ليبيا، لكنها لن تأسف أبداً في حال وقعت العاصمة طرابلس بيد مليشيات خليفة حفتر، لأن انتصار حفتر يعني أن يجري إبطال مفعول التفاهمات التركية-الليبية".

ويرى السفير الإسرائيلي السابق في مصر يتسحاق ليفانون أن التفاهمات التركية-الليبية من شأنها أن تهدد المصالح الإسرائيلية، ودعا في مقال نشرته صحيفة "معاريف" إلى التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية من أجل دعم الجنرال خليفة حفتر وإسقاط حكومة الوفاق الوطني، "هذا وحده ما سيضمن المصالح الإسرائيلية وإسقاط التفاهمات مع تركيا"، على حد تعبيره.

وفي الفترة الأخيرة، كبد الجيش الليبي مليشيا حفتر خسائر فادحة وطردها من كل مدن الساحل الغربي وصولاً إلى الحدود مع تونس، إضافة إلى قاعدة "الوطية" الاستراتيجية (غرب) وبلدتَي بدر وتيجي ومدينة الأصابعة بالجبل الغربي (جنوب غرب طرابلس).

وبدعم من دول عربية وأوروبية، تشن مليشيا حفتر منذ 4 أبريل/نيسان 2019، هجوماً متعثراً للسيطرة على طرابلس، مقر الحكومة المعترف بها دولياً، ما أسقط قتلى وجرحى بين المدنيين بجانب أضرار مادية واسعة.

المصدر: TRT عربي