اتخذت إيران خطوتها الرابعة في إطار تحلُّلها من التزاماتها بموجب اتفاق 2015 النووي، وقررت تخصيب اليورانيوم إلى 5% في مفاعل فوردو، وسط قلق عالمي كبير، فما الظروف التي أجبرت إيران على بدء خطواتها الرابعة؟ وما خطر هذه الخطوة ومفاعل فوردو؟

الرئيس الإيراني حسن روحاني يعلن استئناف بلاده تخصيب اليورانيوم في مفاعل فوردو الواقع جنوب طهران
الرئيس الإيراني حسن روحاني يعلن استئناف بلاده تخصيب اليورانيوم في مفاعل فوردو الواقع جنوب طهران (AP)

ما زالت إيران مستمرة في التراجع عن التزاماتها بالاتفاق النووي الذي وقّعته مع القوى الكبرى عام 2015، إذ أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني أن بلاده ستستأنف تخصيب اليورانيوم في مفاعل فوردو، الواقع جنوب طهران، حسب ما أوردته وكالة إرنا الإيرانية.

وقال روحاني في كلمة ألقاها الثلاثاء وبثّها التليفزيون الرسمي، إن طهران ستبدأ بضخ الغاز إلى أجهزة الطرد المركزي الموجودة في مفاعل فوردو الأربعاء، وهو اليوم الأخير من مهلة الشهرين التي منحتها إيران للأطراف الموقعة على الاتفاق النووي لالتزام تعهداتها.

وتأتي الخطوة الرابعة في تخفيض الالتزامات بعدما كان تعليق جميع أنشطة التخصيب في هذا المفاعل، ومنع تخصيب اليورانيوم فيه حتى عام 2031، أحد الشروط التي فرضها الاتفاق وقبلتها إيران مقابل رفع العقوبات الدولية عنها.

وكانت الولايات المتحدة انسحبت العام الماضي من الاتفاق النووي الذي توصلت إليه إيران مع القوى الكبرى عام 2015 وعاودت فرض عقوبات عليها. وردَّت طهران بتقليص التزاماتها تدريجيّاً بموجب الاتفاق، وقالت إنها قد تتخذ في نوفمبر/تشرين الثاني خطوات أخرى في إطار التحلل من تعهداتها.

الجمهورية الإسلامية دشنت 30 جهازا متطورا للطرد المركزي، في تقليص لالتزاماتها بموجب الاتفاق النووي مع القوى الكبرى

علي أكبر صالحي - رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية

من جانبه ذكر رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي أن طهران ستبدأ الأربعاء تخصيب اليورانيوم إلى نسبة 5% بمنشأتها النووية تحت الأرض في فوردو، مضيفاً أن الجمهورية الإسلامية قادرة على تخصيب اليورانيوم إلى 20% إذا لزم الأمر.

هذه الخطوة الإيرانية جاءت بعد تحذيرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمجتمع الدولي في سبتمبر/أيلول الماضي من أن إيران نصبت أجهزة طرد متقدمة من شأنها زيادة مخزونها من اليورانيوم المخصب، في خطوة إضافية على طريق تقليص التزاماتها التي نص عليها اتفاق 2015.

لكن كاظم غريب آبادي، سفير إيران لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قال إن بلاده أخطرت الوكالة بموعد "بدء ضخ UF6 سداسي فلوريد اليورانيوم في أجهزة الطرد المركزي في فوردو يوم الأربعاء".

الولايات المتحدة فرضت عقوبات على تسعة أشخاص وكيان واحد مرتبطين بإيران

وزارة الخزانة الأمريكية

خطوات التراجع

بعد أن انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وأعادت فرض عقوباتها على إيران، قلّصت طهران تدريجيّاً التزاماتها في الاتفاق الذي قيدت بموجبه برنامجها النووي مقابل رفع معظم العقوبات الدولية المفروضة عليها.

ويسمح الاتفاق لإيران فقط بتشغيل أجهزة الطرد المركزي في محطة فوردو، المقامة داخل جبل قرب مدينة قم المقدسة لدى الشيعة، دون ضخّ الغاز. ويمكن أن يتيح ضخ غاز اليورانيوم في تلك الأجهزة إنتاج اليورانيوم المخصب الذي يحظره الاتفاق في هذه المنشأة.

ويحظر الاتفاق المادة النووية في فوردو، وبعد ضخ UF6 في أجهزة الطرد المركزي ستصبح المنشأة موقعاً نوويّاً نشطاً لا مفاعل أبحاث كما يقضي الاتفاق.

ومن شأن ذلك الإجراء أن يضيف مزيداً من التعقيد على فرص إنقاذ الاتفاق الذي تطالب القوى الأوروبية إيران باحترامه، إذ دعا الأمين العامّ للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش كل الأطراف إلى الوفاء الكامل بالتزاماتها بموجب الاتفاق.

لكن روحاني أهمل بريطانيا وفرنسا وألمانيا شهرين آخرين لإنقاذ الاتفاق من خلال حماية الاقتصاد الإيراني من العقوبات الأمريكية الخانقة التي عاودت واشنطن فرضها على طهران في مايو/أيار بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق.

وفي 7 يوليو 2019 أعلنت طهران الخطوة الثانية، وتضمنت تجاوز نسبة تخصيب اليورانيوم 3.67% وكمية الإنتاج إلى النسبة التي تحتاج إليها البلاد، كما أعلنت أنها قادرة على تفعيل مفاعل آراك، لكنها قالت إنها تفضّل التعاون المشترك مع بريطانيا والصين لتشغيله.

أما الخطوة الثالثة فكانت في 4 سبتمبر 2019 وشملت العمل على تطوير أجهزة الطرد المركزي، وإنتاج ما تحتاج إليه لتخصيب اليورانيوم، كما تضمنت الخطوة إزالة جميع القيود المفروضة على البحث والتطوير في المجال النووي.

مفاعل فوردو

أقامت إيران منشأة فوردو بشكل سري عام 2002 في مكان تحت الأرض بمنطقة جبلية حصينة جنوب العاصمة طهران، وبُنيت في إطار برنامج الأسلحة النووية الإيرانية، واعترفت بوجودها للوكالة الدولية للطاقة الذرية في سبتمبر/أيلول 2009 بعدما اكتشفتها أجهزة مخابرات غربية، مما أجبرها على تحويله إلى محطة للطاقة في عام 2009.

وتخضع المنطقة التي بُني عليها المفاعل لسيطرة الحرس الثوري الإيراني، ووضعت السلطات أنظمة صواريخ S-300 الروسية الصنع منذ ثلاث سنوات في محيط المنشأة لحمايتها من أي هجمات محتملة، ومن الصعب تدمير المنشأة لأنها بُنيت أسفل سلسلة جبال معروفة بصلابة صخورها.

وتستخدم طهران هذه المنشأة لتخصيب اليورانيوم حتى درجة نقاء انشطارية نسبتها 20%، ليكون وقوداً لمفاعل أبحاث طبي في طهران ينتج النظائر المشعَّة لعلاج مرضى السرطان.

وتنتج طهران حاليّاً اليوارنيوم منخفض التخصيب أو المخصب بنسبة 5%، وهو مادة تُستخدم في محطة للطاقة النووية بمنشأة فوردو، تشغّل ما بين 700 و2700 جهاز طرد مركزي أقامته هناك.

وتُعتبر المنشأة أضعف من أن تنتج الوقود اللازم لمحطات الطاقة النووية، حسب خبراء غربيين، لكنها مناسبة تماماً لإنتاج كميات قليلة من اليورانيوم عالي التخصيب المناسب لبرنامج الأسلحة النووية.

وكشف مركز أبحاث أمريكي في تقرير له أن إيران بدأت تكثيف تخصيب اليورانيوم في مفاعل فوردو النووي المحصَّن الذي بُنِيَ على عمق 80 متراً تحت الأرض.

صور الأقمار الصناعية كشفت أن المنطقة تشهد نشاطاً ملحوظاً منذ إعلان إيران إنهاء التزامها في الاتفاق النووي

معهد العلوم والأمن الدولي بواشنطن

وقال معهد العلوم والأمن الدولي بواشنطن، إن منشأة فوردو التي تقع على بعد نحو 100 كيلومتر جنوب طهران، لم تُحوَّل قط إلى مركز أبحاث فيزياء وتكنولوجيا نووية كما وعدت إيران بموجب الاتفاق النووي.

ويأتي خطر هذه المنشأة من أن "كل شيء مطلوب لتخصيب اليورانيوم إلى درجة تصنيع قنبلة نووية يمكن أن يجري بسرعة في الجزء الواقع تحت الأرض من المنشأة"، حسب المعهد.

وتطالب القوى الغربية بإغلاق المنشأة لأنها في وضع مثالي يسمح بتخصيب اليورانيوم إلى مستوى يصلح لإنتاج الأسلحة، لكن طهران ترفض الأمر بشدة وتعرض فقط إمكانية تحويلها إلى منشأة للبحث والتطوير تكون احتياطية لمنشأة نطنز.

وعلقت إيران نشاط منشأة فوردو في يناير/كانون الثاني 2014 بموجب اتفاق نووي مؤقَّت أبرمته مع القوى الكبرى في جنيف في نوفمبر/تشرين الثاني 2013.

قلق أمريكي وعالمي

أظهرت دول العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، قلقها من توسيع إيران أنشطة تخصيب اليورانيوم، إذ قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إن توسُّع إيران في أنشطة تخصيب اليورانيوم "خطوة كبيرة في الاتجاه الخاطئ".

وقال المتحدث في بيان: "نؤيد تماماً اضطلاع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدورها المستقلّ في التحقُّق من الأنشطة الإيرانية، ونتطلع إلى أن تكشف الوكالة عن أي تطورات".

كما دعت فرنسا إيران إلى العدول عن قراراتها الأخيرة بتقليص التزاماتها ضمن الاتفاق النووي الموقع في 2015 والتي تتعارض مع الاتفاق، وقالت إنها تنتظر تقريراً من الوكالة الدولية للطاقة الذرية بهذا الشأن، حسب وكالة رويترز.

إعلان إيران في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني أنها تزيد قدرات تخصيب اليورانيوم، يتعارض مع اتفاق فيينا الذي يحدّ بصرامة من الأنشطة في هذا المجال

أنييس فون دير مول - المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية

وقال الكرملين إنه قلق من عزم إيران على تقليص التزاماتها بموجب الاتفاق النووي الموقَّع عام 2015، وأضاف أن روسيا ترغب في أن يظلّ الاتفاق سارياً.

واعتبر وزير خارجية ألمانيا هايكو ماس، أن إعلان إيران تطوير أجهزة متطورة لتسريع تخصيب اليورانيوم، تهديد للاتفاق النووي مع القوى العالمية، ودعا طهران للعودة إلى الاتفاق، حسب وكالة رويترز.

المصدر: TRT عربي