ولّد اعتماد مجلس الأمن الدولي مشروع قرار يقضي بوقف إطلاق النار في ليبيا بموجب مؤتمر برلين بأغلبية 14 صوتاً واعتراض روسيا فقط، خشيةً واسعة من أن ذلك يعني إصرار روسيا على استمرار إرسال المرتزقة والأسلحة لقوات حفتر التي تواصل هجماتها على العاصمة طرابلس.

روسيا تستخدم حقّ الفيتو لعرقلة قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بوقف إطلاق النار في ليبيا
روسيا تستخدم حقّ الفيتو لعرقلة قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بوقف إطلاق النار في ليبيا (Reuters)

ما زالت مليشيات حفتر تخترق يوميّاً وقف إطلاق النار، وتشنّ هجماتها على العاصمة الليبية طرابلس التي تعتبر مقر حكومة الوفاق المعترَف بها دوليّاً، ضاربة باتفاقية وقف إطلاق النار التي نتجت عن مؤتمر برلين في يناير/كانون ثاني الماضي، بمبادرة تركية روسية، عرض الحائط.

وبينما يستمرّ حفتر في أعمال العنف التي قادت ليبيا إلى مشهد إنساني صعب، صدّق مجلس الأمن الدولي على مشروع قرار بريطاني يدعو إلى التزام وقف إطلاق النار في ليبيا، ضمن نتائج مؤتمر برلين الدولي، وحصل المشروع على موافقة 14 دولة من إجمالي أعضاء المجلس الـ15، فيما امتنعت روسيا التي تمتلك حقّ النقض، عن التصويت.

القرار الذي يطالب الأطراف الليبية بضرورة التزام وقف إطلاق النار، بناءً على ما يُتّفَق عليه فى لجنة 5 زائد 5، التي تتألف من خمسة عسكريين من جانب الحكومة الليبية ومثلهم من جانب حفتر، وتجتمع برعاية الأمم المتحدة، يطالب أيضا الدول الأعضاء كافة في الأمم المتحدة بالتزام حظر تصدير السلاح المفروض على ليبيا، داعياً الأطراف كافة للعودة إلى المسار السياسي من أجل معالجة النزاع الليبي.

يدين القرار الحصار الذي فُرض مؤخراً على منشآت النفط الليبية من جانب قوات حفتر، ويشدد على ضرورة استمرار عملها لصالح الشعب الليبي

مجلس الأمن الدولي

تأتي هذه التطورات السياسية في الوقت الذي تشهد فيه الساحة الليبية غلياناً كبيراً، فقد أفاد مراسل TRT عربي في ليبيا عن مقتل شخص وإصابة 8 آخرين جراء قصف عشوائي تعرضت له العاصمة طرابلس، وكانت القوات التابعة لحكومة الوفاق الليبية أعلنت في وقت سابق إصابة آخرين في قصف على الأحياء المدينية المجاورة لجامعة طرابلس.

وأضاف: "تظاهر مئات الليبيين في العاصمة طرابلس الأربعاء، احتجاجاً على وقف قوات موالية لحفتر إنتاج النفط في البلاد وتصديره".

وقف التدخلات الخارجية السلبية والتزام مليشيات خليفة حفتر مخرجات مؤتمر برلين، يتطلب موقفاً حازماً من المجتمع الدولي

رئيس المجلس الرئاسي للحكومة الليبية - فائز السراج

مزاعم روسية

ويبدو أن مسار التهدئة لم يعجب روسيا التي كسرت حاجز الصمت الخاص بمشروع القرار، بزعم أن المشروع لم يأخذ بالاعتبار الاقتراحات الروسية على النحو الواجب، إلا أن مصادر دبلوماسية أكّدَت لوكالة الأناضول أنه "من غير المعروف طبيعة الاقتراحات الروسية تلك".

واعتبر المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة، السفير فاسيلي نيبيزيا، أن صدور القرار "بمثابة هرولة من جانب أعضاء مجلس الأمن"، وقال مخاطباً الأعضاء عقب التصويت: "كنا نفضّل الانتظار حتى تتوصل لجنة 5 زائد 5 العسكرية إلى اتفاق على وقف إطلاق النار، ومن ثم دعمه بقرار، بدلًا من استباق الاتفاق بقرار يصف شيئًا غير موجود بعد".

في المقابل حمّلَت واشنطن "المرتزقة الأجانب في ليبيا ومجموعة فاغنر الروسية المرتبطة بالكرملين، مسؤولية تقويض فرص التوصُّل إلى حلّ سلمي للأزمة الليبية".

وقالت السفيرة شيري نورمان شاليه، نائبة المندوبة الأمريكية الدائمة لدى الأمم المتحدة، في إفادتها لأعضاء مجلس الأمن: "نشعر بخيبة أمل لأن تصويت اليوم لم يحظَ بتأييد الإجماع بين أعضاء المجلس، رغم الالتزامات التي وافق عليها القادة في برلين، بما في ذلك الاتحاد الروسي".

وأضافت السفيرة: "من المؤسف أيضاً أن المرتزقة الأجانب، بمن في ذلك مجموعة فاغنر المرتبطة بالكرملين، يقوّضون التوصل إلى حلّ سياسي شامل ويجعلونه أكثر صعوبة".

تدين الولايات المتحدة أيضاً التهديد الخطير لوحدة ليبيا ورفاه الشعب الليبي الذي يشكّله إغلاق قوات حفتر لمرافق النفط والغاز، وقد سبق أن أوضح هذا المجلس أنه لا ينبغي لأي طرف استخدام هذه الموارد كورقة مساومة سياسية

نائبة المندوبة الأمريكية الدائمة لدى الأمم المتحدة - شيري نورمان شاليه

عوائق قرار مجلس الأمن

رأى الباحث السياسي الليبي أسعد الشرتاع، في حديث لـTRT عربي، أن "روسيا وقفت مشروع القرار في مجلس الأمن الدولي لوجود كلمة (المرتزقة)، فهي لا تريد أن تُدان المجموعة التي تعمل بضوء أخضر من موسكو، رغم أنها قوات غير نظامية وترفض روسيا أن تتحمل مسؤوليتها وتعلن عن دعمها للقوات وتوفّر لها الحماية القانونية".

ومن المتوقع أن يكون مشروع القرار أخذ هذا بعين الاعتبار، وقد تستبعد صيغة القرار من الإشارة إلى مجموعات الفاغنر.

وأشار الشرتاع إلى أنه "حتى لو صدر مشروع قرار بريطاني يُدين العنف فسيكون مجرد عنوان"، مفترضا "أن يكون تفاصيل وعقوبات لجهات معينة وإجراءات معينة تُتّخذ ضدهم، مثل توجيه ضربة أو منعهم من الصفر".

وأضاف "نتوقع أن يكون القرار فضفاضاً، لأن أي قرار سيعالج المشكلة جذريّاً ستتعرض له فرنسا أو روسيا لأنه يتعارض مع مصالحهما، وهذه هي إشكالية القانون الدولي ودور مجلس الأمم المتحدة ومجلس الأمن، أن الفيتو هو العنصر الأهمّ في كل مسألة".

وعن استعانة حفتر بمرتزقة من دارفور قال الباحث السياسي إن "الأمر ليس بجديد، فهؤلاء المرتزقة ارتكبوا جرائم بحق الشعب السوداني حسب تقارير دولية".

وتابع: "الدول الداعمة لحفتر تملك تأثيراً كبيراً في القرار الدولي، وعلى محكمة الجنايات الدولية التي لم تُصدِر حتى الآن أي مذكرة تدين حفتر الذي خرق جميع القوانين الدولية بجرائمه".

ولم يقف تحدي حفتر عند هذا الحد، بل منع طائرات أممية من الهبوط في المطارات الليبية، فقد أعلنت الأمم المتحدة عن عدم استطاعة بعثتها الهبوط في المطار، ولم تستطع ممارسة أي نشاط لها في ليبيا.

ويعزو الباحث السياسية تصرفات حفتر تلك إلى أن "داعميه لن يتركوه عرضة للقرارات الدولية، وهم يملكون حق الفيتو الذي من شأنه أن يعرقل أي قرار يمكن أن يُدينه".

المصدر: TRT عربي