بالتزامن مع انتهاء ثاني الاجتماعات "الفنية" التي يرعاها حلف الناتو بين وفدين عسكريين من تركيا واليونان، أدلى رئيس الوزراء اليوناني بتصريحات تبدي انفتاحاً نسبياً على الحوار. فهل تكون اجتماعات الناتو محفِّزاً لحوار أكثر فاعلية بين البلدين الجارين؟

أنقرة تؤكد أنها لم تتراجع عن أنشطتها شرقي المتوسط وأن سفينة
أنقرة تؤكد أنها لم تتراجع عن أنشطتها شرقي المتوسط وأن سفينة "رئيس أوروتش" عادت إلى أنطاليا  لدواعي الصيانة (AA)

في الوقت الذي تتواصل فيه الاجتماعات "الفنية" بين وفدين عسكريين من تركيا واليونان، برعاية حلف شمال الأطلسي الناتو، لبحث سبل تجنُّب حدوث مناوشات عسكرية شرقي البحر المتوسط، صدرت عن أثينا تصريحات تبدو أكثر انفتاحاً على الحوار من الموقف المتشدد الذي اعتادت على تبنِّيه طوال الفترة الأخيرة.

يتوجب على اليونانيين وحدهم اختيار ماهية الطريق الذي ينبغي سلوكه بخصوص الخلافات شرقي المتوسط.

مولود جاوش أوغلو - وزير الخارجية التركي

انتهاء الجولة الثانية

أعلنت وزارة الدفاع التركية الثلاثاء، انتهاء الاجتماع الفني بين وفدها والوفد العسكري اليوناني، لبحث سبل تجنُّب وقوع احتكاكات عسكرية بين الجانبين شرقي البحر المتوسط، لتنتهي بذلك الجولة الثانية من الاجتماعات التي يرعاها حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وتُعقد في مقره بالعاصمة البلجيكية بروكسل.

وأشارت الوزارة في بيان لها، إلى أن من المزمع عقد الاجتماع القادم بين الوفدين في 17 سبتمبر/أيلول الجاري.

وسبق أن اتفق الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على انطلاق محادثات فنية بين أنقرة وأثينا، بهدف وضع آليات لتجنُّب حدوث مناوشات شرقي المتوسط. وعُقِد الاجتماع الأول بين وفدَي البلدين في 10 سبتمبر/أيلول الجاري.

وعلى الرغم من سرية الاجتماعات وطبيعتها الفنية، إذ إنها تظل معنية بتجنُّب التصعيد العسكري ولا تتطرق إلى الخلافات السياسية بين الجانبين، يظل من المتوقع أن تفتح تلك اللقاءات طريقاً للحوار الثنائي المباشر بين الجانبين، بما يتوافق مع ما أعربت عنه أنقرة مراراً من موقفها المؤيد للحوار الجاد بلا انتقاص للحقوق.

"مباحثات استكشافية"

في السياق نفسه، قال رئيس الوزراء اليوناني كرياكوس ميكوتاكيس الثلاثاء، إن بلاده مستعدة لبدء "مباحثات استكشافية" مع تركيا، لتحديد مناطق الصلاحية البحرية، "في حال اتخذت الأخيرة خطوات ملموسة"، وهو تصريح يُبدي انفتاحاً نسبياً مقارنةً بالموقف المتشدد الذي تبنته أثينا خلال الفترة الأخيرة.

وأكد ميكوتاكيس خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده مع رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي تشارلز ميشيل، أن "اليونان منفتحة على الحوار.. فالمرحلة الحساسة التي تمر بها منطقة شرقي البحر المتوسط والأزمة مع تركيا، لا تؤثر على اليونان فقط، بل تهدد أيضاً المصالح الجيوسياسية والاستراتيجية للاتحاد الأوروبي".

وعلى الرغم من الغموض الذي يكتنف التصريح بربط المباحثات بعبارة مطاطة مثل "في حال اتخذت أنقرة خطوات ملموسة"، فقد اعتبر مسؤول تركي فضّل عدم الكشف عن هويته ما قاله رئيس الوزراء اليوناني "أمراً إيجابياً.. ولكننا بحاجة إلى اتخاذ خطوات للمضي قدماً في الحوار وحل المشكلات، بلا شروط مسبقة"، وفقاً لما نقلته رويترز.

"أحد خيارين"

في مقال كتبه لصحيفة "كاثيميريني" اليونانية بعنوان "خيارنا هو الدبلوماسية غير المشروطة"، أكّد وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو أنه "يتوجب على اليونانيين وحدهم اختيار ماهية الطريق الذي ينبغي سلوكه بخصوص الخلافات شرقي المتوسط".

ولفت الوزير التركي في مقاله، إلى أن البحر المتوسط كان دائماً مهداً للحضارات وحوضاً للتفاعل الثقافي والاقتصادي، مضيفاً أنه "لطالما كان أمام تركيا واليونان أحد خيارين، إمّا غلق الأبواب على نحو يضر الجانبين، وإما إيجاد صيغة (تفاوضية) مربحة لكليهما".

وأكد جاوش أوغلو أن منطلق "الجيران الدائمين" يتطلب الاحترام المتبادل للحقوق.

موضحاً أن "هذا النوع من الاحترام يجب أن يظهر كشرط لحل جميع المشكلات والخلافات.. من خلال الوسائل السلمية والحوار".

وتحدّث الوزير التركي عن ضرورة إظهار الجيران حسن النية والسعي للدبلوماسية المباشرة والحوار من أجل حل الخلافات بدلاً من التصعيد.

"أهداف واضحة"

في مقاله أيضاً، بيّن وزير الخارجية التركي أن الأهداف الرئيسية لبلاده شرقي البحر المتوسط "​​واضحة، وتتمثل في ترسيم الحدود البحرية بشكل عادل ومنصف، وحماية حقوق مناطق الصلاحية البحرية.. وأيضاً حماية الحقوق المتساوية للقبارصة الأتراك على موارد الجزيرة، من خلال إنشاء آلية عادلة لتقاسم الموارد، وإنشاء آليات تعاون حول الطاقة في البحر المفتوح تستند إلى أسس حقيقية وشاملة وعادلة".

وأكّد جاوش أوغلو أنه لا يمكن فرض أي مزاعم متطرفة على تركيا في مسألة تحديد مناطق الصلاحية البحرية، عبر الاتحاد الأوروبي الذي لا يملك أي صلاحية بهذا الصدد.

وتابع: "لا يمكنكم قطع وصول تركيا إلى البحار المفتوحة ومناطق الصلاحية البحرية التابعة لها، عبر الادعاء بجرف قاري مساحته 40 ألف كيلومتر مربع، استناداً إلى جزيرة ميس الصغيرة التي تبعد عن تركيا كيلومترين فقط، فيما تبعد عن البر الرئيسي اليوناني مسافة 580 كيلومتراً".

في سياقٍ متصل، أكد جاوش أوغلو أن أنقرة لم تتراجع عن أنشطتها البحثية شرقي المتوسط، وأن عودة سفينة "رئيس أوروتش" إلى ميناء أنطاليا كانت لدواعي الصيانة.

وأوضح جاوش أوغلو في مقابلة تلفزيونية رد خلالها على تصريح لرئيسة اليونان كاترينا ساكيلاروبولو وصفت فيه عودة السفينة بأنها "تراجع تركي في المنطقة"، أن السفينة تواصل أعمال البحث والتنقيب شرقي المتوسط منذ نحو شهر، وأنها عادت إلى ميناء أنطاليا لإجراء أعمال الصيانة الدورية.

وأضاف الوزير التركي: "لم نعلن إخطار نافتيكس لأن السفينة رست في ميناء أنطاليا للصيانة، فلا معنى لإعلان نافتيكس والسفينة في الصيانة.. وعند الانتهاء من الصيانة، ستبدأ السفينة أعمال البحث في حقل جديد، وحينها سنعلن إخطار نافتيكس".

وتشهد منطقة شرقي البحر المتوسط توتراً، إثر مواصلة اليونان اتخاذ خطوات أحادية مع إدارة جنوب قبرص، وبعض بلدان المنطقة بخصوص مناطق الصلاحية البحرية.

وفيما تتجاهل أثينا التعامل بإيجابية مع عرض أنقرة للتفاوض حول المسائل المتعلقة بشرقي المتوسط وبحر إيجة وإيجاد حلول عادلة للمشاكل، يجدد الجانب التركي موقفه الحازم حيال اتخاذ التدابير اللازمة ضد الخطوات أحادية الجانب.

المصدر: TRT عربي - وكالات