من المقرر أن تستلم تركيا دفعة جديدة من مقاتلات F-35 الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني القادم. ويُعد ذلك تراجعاً من قبل واشنطن، التي هددت بتعطيل الصفقة حال شراء تركيا منظومة S-400 من روسيا، وهو ما رفضته أنقرة التي أصرّت على حقها واستقلالية قراراتها.

تركيا ترى أن عدم تزويدها بمقاتلات F-35 التي تشارك في تصنيعها منافٍ للقانون والمنطق
تركيا ترى أن عدم تزويدها بمقاتلات F-35 التي تشارك في تصنيعها منافٍ للقانون والمنطق (AFP)

انقضت المهلة غير الرسمية التي حددتها الولايات المتحدة لتركيا، وحاولت من خلالها دفع أنقرة إلى التخلي عن صفقة منظومة S-400 الدفاعية المُوقعة مع روسيا، مقابل شراء منظومة باتريوت الأمريكية بسعر منافس، دون أن تقدم تركيا أي تنازلات. وظلت متمسكة بموقفها الرافض للتدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية.

ما المهم: كان يوم الجمعة 15 فبراير/شباط المُنصرم، هو اليوم الأخير للعرض الأمريكي الذي فوتته تركيا، وتزامن ذلك مع تمسك متزايد من قبل أنقرة في المضي قدماً بصفقة المنظومة الدفاعية الروسية، على الرغم من التهديدات الأمريكية بحظر بيعها مقاتلات F-35، وهي تهديدات واجهتها أنقرة بالرفض المطلق.

ومنذ أشهر، تراوغ الولايات المتحدة في مسعى لتعطيل صفقة لبيع 100 مقاتلة من طراز F-35 إلى تركيا، متذرعة بتوجه أنقرة نحو الشرق من خلال شراء منظومات روسية متطورة، "من شأنها أن تشكل خطراً على المقاتلات الأمريكية الأكثر تطوراً"، وفق تصريح لمسؤول أمريكي رفيع المستوى نقلته وكالة رويترز.

المشهد: على الرغم من المساعي الأمريكية لتعطيل بيع المقاتلات العسكرية من طراز F-35 لتركيا، إلا أن موقف واشنطن إزاء الصفقة ظل متأرجحاً، يتغيّر من حين إلى حين، وكان آخره ما أعلنه المتحدث باسم مكتب برنامج الطائرات الهجومية المشتركة JSF التابع للبنتاغون جو ديلافيدوفا أن المكتب أوشك على استكمال التحضيرات لتسليم تركيا مقاتلتين أخريين من الطراز نفسه.

وقال ديلافيدوفا لوكالة الأناضول إن التحضيرات الأخيرة جارية لإرسال المقاتلتين الجديدتين إلى قاعدة لوكا الجوية بولاية تكساس الأمريكية، لإجراء التدريبات اللازمة.

وأضاف أن الولايات المتحدة الأمريكية تخطط لإرسال أول مقاتلتين من طراز F-35 إلى تركيا في نوفمبر/تشرين الثاني القادم، وقال "يوجد في قاعدة لوكا الجوية مقاتلتان لتركيا من طراز F-35، والتحضيرات الأخيرة على وشك الانتهاء لإرسال مقاتلتين جديدتين".

الخلفيات والدوافع: كانت وزارة الخارجية الأمريكية قالت الأسبوع الماضي، إن واشنطن أبلغت أنقرة بأنها إذا أتمت صفقة منظومة S-400، فإنه يصبح على الولايات المتحدة إعادة النظر في مشاركة تركيا في نظام مقاتلات F-35.

وتزعم الولايات المتحدة أن اتفاق تركيا مع روسيا لشراء منظومة الدفاع الجوي S-400 يمثل مشكلة أمن قومي لحلف شمال الأطلسي "الذي لن يتمكن من نشر مقاتلات F-35".

وأقر مجلس الشيوخ الأمريكي في 18 يونيو/حزيران 2018 قانوناً يمنع واشنطن من إتمام صفقة بيع مقاتلات من طراز F-35 إلى تركيا.

أردوغان قال إن شراء منظومة S-400 لا علاقة له من قريب أو بعيد بصفقة مقاتلات F-35
أردوغان قال إن شراء منظومة S-400 لا علاقة له من قريب أو بعيد بصفقة مقاتلات F-35 (AA)
ردود الفعل:التصريحات الأمريكية الجديدة حول الصفقة، جاءت في ظل التمسك التركي بأحقية أنقرة بالحصول على المُقاتلات التي تشارك بنسبة كبيرة في تصنيعها.

من جانبه، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن شراء بلاده لمنظومة S-400 "لا علاقة له من قريب أو بعيد بأمن الولايات المتحدة أو حلف شمال الأطلسي أو صفقة مقاتلات F-35".

وشدد أردوغان على أن "سبب شراء منظومة S-400 واضح تماماً، وكذلك الطريقة التي سنستخدمها بها". وأضاف أن "الأمر لا يتعلق بشرائنا المنظومة بل بحرية تحركات تركيا في المنطقة وعلى رأسها سوريا".

وأوضح أن تركيا دفعت حتى الآن 900 مليون دولار، واستلمت مقاتلتين من الطراز المذكور.

في الوقت ذاته، قال المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية التركي عمر تشليك، إن التحفظات على شراء تركيا منظومة S-400 الروسية للدفاع الجوي تنم عن "ازدواجية في المعايير".

وقال إن الذين يعارضون شراء تركيا منظومة الدفاع يتبعون سياسة "ازداوجية المعايير"، وبخاصة أنهم "لا يحركون ساكناً حيال امتلاك اليونان، المنضوية في حلف شمال الأطلسي، لمنظومات دفاع جوي روسية".

بدوره، قال وزير الدفاع التركي خلوصي أقار إن تلويح واشنطن بالامتناع عن تزويد بلاده بمقاتلات F-35 التي تشارك في تصنيعها "يتنافى مع القانون والمنطق"، خصوصاً في وقت يتلقى فيه الطيارون والتقنيون والضباط الأتراك تدريبات على تشغيلها في الولايات المتحدة.

وقال وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو إن تركيا اتجهت للحصول على 400-S عقب العوائق التي حالت دون حصولها على منظومة باتريوت من حلفاء غربيين.

وأعلن فؤاد أوقطاي نائب الرئيس التركي أن بلاده تخطط لتسلُّم الدفعة الأولى من منظومة الدفاع الصاروخي S-400 الروسية في يوليو/تموز المقبل.

وأوضح أوقطاي أن تركيا تقوم بما تقتضيه مصالحها فيما يتعلق بمنظومة S-400، وهي من تختار وتتخذ القرار.

فؤاد أوقطاي قال إن تركيا هي من تختار وتتخذ القرار 
فؤاد أوقطاي قال إن تركيا هي من تختار وتتخذ القرار  (AA)

بين السطور: تُساهم 10 شركات للصناعات الدفاعية في تركيا بشكل كبير في مشروع تصنيع المقاتلات الأمريكية من طراز F-35، من بينها "أسيلسان وروكيتسان وتوساش-طاي وميكيس وكاليه".

وتلعب هذه الشركات التركية دوراً كبيراً في تزويد المشروع بالقطع والأنظمة الكهربائية، فضلاً عن تأمين صيانة المحركات.

وكانت، وكالة أنباء بلومبيرغ حذرت من إمكانية تضرر توريد المقاتلة F-35 وتوقف إنتاجها، في حال توقف تسليمها إلى تركيا.

وعزت الوكالة الأمريكية توقف التوريد إلى أن أهم قطع مقاتلة الجيل الخامس تُنتَج في تركيا.

وأوضحت أن تركيا هي المصدر الوحيد في العالم لبعض أجزاء المقاتلة، لا سيما معدات شاشة قمرة القيادة.

ما التالي: يقول أستاذ العلاقات الدولية سمير صالحة إن "المسألة بالأساس هي مسألة قانونية، فبين الجانبين التركي والأمريكي عقود وتفاهمات موقعة، فضلاً عن أن تركيا شريك أساسي في تصنيع مقاتلاتF-35".

وأضاف صالحة لـTRT عربي "التصعيد السياسي الأمريكي ضد تركيا، لم ينجح في إقناع أنقرة بالتراجع عن شراء منظومة S-400 الروسية، لأن تركيا ازدادت إصراراً وتمسكاً بموقفها، بخاصة في ظل سعيها إلى تأكيد حقها في اتخاذ القرارات الوطنية الداخلية".

وأشار صالحة إلى أن تركيا اختبرت الولايات المتحدة ودول الغرب أكثر من مرة، حيث سبق ورفضت واشنطن بيع تركيا منظومات متطورة، في حين سعت دول غربية إلى عرقلة بيع السلاح إلى تركيا.

وقال إن أنقرة سعت للصمود في وجه التصعيد الأمريكي والتمسك بقراراتها، "من منطلق الحرص على تأكيد أن تركيا لم تعد تراهن على المواقف المختلفة، بل تراهن على سياستها وقراراتها هي بالدرجة الأولى، وتريد أن تثبت للولايات المتحدة التي تحاول التأثير على صنع القرار والتوجهات التركية، أنها متمسكة بقراراتها وخطواتها السياسية رغم التصعيد".

ويرى أن تركيا صمدت في وجه التصعيد الأمريكي، في إطار إستراتيجية تهدف إلى تأكيد أنها لم تعد رهينة لقرارات خارجية، وأنها "لن تصبح رهينة لسياسة التسلح، وبدأت تصدر السلاح العصري الحديث، وتتزود بما يلزمها من أطراف أخرى".

المصدر: TRT عربي