يثير عدد قياسي من الحرائق المستعرة في غابات الأمازون في الفترة الأخيرة غضباً دولياً، ليس فقط على مستوى قادة وزعماء الدول، بل وعلى مستوى شعوب العالم أجمع بسبب أهمية هذه الغابات المطيرة بالنسبة إلى البيئة والتي يُطلَق عليها اسم "رئة الأرض".

يخشى العلماء من أن استمرار تدمير غابات الأمازون قد يؤدي إلى نقطة تحول تدخل المنطقة بعدها إلى دورة ذاتية من الموت التدريجي للغابات
يخشى العلماء من أن استمرار تدمير غابات الأمازون قد يؤدي إلى نقطة تحول تدخل المنطقة بعدها إلى دورة ذاتية من الموت التدريجي للغابات (AP)

تشكّل حرائق غابات الأمازون أزمة عالمية يسعى عديد من الدول لمساعدة البرازيل في إيجاد حلّ لها، إذ تشهد الغابات حرائق منذ 3 أسابيع، وحسب صور الأقمار الصناعية ومعطيات معهد الفضاء البرازيلي، فإن المساحة التي أتت عليها النيران تفوق المساحات التي التهمتها العام الماضي بنسبة 82%.

وغالباً ما تُشعَل حرائق في غابات الأمازون عمداً لإخلاء الأرض، وبعد أن يحصل قاطعو الخشب على ما يريدون، يُحرِق مضاربون ما يتبقى من نباتات لإخلاء الأرض على أمل بيعها لمزارعين. وتفصل عدة أشهر غابات الأمازون عن موسم الجفاف الذي يمكن فيه لهذه الحرائق أن تنتشر خارج نطاق السيطرة بشكل أسهل.

وغابات الأمازون، التي يقع 60% منها في البرازيل، هي أكبر غابة استوائية مطيرة في العالم. وتشتهر بالتنوع البيولوجي إذ بها أنواع فريدة كثيرة من النباتات والحيوانات.

وتمتصّ هذه الأدغال الكثيفة كمية هائلة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم، وهو غاز دفيء يُعتقد أنه أكبر عوامل تغيُّر المناخ، لذا فإن العلماء يقولون إن الحفاظ على غابات الأمازون أمر جوهري في محاربة الاحتباس الحراري.

وبلغت حرائق الغابات في كل أنحاء البرازيل أعلى مستوياتها منذ عام 2003 على الأقلّ، وازدادت بنسبة 84% هذا العام حتى يوم 23 أغسطس/آب مقارنة بنفس الفترة قبل عام، وذلك حسبما أفادت وكالة أبحاث الفضاء البرازيلية.

تراجع عن رفض المساعدات

دفعت الحرائق رئيس البرازيل جايير بولسونارو لإرسال الجيش للمساعدة في مكافحتها. والأربعاء أعلنت الحكومة البرازيلية ترحيبها بتلقي مساعدات دولية لإخماد الحرائق، بعد يوم من رفض الرئيس بولسونارو مساعدة مالية بقيمة 20 مليون يورو، من مجموعة الدول السبع.

وقال المتحدث باسم الحكومة رييجو باروس في مؤتمر صحفي "الحكومة البرازيلية منفتحة على تلقِّي المساعدات من الدول والمنظمات الدولية لمكافحة حرائق الأمازون وأنشطة إزالة الغابات".

أزمة رئاسية

كان بولسونارو أعلن سابقاً أن بلاده لن تقبل أي مساعدات دولية لإطفاء حرائق الأمازون إلا إذا تراجع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون واعتذر عن تصريحاته "المسيئة". وكان ماكرون شكّك في مصداقية الرئيس البرازيلي، والتزامه حماية التنوع البيولوجي، واصفاً الحرائق بأنها حالة طوارئ دولية و"إبادة بيئية"، منتقداً حكومة البرازيل لعدم بذلها مزيداً من الجهد لحماية الغابة المطيرة، مما أحدث أزمة دولية بين البلدين.

واتهم بولسونارو ماكرون بالتصرف بـ"عقلية استعمارية"، وذلك على خلفية دعوة الأخير إلى مناقشة حرائق غابات الأمازون خلال قمة السبعة الكبار (G7).

ردود فعل دولية

نبه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخَّراً، إلى أن هذه الغابات تنتج 20% من الأكسيجين على كوكب الأرض، وبالتالي فإن "أكسيجين الأرض" هو الذي يحترق، والأمر لا يتعلق بمجرد حريق بسيط.

وقال مكتب ماكرون في بيان إنه سيعارض الموافقة النهائية على اتفاق التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وتكتُّل ميركسور الذي يضمّ دولاً من أمريكا الجنوبية، لأن بولسونارو كذب بشأن عوامل قلق بيئية خلال قمة مجموعة العشرين في يونيو/حزيران عند الموافقة على الاتفاق للمرة الأولى.

وعبّر رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عن قلقهما حيال دمار غابات الأمازون، لكنهما قالا إن عرقلة اتفاقية التجارة ليست الرد السليم.

وقال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إن بريطانيا ستقدم 10 ملايين جنيه إسترليني لحماية غابات الأمازون المطيرة.

وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الثلاثاء، أن بلاده تدعم "بشكل كامل" جهود الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو في مكافحة حرائق غابات الأمازون. وقال ترمب في تغريدة عبر حسابه على تويتر "بولسونارو يعمل بجدّية تامة على (مكافحة) حرائق الأمازون، ويؤدِّي عملاً عظيماً لشعب البرازيل، هذا أمر غير سهل".

صلُّوا من أجل الأمازون!

خرج البرازيليون إلى الشوارع في أكثر من 12 مدينة الأيام الماضية للاحتجاج على تقاعس الحكومة عن مكافحة الحرائق، وأغلقوا طرقاً رئيسية في برازيليا وساو باولو. ونُظمت احتجاجات أمام سفارات البرازيل في باريس ولندن والأرجنتين احتجاجاً على سياسات الرئيس البرازيلي.

وعلى وسائل التواصل الاجتماعي انتشر وسم "صَلُّوا من أجل أمازوناس" وغيره. وتداول مستخدمون مؤيدون لبولسونارو وسماً ترجمته "الأمازون دون المنظمات غير الحكومية"، ليصبح من المواضيع الأكثر انتشاراً على المنصة.

كذلك دعا البابا فرنسيس الأحد دول العالم إلى التكاتف من أجل إخماد الحرائق في غابات الأمازون، قائلاً إن المنطقة مهمة لسلامة الكوكب.

ماذا يعني استمرار الحرائق؟

أظهرت بيانات حكومية أن تدمير غابات الأمازون المطيرة في البرازيل بلغ أعلى مستوياته منذ عشر سنوات هذا العام بسبب القطع الجائر للأشجار وزحف الزراعة على الغابات.

وأشارت صور الأقمار الصناعية على مدى 12 شهراً حتى نهاية يوليو/تموز 2018 إلى إزالة 7900 كيلومتر مربع من الغابات في الأمازون، بما يمثّل زيادة قدرها 13.7% بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام السابق.

وتُعَدّ إزالة الغابات أحد العوامل الرئيسية وراء ارتفاع حرارة الأرض، إذ تمثّل نحو 15% من الانبعاثات السنوية من الغازات المسببة للاحتباس الحراري على غرار الانبعاثات الناتجة عن قطاع النقل.

ويخشى العلماء أن استمرار تدمير غابات الأمازون قد يؤدِّي إلى نقطة تحول تدخل المنطقة بعدها إلى دورة ذاتية من الموت التدريجي للغابات، فيما تتحول من غابات مطيرة إلى سافانا.

ويعتقد عالم المناخ البرازيلي كارلوس نوبري، أن ما يتراوح بين 15 و17% من إجمالي غابات الأمازون دُمّر بالفعل. وكان الباحثون يعتقدون في البداية أن نقطة التحوُّل ستكون عند دمار نسبته 40%، لكن ذلك تَغيَّر مع ارتفاع درجات الحرارة في غابات الأمازون الناجم عن الاحتباس الحراري والعدد المتزايد من الحرائق.

ويقول نوبري الآن إن نقطة التحوُّل ستكون على الأرجح عند دمار نسبته بين 20 و25%.

وأضاف أنه عند الوصول إلى نقطة التحوُّل سيستغرق الموت التدريجي للغابات ما بين 30 و50 عاماً سينبعث خلالها 200 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي مما سيصعِّب إبقاء ارتفاع درجات الحرارة أقلّ من 1.5 إلى درجتين مئويتين، وهو ما يسعى إليه العالم لتجنُّب أسوأ آثار تغيُّر المناخ.

المصدر: TRT عربي