تأتي تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل، بشرعية الاستيطان ووصفه بالحق الإسرائيلي، ضمن سياق انحياز إدارة ترمب ضد السلطة الفلسطينية. الأمر الذي دعا الأخيرة للتهديد بمقاضاته بسبب هذه التصريحات، التي تتزامن مع بداية أول خطوات صفقة القرن من البحرين.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع السفير الأميركي لدى اسرائيل ديفيد فريدمان
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع السفير الأميركي لدى اسرائيل ديفيد فريدمان (AFP)

لم يعد خفياً على العالم، السياسية الأمريكية الجديدة تجاه القضية الفلسطينية، واصطفاف إدارة الرئيس دونالد ترمب مع الرؤية الإسرائيلية، والتي بدأت تمظهراتها مع الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في تغاضٍ واضح عن القوانين والأعراف الدولية، من ثم تسليم الجولان المحتل لها، والاستمرار في شرعنة التوسع والاستيطان في الضفة الغربية المحتلة.

في ذات السياق يأتي كلام السفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان في مقابلته مع نيويورك تايمز، إذ قال إنّ إسرائيل تملك "الحق" في ضم "جزء" من أراضي الضفة الغربية المحتلة، في خطوة تصعيدية جديدة تجاه التسوية المرفوضة فلسطينياً.

بالتزامن مع ذلك، يلتئم بعد أيام مؤتمر "السلام من أجل الازدهار" في البحرين، وهو الذي سيناقش فيه الشق الاقتصادي لخطة السلام المقترحة من الإدارة الأمريكية، الأمر الذي ترفضه السلطة الفلسطينية بسبب ما تصفه بـ"انحياز واشنطن لإسرائيل".

الاستيطان حق؟

في المقابلة التي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز اعتبر فريدمان أن ضم أراضٍ في الضفة الغربية بدرجة ما هو أمر مشروع. وقال "في ظل ظروف معيّنة، أعتقد أن إسرائيل تملك الحق في المحافظة على جزء من، لكن على الأغلب ليس كل، الضفة الغربية".

وقال فريدمان إن "آخر ما يحتاج إليه العالم هو دولة فلسطينية فاشلة بين إسرائيل والأردن"، مضيفاً أنه "قد لا يقبلون بها وقد لا تحقق الحد الأدنى" من مطالبهم.

لكنه أشار في كلامه إلى اعتماده "على حقيقة أن الخطة المناسبة في الوقت المناسب ستحصل على رد الفعل المناسب مع مرور الوقت".

ورأى فريدمان الذي يعد من أشد داعمي المستوطنات الإسرائيلية، في تصريحاته أن خطة ترمب تهدف إلى تحسين ظروف الفلسطينيين المعيشية لكنها لن تشكّل "حلّاً دائماً للنزاع"، منوهاً بأنه "لا يعتقد أن الخطة قد تتسبب باندلاع أعمال عنف من الجانب الفلسطيني".

لكنه أكد أن واشنطن ستنسق بشكل وثيق مع حليفها الأردن الذي قد يواجه اضطرابات في أوساط سكانه الفلسطينيين الذين يرجح أن يحتجوا على خطة يعتبرون أنها تصب في مصلحة إسرائيل بشكل كبير.

جاءت هذه التصريحات إثر توقعات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات، التي قال فيها إن "الخطوة القادمة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، هي الاعتراف بسيادة إسرائيل على أجزاء من الضفة الغربية المحتلة، وبدويلة فلسطينية في قطاع غزة".

السلطة تهدد

رداً على تصريحات فريدمان، قالت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية، إنها تدرس تقديم شكوى ضد سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى إسرائيل لدى المحكمة الجنائية الدولية، لخطورته على السلم والأمن في المنطقة.

وأدانت الخارجية تصريحات ومواقف "المستوطن فريدمان، التي اعتبر فيها أن من حق إسرائيل ضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة، واعتبرتها امتداداً لسياسة الإدارة الأمريكية المنحازة بشكل كامل للاحتلال وسياساته الاستعمارية التوسعية".

وقالت الخارجية إن ما يلفت النظر في كلامه "أنه حريص على تحسين نوعية حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال، من خلال توفير أموال عربية وغير عربية لدعم المشاريع المشتركة للغرفة التجارية الفلسطينية الإسرائيلية الاستيطانية، التي اهتم شخصياً بتأسيسها لتكون عنوان التعايش تحت الاحتلال".

ووصفت الخارجية الفلسطينية "فريدمان بالجاهل في العمل السياسي والمغيب عن حكم التاريخ والجغرافيا، والمنتمي إلى دولة المستوطنات ولا يرى غيرها"، متسائلة عن "معاني الدولة الفاشلة بمفهومه المتعالي والعنصري".

وأشارت الخارجية إلى أن حديث فريدمان يفضح حقيقته، ويفضح حقيقة أفكاره وأفكار أقرانه من عصبة المستوطنين بلباس أمريكي رسمي، وأنها ستدرس إن كان "كلامه العنصري يرتقي لدرجة تقديم شكوى ضده لدى المحكمة الجنائية الدولية لما يرتكبه من تصريحات وأفعال ومحاولات لفرض رؤيته العنصرية، وهو ما يدلل على خطورته على السلم والأمن في المنطقة، وتعريضه الشعب الفلسطيني لعديد المخاطر والمؤامرات".

الاستيطان.. شيفرة صفقة القرن

يعتبر الاستيطان الرقم الصعب في الخطة الأمريكية المحتمل الإعلان عنها قريباً، وهو ما دعا حركة "السلام الآن" الإسرائيلية، إلى أنّ تطالب "ترمب بإزاحة فريدمان من منصبه إذا كان يريد الحفاظ على أي مصداقية لخطته".

وكتبت الحركة على موقع تويتر "إذا كان الرئيس الأمريكي ينوي أن يكون وسيطاً نزيهاً، فعليه أن يأمر فريدمان بحزم حقائبه الليلة"، مشيرة إلى أن "وجود أصدقاء مثل السفير الأمربكي ديفيد فريدمان، لا يجعلك تحتاج إلى أعداء".

وخلال الحملات التي سبقت الانتخابات العامة التي جرت في أبريل/نيسان الماضي، تعهّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بضمّ المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، في تحرّك دعمه منذ مدة طويلة جميع النواب تقريباً في تحالفه الذي يضم أحزابًا يمينية ودينية.

وفي وقت سابق في فبراير/شباط، قال نتنياهو للنواب إنه ناقش مع واشنطن خطة يمكن يموجبها ضم المستوطنات بشكل فاعل، لكن في تعبير علني نادر عن الخلاف بين الحليفين المقربين، نفى البيت الأبيض بشكل مباشر لاحقاً إجراء أي محادثات من هذا النوع.

وكانت حركة السلام الآن قالت ضمن تقريرها السنوي للحركة المناهضة للاستيطان إن إسرائيل شيدت نحو عشرين ألف منزل جديد للمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، منذ تسلم بنيامين نتنياهو رئاسة الحكومة عام 2009.

وقالت الحركة في تقريرها إنه تم "بناء 19346 منزلاً للمستوطنين اليهود منذ عام 2009، عندما تولى نتنياهو رئاسة الحكومة للمرة الثانية وحتى نهاية 2018".

ووصفت الحركة وقتها "الحكومة الإسرائيلية بأنها تحفر حفرة لتوقع البلاد فيها"، مضيفة "ولو أن الحكومة لا تؤمن بإمكانية تحقيق السلام في المستقبل القريب، فلا منطق لتوسيع المستوطنات وجعل الحل مستحيلاً".

ومع استمرار توسيع المستوطنات من قبل حكومات نتانياهو المتعاقبة، يعيش أكثر من 600 ألف مستوطن يهودي حالياً في الضفة الغربية، بما في ذلك في القدس الشرقية، وسط ثلاثة ملايين فلسطيني، ويعتبر المجتمع الدولي أن المستوطنات غير شرعية وتشكل أكبر عقبة في طريق السلام.

بدوره، قال الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي لـTRT عربي إن "تصريحات فريدمان وقحة وهي تتجاوز القانون الدولي بكل معاييره وتمثل انحيازاً مطلقاً ليس لإسرائيل فقط، بل لكل الاتجاهات العنصرية المتطرفة حول العالم".

وأضاف "التصريحات لم تكن مفاجئة، لأنّ فريق ترمب جعلوا من أنفسهم ناطقاً باسم نتنياهو والمستوطنين غير الشرعيين في الضفة الغربية".

وأشار إلى أن التصريحات "لا قيمة لها لأنها لا تغيّر القانون الدولي ولا الوضع القانوني للأراضي المحتلة، وتفضح صفقة القرن التي ليست أكثر من ترجمة واضحة لأفكار نتنياهو الرامية إلى منع إقامة دولة فلسطينية".

ودعا البرغوثي إلى ضرورة وحدة الشعب الفلسطيني للوقوف في وجه مخطط "صفقة القرن".

المصدر: TRT عربي