شكّل صعود ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى المشهد نقلة كبيرة في السعودية من تغيير شخصيات محيطة بالديوان الملكي وصولا إلى ما توصف بالإصلاحات الداخلية وطرح رؤية 2030 لتعقبها مجموعة من الأزمات الخارجية آخرها ملف اختفاء جمال خاشقجي. 

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال رؤية 2030 
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال رؤية 2030  (AFP)
صعد نجم الأمير محمد بن سلمان سريعاً وهو الابن المفضل للملك سلمان بن عبد العزيز وأصبح ولياً للعهد في يونيو/ حزيران 2017 خلفاً لابن عمه محمد بن نايف بين ليلة وضحاها متجاوزاً كثيراً من تقاليد الحكم في المملكة .

وقدّم حلفاء  الأمير الشاب ومناصريه في السعودية والمنطقة والعالم بن سلمان على أنه ذو رؤية إصلاحية ستنتقل بالسعودية المعروفة بمجتمعها المحافظ إلى مرحلة غير مسبوقة من الحداثة. وكانت من أولى قرارات بن سلمان المولود عام 1985 السماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة الأمر الذي استقبل بترحيب دولي وداخلي كبير .

إلا أن مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية  السعودية في إسطنبول وضع حكمه وسمعة البلاد تحت المجهر لا سيما بعد عزل مسؤولين من مناصبهم يعتبرون مقربين منه بعد الحادثة. ولكن قضية اختفاء ومقتل خاشقجي لم تكن وحدها من وضع حكم بن سلمان تحت الضوء.

الطريق نحو "قصر اليمامة"

بدأ بن سلمان ولاية عهده بالإطاحة بولي العهد "محمد بن نايف" من جميع مناصبه وتجريد وزارة الداخلية - يد بن نايف القوية - من معظم صلاحيتها.

 وأعلن الديوان الملكي حينها عن سحب صلاحية الادعاء العام منها، وتشكيل مجلس للأمن القومي يتبع مباشرة سلطة الملك، قبل أن يتم تأسيس قطاع جديد مستقل داخل وزارة الداخلية تحت مسمى "رئاسة أمن الدولة" مع منحه صلاحيات موسعة. 

 وأحاط محمد بن سلمان في تأمين نفسه برجالات تكنوقراط بعد أن استغنى عن من لهم صلة بابن نايف مثل عبد العزيز الهويريني رئيس جهاز أمن الدولة وقتها، ليعطي أهم ملفات المملكة، وهما النفط والشؤون الخارجية لرجاله الجدد خالد الفالح وعادل الجبير. 

فيما عيّن أحمد عسيري كنائب لرئيس المخابرات السعودية ومستشاراً عسكرياً له، وسعود القحطاني مستشاراً إعلامياً للديوان الملكي. وهما من تم عزلمها من منصبهما على إثر مقتل خاشقجي.

رؤية 2030 والليبرالية الجديدة 

كان تحجيم "الشرطة الدينية" أول المعارك التي انتصر فيها محمد بن سلمان عندما كان ولي ولي العهد، عبر الإجهاز على "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

ثم ساهم في تغيير هيئة كبار العلماء أحد الهياكل القوية في الدولة عبر تعيين رجالات قريبين من فكره مثل سليمان أبوالخيل المعروف بمعاداته لتيار الإسلام السياسي، ومحمد العيسى وزير العدل الأسبق الذي سمح للمرأة أثناء وزارته بممارسة مهنة المحاماة. 

في ذات السياق، قرر ولي العهد الشاب السماح للمرأة بقيادة السيارة بداية من يونيو حزيران 2018، ثم أسس الهيئة العامة للترفيه لتقوم على تنظيم الحفلات الغنائية ودور السينما في المملكة في سابقة تعد الأولى في تاريخ السعودية. 

ما حصل في المملكة العربية السعودية من إصلاحات هي ضرورة دولية واستجابة متأخرة للتحضر

مضاوي الرشيد - أستاذة علم الإنثربولوجيا الديني، في قسم اللاهوت والدراسات الدينية بكلية الملوك بجامعة لندن

جاءت هذه "الإصلاحات" في إطار رؤية التجديد التي عبر عنها ولي العهد تحت مسمى "رؤية 2030"، والتي اعتبرت الأكاديمية السعودية مضاوي الرشيد، أستاذة علم الإنثربولوجيا الديني، في قسم اللاهوت والدراسات الدينية بكلية الملوك بجامعة لندن، بأن كلمة إصلاح لا تنطبق عليها. 

وقالت الرشيد لـTRT عربي، إن ما حصل في المملكة العربية السعودية هي ضرورة دولية واستجابة متأخرة للتحضر . وأضافت " بأن الإصلاحات والرؤى القائمة على القمع الداخلي واغتيال حرية التعبير هي لا يمكن أن تكون إلا استبداداً".

مأزق الملفات الخارجية 

كانت لحظة اتخاذ السعودية قرار إجراء عملية "عاصفة الحزم" في فجر يوم 26 مارس/ آذار 2015، تاريخية بما أنها أول قرار تتخذه الدولة السعودية بشن حرب منذ تأسيسها. ولم يجد الملك سلمان بن عبد العزيز أفضل من ابنه المقرب لإدارة هذه العملية العسكرية. 

تقول مضاوي الرشيد في هذا السياق، "إن أخطر ملف أضر بسمعة السعودية هو الملف اليمني حيث تمت عملية تدمير كاملة للبلاد مضيفة  أن "وضع ثروات البلد لخدمات الحروب والثورات المضادة هو ما نجح فيه بن سلمان في ملف اليمن."

وفي يونيو حزيران 2017، جاءت الأزمة الخليجية التي قاطعت فيها كل من السعودية والإمارات ومصر والبحرين دولة قطر بتهمة "دعم الإرهاب والتقارب مع إيران". 

ووصفت الرشيد الأزمة الخليجية بأنها "شق للصف الخليجي بسبب تهور ولي العهد"، مضيفة أن دول خليجية أخرى مستهدفة في المستقبل من قبل بن سلمان وهي الكويت وعمان. 

ما حصل هو شق للصف الخليجي بسبب تهور ولي العهد مضيفة أن دول خليجية أخرى مستهدفة في المستقبل من قبل بن سلمان وهي الكويت وعمان

مضاوي الرشيد - أستاذة علم الإنثربولوجيا الديني، في قسم اللاهوت والدراسات الدينية بكلية الملوك بجامعة لندن

بعدها بأشهر، وجد رئيس الوزراء اللبنان  سعد الحريري، الحليف المفترض للسعودية، نفسه محتجزاً في الرياض، حيث كان محمد بن سلمان أحد مدبري هذا الاحتجاز بسبب أزمة شركة "سعودي أوجي" حسب "ذو إيكونوميست"، وبعد تدخل فرنسي تم الإفراج عنه. 

لم تتوقف الأزمات الخارجية هناك، بل وصلت لحد سوق النفط حين عرض ولي العهد اكتتاب شركة أرامكو البترولية ضمن رؤيته لعام 2030 من أجل جمع نحو 100 مليار دولار حسب "بلومبيرغ"، لكن هذا الطرح سرعان ما توقف بسبب ضغط واشنطن المتضررة الأولى من ارتفاع أسعار النفط. 

لتأتي بعدها قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول في 2 أكتوبر تشرين الأول الجاري، في قضية لازال يشوبها الغموض رغم الرواية السعودية الرسمية التي اعتبرت أنه قتل من قبل أشخاص نافذين في الدولة دون علم ولي العهد السعودي. 

وتقول الرشيد إن بن سلمان " لن يحكم بذات الأريحية التي كان عليها قبل أزمة خاشقجي في وقت يكبر الشرخ في الأسرة الحاكمة".

المصدر: TRT عربي