على الرغم من تحذيرات الحكومة العراقية من استمرار المظاهرات وتعنّت رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، لم تنطفئ جذوة الاحتجاجات التي يصر المشاركون فيها على تنفيذ مطالبهم مهما بلغ مدى القمع وزادت كلفته.

تحذيرات إيران وتعنّت الحكومة العراقية وارتفاع كلفة القمع لم يُثنوا عزيمة المحتجين العراقيين عن مواصلة الحراك حتى تنفيذ مطالبهم
تحذيرات إيران وتعنّت الحكومة العراقية وارتفاع كلفة القمع لم يُثنوا عزيمة المحتجين العراقيين عن مواصلة الحراك حتى تنفيذ مطالبهم (Reuters)

لا يبدو أن تعنّت الحكومة العراقية ورئيسها عادل عبد المهدي في عدم الاستجابة للمحتجين المطالبين بإسقاط الطبقة السياسية الحاكمة، أثنت عزيمة المتظاهرين المستمرين في احتجاجاتهم على مدار أسابيع، وسط سقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى في حراك يُعدّ الأوسع من نوعه منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

مزيد من الدماء

قُتِل أربعة متظاهرين الخميس، بقنابل مسيلة للدموع في بغداد، إذ تُواصل القوات الأمنية قمع الاحتجاجات على الرغم من الضغوط السياسية والدبلوماسية لوضع حد للأزمة.

وقال مصدر طبي حكومي: إن أحد المحتجين المصابين صباح الخميس، من قِبل القوات الأمنية وسط بغداد، فقد حياته في أحد مشافي العاصمة متأثراً بجروحه، وفقاً لوكالة الأناضول.

وفي وقت سابق قال المصدر نفسه: إن "قوات مكافحة الشغب حاولت منذ الساعات الأولى من صباح اليوم، تفريق محتجين معتصمين في ساحة الخلاني قريبين من جسر السنك المؤدي إلى المنطقة الخضراء".

وأضاف أن "القوات الأمنية أطلقت قنابل مسيلة للدموع على المحتجين في ساحة الخلّاني، وأصابت إحداها رأس محتج ليفارق الحياة على الفور، بينما توفي متظاهر آخر في المستشفى متأثراً بجروحه".

وباتت العاصمة بغداد أشبه بساحة معركة، وسط الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع الذي يعطي الأجواء ألواناً بنفسجية وخضراء وبرتقالية، كما لا يزال جنوب البلاد ذو الغالبية الشيعية مصاباً أيضاً بشلل جزئي جرّاء حركة واسعة من العصيان المدني.

"لن نرحل حتى لو استمرت الاحتجاجات 40 عاماً"

لا يبدو أن عداد القتلى والجرحى المستمر في الارتفاع، ولا تحذيرات المسؤولين الحكوميين وتعنّتهم أو تدخلات الجارة إيران من أجل إخماد الحراك، كانت كافية لردع المحتجين العراقيين وثنيهم عن مواصلة مظاهراتهم.

فالشبان العراقيون يشاركون بالآلاف منذ اندلاع الاحتجاجات المناهضة للحكومة في مطلع أكتوبر/تشرين الأول، في العاصمة وامتدادها سريعاً إلى جنوب البلاد.

وقال محمد وهو محتج شاب اكتفى بتقديم اسمه الأول فقط: "نحن هنا للمطالبة بالعدالة، أريد العدالة لشقيقي الذي قُتل على هذا الجسر، وأريد العدالة لصديقي الذي قُتل هنا على هذا الجسر"، وفقاً لحوار أجرته معه رويترز.

وكان محمد الذي يرتدي العلم العراقي قناعاً على وجهه ليحمي نفسه من الغاز المسيل للدموع، يقف تحت جسر الجمهورية حيث اندلعت مواجهات عنيفة مع شرطة مكافحة الشغب على مدى الأسابيع الثلاثة الأخيرة.

وقالت رند عن ساحة التحرير بوسط المدينة: "نحن هنا لمساعدة أشقائنا في الساحة، وعلينا البقاء هنا لتحقيق ما نريده سلمياً. حتى لو استغرق ذلك وقتاً طويلاً"، فيما قال متظاهر آخر يُدعى حسين وهو يُعلِّق أسطوانة غاز مسيل للدموع فارغة حول عنقه: "نحن الشبان فاض بنا الكيل والأوضاع ليست عظيمة. ليست لدينا وظائف ولا رواتب... لن نرحل حتى لو استمر ذلك 40 عاماً"، وفقاً لرويترز.

دعوات لوقف القمع

دعت منظمات حقوقية وجهات دولية القوى الأمنية لوقف قمعها المتواصل ضد المتظاهرين والامتناع عن استخدام هذا النوع "غير المسبوق" من القنابل التي يبلغ وزنها عشرة أضعاف وزن عبوات الغاز المسيل للدموع العادية وتخترق جماجم المتظاهرين.

وتقود الأمم المتحدة وساطة لإخراج البلاد من دوامة العنف، وتشكو شريحة من العراقيين بينهم سياسيون من سيطرة إيران في الآونة الأخيرة على مفاصل القرار التي أرست اتفاقاً يبقي على السلطة وينهي الاحتجاجات "بكل الوسائل المتاحة".

وطرحت الأمم المتحدة عبر رئيسة بعثتها في العراق جينين هينيس بلاسخارت خارطة طريق حظيت بموافقة المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني، وتُقسّم خارطة الطريق تلك على مراحل تبدأ بوضع حد فوري للعنف، والقيام بإصلاح انتخابي، واتخاذ تدابير لمكافحة الفساد في غضون أسبوعين، تتبعها تعديلات دستورية وتشريعات بنيوية في غضون ثلاثة أشهر.

وناقشت بلاسخارت الخطة مع زعماء الكتل النيابية على هامش جلسة برلمانية الأربعاء، ودعتهم لـ"تحمّل المسؤولية"، قائلةً: "حان الوقت الآن للتحرك وإلا فإن أي زخم سيضيع في وقت يطالب الكثير من العراقيين بنتائج ملموسة".

ويشهد العراق منذ مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي، احتجاجات شعبية في العاصمة بغداد ومحافظات أخرى، تطالب برحيل حكومة عادل عبد المهدي التي تتولى السلطة منذ أكثر من عام.

ومنذ ذلك الوقت، سقط في أرجاء العراق 325 قتيلاً و15 جريحاً، وفق إحصائية أعدتها وكالة الأناضول استناداً إلى أرقام لجنة حقوق الإنسان البرلمانية، ومفوضية حقوق الإنسان العراقية الرسمية ومصادر طبية. والغالبية العظمى من الضحايا هم من المحتجين، وسقط الضحايا خلال مواجهات بين المتظاهرين من جهة وقوات الأمن ومسلحي فصائل شيعية مقربة من إيران من جهة ثانية.

ويرفض رئيس الوزراء عادل عبد المهدي الاستقالة، ويشترط أن تتوافق القوى السياسية أولاً على بديل له، محذراً من أن عدم وجود بديل "سلس وسريع" سيترك مصير العراق للمجهول.

المصدر: TRT عربي - وكالات