من المستفيد من التطبيع العلاقات مع إسرائيل؟ (Getty Images)

بعد الإعلان عن تطبيع العلاقات الكامل بين إسرائيل والإمارات، سارعت دول عربية إلى الترحيب بالاتفاق، على الرغم من رفض الفلسطينيين له، وظهرت تصريحات لمسؤولين إسرائيليين تكشف عن قرب التوصل إلى اتفاقيات مع عدد من الدول العربية، ما يفتح باب التساؤلات حول المستفيد من هذه الخطوات التطبيعية؟

ما كان يجري في الخفاء من اتصالات وحوارات بين السودان وإسرائيل بدأت تنكشف خيوطه من خلال تصريحات مسؤولين سودانيين يرون أن العلاقة بإسرائيل ستقوم على تطبيع قائم على مكاسب للجميع.

وعلى الرغم من التوصيات بإحالة ملف التطبيع بين الخرطوم وتل أبيب إلى الخارجية السودانية على إثر أزمة داخلية تسبب فيها لقاء رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في العاصمة الأوغندية في فبراير/شباط الماضي، فإن كل شيء لا يزال يدار خارج وزارة الخارجية التي أعفت متحدث الخارجية السودانية حيدر بدوي من منصبه.

بدوي الذي خرج الثلاثاء، ليكشف أن لقاء رئيس المجلس السيادي عبد الفتاح البرهان مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كان "خطوة جريئة فتحت الباب أمام اتصالات يمكن أن تجري بين الطرفين"، وجَّه رسالة إلى حمدوك والبرهان بعد إعفائه من منصبه قائلاً: "احترموا شعبكم واكشفوا له ما يدور في الخفاء بشأن العلاقة مع إسرائيل".

لسنا أول دولة تطبِّع مع إسرائيل، وعلاقتنا مع اليهود قديمة منذ عهد موسى عليه السلام، وسنناقش التطبيع مع إسرائيل في دهاليز السلطة بالخرطوم، ولسنا تبعاً لغيرنا.

حيدر بدوي - المتحدث باسم الخارجية السودانية

السودان.. تطبيع لنفي تهمة الإرهاب

إسرائيل التي يسيل لعابها لأي علاقة مع الدول العربية كي تخرج من عزلتها في الشرق الأوسط كدولة احتلال، انتهكت حقوق الشعب الفلسطيني وسلبته أرضه وحرمته من حقه في إقامة دولة مستقلة، تلقفت هذه التصريحات مرحبةً بها، وكانت فرحة أخرى لها بعد إعلان دولة الإمارات العربية تطبيع العلاقات مع إسرائيل بشكل علني.

وبينما يرى مسؤولون سودانيون أن "اتفاق السلام مع إسرائيل يسوق السودان إلى نفي تهمة الإرهاب عنه، حسب تصريحات بدوي، يرحب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بانفتاح السودان على اتفاق السلام، قائلاً إن "المنطقة كلها ستستفيد"، حسب صحيفة هآرتس الإسرائيلية.

وقال نتنياهو في تغريدة على تويتر: "يرحب رئيس الوزراء نتنياهو بموقف وزارة الخارجية السودانية الذي يعكس القرار الشجاع الذي اتخذه رئيس مجلس السيادة السوداني (عبد الفتاح البرهان)، الذي دعا للعمل على تعزيز العلاقات بين البلدين".

وتتحدث صحيفة هآرتس عن تكهنات يؤيدها مسؤولون سودانيون، "بأن المزيد من الدول العربية ستتبع الإمارات العربية المتحدة في تطبيع العلاقات مع إسرائيل"، مشيرة إلى تقدير الخبراء أن السودان مهتم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل مقابل رفع العقوبات الأمريكية، فحسب تصريحات بدوي الذي لم ينكر وجود اتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وسودانيين، "لا يوجد سبب لاستمرار العداء بين البلدين والاتفاق سيكون على أساس التبادلية ويحمي مصالح السودان من دون المساس بمبادئه".

ويبدو أن دولاً عربية أخرى ستسير على خطى الإمارات، فقد قال مسؤولون أمريكيون خلال مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض الأسبوع الماضي: "إن عُمان والبحرين ستكونان الدولتين التاليتين لتطبيع العلاقات مع إسرائيل".

وترى الصحيفة أن "البرهان هو الحاكم الفعلي للسودان بعد الإطاحة بعمر البشير في احتجاجات شعبية العام الماضي"، وأن السلام معه هو استكمال لخطة إسرائيل في تطبيع العلاقات مع عدد من الدول الإفريقية الإسلامية، بما في ذلك السودان ومالي والنيجر.

منافع لنتنياهو ومخاوف من إيران

من جهة أخرى، يرى الخبير الإعلامي والعسكري عاموس هرئيل، خلال مقال له في صحيفة هآرتس بعنوان "ما يريده السودان حقاً من إسرائيل بعد التطبيع"، أن نتنياهو حاول منذ البداية الاستفادة من اللقاءات مع مسؤولين عرب ليسجل إنجازاً دبلوماسياً لخدمة هدفه السياسي المتمثل في تعزيز صورته كرجل دولة ضخم عشية الانتخابات الثالثة، وكان الأمر واضحاً من لقائه البرهان في أوغندا.

وبرأي الكاتب، تهدف هذه التحركات أيضاً إلى تهدئة اليمينيين المحبطين من الوعود المحطمة لنتنياهو ومساعديه فيما يتعلق بضم المستوطنات السريع.

في المقابل، يشير الكاتب إلى وجود أشياء قليلة يمكن أن يحصل عليها السودان من إسرائيل، من بينها المساعدة التكنولوجية والعلمية، والمساعدة في مجال الاستخبارات، وقبل كل شيء الوصول إلى البيت الأبيض.

ويضيف: "يدرك السودان مثل دول أخرى في المنطقة، قوة العلاقة بين نتنياهو والإدارة الأمريكية الحالية، وفي دولة شبه منبوذة مثل السودان، توجد حاجة ماسة إلى إعادة التأهيل من الغرب، بعد سنوات من الحرب الأهلية... ويُنظر إلى إسرائيل كقناة أساسية للولايات المتحدة".

وليس السودان المستفيد الوحيد كما يكشف الكاتب، بل تسعى إسرائيل للسيطرة عليه من علاقاته مع إيران، الدولة التي تعتبر من ألد أعدائها، يقول عاموس: "قبل نحو عقد من الزمان، كانت الخرطوم في عمق جيب إيران. حولت طهران الأموال إلى النظام، وفي المقابل تلقت مساعدة لوجستية قيّمة في صناعة الأسلحة وعمليات تهريب الأسلحة. من عام 2009 إلى عام 2012، أفادت وسائل الإعلام الأجنبية عن سلسلة من الهجمات التي نُسبت إلى إسرائيل، ضد سفن الأسلحة وقوافل التهريب، وعلى منشأة لتصنيع الأسلحة في السودان، فيما كانت بعض الغارات جواً".

تغيير جيوسياسي ومنافع اقتصادية

الكاتب الإسرائيلي أنشل بفيفر، يرى في مقال بصحيفة هآرتس، أنه "على عكس معاهدات إسرائيل مع مصر والأردن، فإن الاتفاقية الأخيرة مع الإمارات ليست في الحقيقة صفقة سلام، بل لديها إمكانات أكبر بكثير لإجراء تعديل جيوسياسي".

ويقارن الكاتب اتفاقية السلام بين الإمارات وإسرائيل، والأخيرة مع مصر والأردن، قائلاً: "هذا يختلف كثيراً فاتفاقيات السلام التي وقعتها إسرائيل في الماضي مع مصر والأردن، لم يتبعها هذا النوع من الحب المفتوح. بعد عقود طويلة من السلام على طول الحدود المصرية والأردنية، لا تزال علاقات إسرائيل مع الجارتين التي تربطها بها علاقات دبلوماسية قائمة بشكل أساسي على علاقات أمنية سرية وتفتقر تماماً إلى الدفء أو الانفتاح".

ويضيف: "يوجد شيء مختلف تماماً، فظاهرياً، يبدو الأمر أكثر طبيعية وأسهل بين الإمارات وإسرائيل، كما لو لم يكن هذا اتفاقاً جديداً، بل هو استكمال لعلاقة كان الطرفان يعملان عليها لفترة من الوقت ويدركان المصالح المشتركة".

على عكس العلاقات مع مصر والأردن، فإن السلام الإسرائيلي-الإماراتي لا يحمل احتمالية أن يكون دافئاً فحسب، بل هو أيضاً جزء من إعادة ترتيب جيوسياسي أوسع بكثير.

الكاتب الإسرائيلي في صحيفة هآرتس - أنشل بفيفر

ويتابع: "محمد بن زايد هو ثاني زعيم عربي بعد السادات يرفض القضية الفلسطينية، ولا يدفع لها أكثر من الكلام، لعلاقتة المفتوحة مع إسرائيل، لكنه الآن يذهب إلى أبعد بكثير من الزعيم المصري. من الواضح أن الإماراتيين يتوقعون ألا يكونوا وحدهم في هذا الأمر ويشجعون وراء الكواليس الدول العربية والإسلامية الأخرى، بما في ذلك جيرانهم في الخليج، ودول مثل السودان والمغرب".

وبدأ الارتباط بين إسرائيل ودول الخليج بشكل جدي منذ عقدين ونصف في أعقاب اتفاق أوسلو، وكان من شبه المؤكد أن يخرج إلى العلن لو لم تتعثر عملية السلام مع الفلسطينيين. ومع ذلك، ظلت الروابط وراء الكواليس قوية، ونمت أقوى على مدى العقد الماضي، إذ قدم التهديد الإيراني سبباً مشتركاً، يقول بفيفر.

ويشير الكاتب الإسرائيلي إلى أن "مبادرة السلام العربية بقيادة السعودية لعام 2002، كانت أول اقتراح واضح للتطبيع الكامل بين إسرائيل وغالبية الدول العربية، وكان الشرط هو الانسحاب الإسرائيلي من جميع الأراضي المحتلة. وبينما أعادت جامعة الدول العربية التأكيد مرتين لدعمها للمبادرة، قام العديد من أعضائها من وراء الكواليس بتطبيع العلاقات بهدوء مع إسرائيل، بغض النظر عن القضية الفلسطينية التي لم ترواح مكانها في السنوات الثماني عشرة الماضية".

ويضيف: "عملياً، ما فعله محمد بن زايد من خلال جعل العلاقة مع إسرائيل مفتوحة وعلنية، هو الإعلان عن فصل الصراع الإسرائيلي العربي عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. حتى لو كانت الدعاية الإماراتية من أجل المظاهر قد أصرت على أن الصفقة مع إسرائيل كانت مقابل تخلي بنيامين نتنياهو عن ضم الضفة الغربية (وهذا ما لم يحدث)، فإن محمد بن زايد لم يوجه إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس أي تحذير مسبق".

السلام مقابل طائرات F-35

من ناحية أخرى، تهرول الإمارات مسرعة للتطبيع مع إسرائيل، لتحقيق حلماها في امتلاك طائرات F-35، وهو أمر على جدول الأعمال الأمريكي، حسب ما كشفته صحيفة هآرتس الإسرائيلية في مقال آخر.

تقول الصحيفة: "يكمن عدد من الاعتبارات المعقدة وراء قرار الإمارات العربية المتحدة كسر المحرمات القديمة والتوصل إلى اتفاق تطبيع مع إسرائيل. أحدها على الأرجح، هو أمل الإمارات في أن تحدث الاتفاقية انفراجاً في جهودها لشراء أسلحة أمريكية متطورة، وفي مقدمتها الطائرة المقاتلة F-35.

ولم توافق إدارة أوباما ولا إدارة ترمب على بيع طائرات F-35 أو طائرات هجومية من دون طيار إلى الدول العربية. كان هذا بسبب الاعتراضات المبررة التي طرحها مسؤولو الدفاع الإسرائيليون.

وأفاد المحلل ناحوم بارنيا في صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية الثلاثاء، بأن إدارة ترمب تخطط الآن لبيع طائرات F-35 وطائرات من دون طيار متقدمة إلى الإمارات العربية المتحدة. وكتب أن الاتفاقية كانت في الأساس سلاماً مقابل أسلحة متطورة وإلغاء الضم.

وعلى الرغم من أنه لم يقل ذلك صراحة، فإن دلالاته كانت أن نتنياهو رفع معارضة إسرائيل للبيع. وأضاف بارنيا أن "هذا جرى من وراء ظهر مؤسسة الدفاع الإسرائيلية".

وفي سياق آخر، تقول الصحيفة إن مشكلة أخرى محتملة. حتى الآن حصلت دولة واحدة فقط في المنطقة وهي تركيا، على إذن لشراء طائرات F-35. وحتى تلك الصفقة جرى تجميدها بعد أن اشترت أنقرة نظام الدفاع الجوي الروسي S-400.

وتضيف: "إذا حصلت الإمارات على إذن لشراء الطائرات، فسوف يصطف السعوديون والمصريون بسرعة. وعلى الرغم من أن كلا البلدين صديقان لإسرائيل، فإن ذلك من شأنه أن يضع حداً للتفوق العسكري النوعي لإسرائيل".

TRT عربي
الأكثر تداولاً