مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بات اهتزاز حكومات فرنسا وألمانيا يمثل هاجساً للاتحاد الأوروبي في ظل تنامي الأزمات الاقتصادية، ما يضع مستقبل الاتحاد على المحك، فما طبيعة التحديات التي تواجه قادة أوروبا الحاليين؟

المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (Reuters)

ما المهم: يواجه قادة ثلاث عواصم أوروبية رئيسة اليوم مآزق مختلفة الأنواع، لكن يجمع بينها تداعياتها التي تهدد الاستقرار السياسي لحكومات تلك الدول.

حيث يواجه الرئيس الفرنسي غضباً شعبياً كبيراً متمثلاً في حراك "السترات الصفراء" المستمر منذ أسابيع، وأعلنت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، في التاسع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول الماضي عدم نيتها الترشح لمنصب مستشارة ألمانيا في انتخابات 2021، مبررة القرار بازدياد الهجوم على حكومتها، ورغبتها في إتاحة الفرصة لوجوه جديدة، وهي التي قادت بلادها والاتحاد الأوروبي لقرابة العقدين من الزمان.

وبجانب فرنسا وألمانيا تواجه تيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية خطر حجب الثقة عنها بعدما نجت من تصويت سابق من قِبل أعضاء في حزبها بسبب تعاملها مع ملف خروج بلادها من الاتحاد الأوروبي، وهي أزمات تنبئ بوجود عواصف سياسية قادمة في أكبر ثلاث عواصم في أوروبا، وستمتد بالتأكيد إلى قلب الاتحاد الأوروبي خاصة بعد قرار بريطانيا بالخروج.

المشهد: بعد قرابة 4 أسابيع من اندلاع حراك "السترات الصفراء" اعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بحاجة بلاده إلى إصلاح عميق، وأنه يتحمل جزءاً من مسؤولية الغضب الشعبي جراء فرض ضرائب جديدة ورفع أسعار الوقود.

وتواجه حكومة ماكرون أكبر أزماتها في ظل الحراك الاحتجاجي الأخير الأوسع في تاريخ فرنسا منذ مظاهرات الطلاب في مايو/أيار 1968، رغم ظهور ماكرون وتراجعه عن بعض قرارات حكومته، فإن التصعيد يبدو مستمراً من جانب هذا الحراك.

وفي ظل تصاعد تيارات يمينية متشددة أُجريت انتخابات الحزب المسيحي الديمقراطي الاجتماعي الحاكم في ألمانيا، وشهدت منافسة بين تيار زعيمة الحزب أنغيلا ميركل التي قررت عدم الترشح لدورة جديدة أمام التيار الأكثر يمينيةً بزعامة فريدريش ميرتس.

لتأتي أنغريت كرامب كارنباور خلفاً لميركل التي ستنسحب بعد نهاية ولايتها في ظل تحديات تهدّد استقرار الاتحاد الأوروبي وتماسكه ككل، بعدما كانت المرأة الأقوى التي تحرك سياسات أوروبا في آخر عقدين، وهو ما يبرز تساؤلات حول مدى قدرة خليفة ميركل في مواجهة هذه التحديات.

وعلى صعيد بريطانيا العالقة مع الاتحاد الأوروبي في خطة انسحابها من الاتحاد، نجت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، من التصويت على حجب الثقة عنها من قبل أعضاء في حزبها بسبب تعاملها مع ملف خروج بلادها من الاتحاد الأوروبي، بعدما فازت ماي بأغلبية 200 صوت مقابل 117 خلال الاقتراع، في ظل سخط من كلا الفريقين الرافض والمؤيد للخروج من الاتحاد الأوروبي؛ بسبب خطتها المقترحة لاستكمال الانسحاب من الاتحاد.

بين السطور: تعيش أبرز دول أوروبا في حالة اهتزاز في ظل تنامي التوجه الوطني والقومي وصراع المصالح بين أقطاب هذا الاتحاد المثقل بعض أعضائه بالديون الناتجة عن الأزمة المالية، والركود الذي أصاب منطقة اليورو.

استغل اليمين المتطرف سياسة التقشف على مدار 8 سنوات ماضية، والتي فشلت في إنعاش الاقتصادات الأوروبية للتشكيك في جدوى المشروع، وقد تبلورت نتيجة هذا الاستغلال في إقناع غالبية البريطانيين بضرورة الخروج من الاتحاد الأوروبي.

على وقع الأزمات الحالية تواجه أوروبا مسألة إفلاس بعض دول منطقة اليورو في ظل الشكوك في إمكانية إنقاذها مثلما فعلت ألمانيا مع حالة اليونان.

بالإضافة إلى الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي أمام مشاكل الهجرة واللجوء، وبزوغ نجم تيار اليمين المتطرف الذي يواصل تحدي الاتحاد الأوروبي بتحدي الحكومات الأوروبية القائمة، وإسقاط مرشحيها في انتخابات البلديات والانتخابات برلمانية مثلما حدث في عدة عواصم أوروبية مؤخراً.

وإلى جانب الهواجس الاقتصادية، بدأت الهواجس الأمنية تطغى على توجهات بعض البلدان ضمن المنظومة الأوروبية، في ظل الخلاف مع الإدارة الأميركية الحالية فيما يتعلق بحلف الناتو ودور أوروبا فيه.

ما التالي: وحول مستقبل الأوضاع في أوروبا يقول الباحث السياسي حسام شاكر "يشهد الاتحاد الأوروبي ضغوطاً من الخارج والداخل في موسم التشاؤم الأوروبي الذي قد يخيم على انتخابات البرلمان الأوروبي في الربيع المقبل، والتي سوف تشهد تصاعداً في الحُمى الشعبوية بين بلدان القارة".

ويضيف شاكر لـTRT عربي "نستطيع أن نقرأ الرسائل المختلفة في بلدان أوروبا بداية من ألمانيا وأفول عهد ميركل كنتيجة لسياساتها المنفتحة في قضايا كاللاجئين، وكذلك في بريطانيا التي تعيش مأزقها السياسي نتيجة التجاذبات أثناء مفاوضات الاتحاد الأوروبي، والتي لم تكن نزهة كما تصور بعضهم".

ويرى شاكر أن أحزاب اليمين المتطرف لم تعد أحزاباً منبوذة على الأطراف، بل باتت داخل أروقة السياسة الأوروبية، الأمر الذي ألقى بظلاله على الأحزاب العادية التي تلجأ إلى تملّق بعض خطابات اليمين الشعبوي وتبنيها للحفاظ على الأصوات، وهذا يشير إلى مزاج عام في أوروبا.

ويشير شاكر إلى أن تحركات كالسترات الصفراء تشير إلى إمكانية تفلت الأوضاع في أوروبا بشكل مفاجئ؛ حيث تشكل تحدياً عابراً للحدود الفرنسية وليس للبنى التقليدية للسياسة الفرنسية، حيث توفرت بيئة حاضنة للغضب في أوروبا، بالإضافة إلى إحساس الجمهور بهشاشة الأوضاع الاقتصادية.

ويؤكد شاكر أن الاتحاد الأوروبي فقد بريقه الدعائي، ويعيش مع أزماته وانتقل إلى مرحلة إدارة الأزمة بعد ما أرسل رسالته التي مفادها أن الخروج من الاتحاد ليس نزهة مثلما يحدث مع بريطانيا، كما أن ثبات الحكومات يبقى تحدياً بسبب التقلبات في المزاج الانتخابي، وسرعة تشكل الحراك الجماهيري.

المصدر: TRT عربي - وكالات