طوت الفتاة السعودية رهف محمد القنون، صفحة هربها من أهلها ومن المملكة، بإعلان كندا، الجمعة، منحها اللجوء. إلا أنّ القضية التي انتهت إجرائياً، شرّعت الأبواب على إشكالات مجتمعية غير فردية، على علاقة بطبيعة النظامَين السياسي والديني المهيمنين في البلاد.

رهف القنون لدى وصولها إلى مطار تورونتو في كندا
رهف القنون لدى وصولها إلى مطار تورونتو في كندا (Reuters)

ما المهم: تُعيد قضية الفتاة السعودية رهف القنون (18 عاماً)، طرح أسئلة قديمة في السعودية حول حقوق المرأة عامةً ونظام ولاية الرجل عليها خاصةً. ولعلّ ما يزيد من أهمية القضية أنّ أحداثها تقع بعد أكثر من عامين على إعلان ولي العهد محمد بن سلمان، رؤية 2030 الإصلاحية، والتي كانت مترافقة مع قرارات للملك سلمان تمنح المرأة مزيداً من الحقوق.

المشهد: مساء السبت وصلت الفتاة رهف محمد القنون إلى مطار تورونتو في كندا، والتي حصلت على حق اللجوء فيها، بعد أن استغلت وجودها في الكويت، حيث لا يُطلب إذن وليّ الأمر لمغادرة البلاد، وفرّت من أهلها، قبل نحو أسبوع، باتجاه بانكوك ثم منها نحو كندا. وهذا أمر كان يصعب فعله في السعودية إذ يُطلب منها تصريح بالسفر طبقاً لنظام ولاية الرجل على المرأة.

قبيل إقلاع الطائرة نحو كندا، غرّدت رهف عبر تويتر، شاكرة مَن دعمها "وأنقذ حياتها"، في إشارة إلى مخاوفها السابقة من إجبارها على العودة إلى السعودية. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش التي تواصلت معها، فإنّها "تفر من انتهاكات عائلتها بحقها، كالضرب والتهديد بالقتل من أقاربها الذكور الذين حبسوها في غرفتها 6 أشهر لأنها قصت شعرها".

وكانت السلطات السعودية، كما تقول الفتاة، حاولت منعها من مغادرة مطار بانكوك، وإجبارها على العودة إلى المملكة، الأمر الذي نفته سفارة الرياض في بانكوك، مؤكدة أن ذلك ليس من صلاحياتها.

وجدير بالذكر أنّه أثناء محادثة للقائم بأعمال السفارة السعودية في بانكوك عبد الإله الشعيبي، مع مسؤولين تايلانديين بشأن قضية رهف، توجّه إليهم بالقول إنّه كان حرياً بهم سحب جوالها بدلاً من جواز سفرها، وذلك بالنظر إلى الحملة الكبيرة التي نجحت الفتاة في إطلاقها عبر موقع تويتر.

الخلفيات والدوافع: منظمة هيومن رايتس ووتش التي تابعت قضية رهف، أوضحت في تقرير أنّه "بموجب نظام ولاية الرجل في السعودية، تحتاج المرأة البالغة إلى تصريح من وليّ أمرها للسفر إلى الخارج والزواج ومغادرة السجن، وقد تحتاج إلى موافقته أيضاً للعمل أو الحصول على رعاية صحية".

ويواجه نظام "ولاية الرجل" في السعودية سيلاً واسعاً من الانتقادات؛ فوفقاً لتقرير المنظمة نفسه، فإنّ القيود التي يفرضها على المرأة طيلة حياتها، تجعل منها أمام الدولة "قاصرة قانونياً".

الصحفية السعودية مريم عبدالله تشرح أنّ "نظام الولاية هو بمثابة تصريح بالحياة من ذكر لأنثى". وتشير الصحفية، في حديث لـTRT عربي، إلى أنّ قضية رهف ليست الأولى من نوعها في سياق "التمرّد على نظام الولاية"، مذكّرة بأنّه "على مدى سنوات طويلة، أُطلقت حملات، فردية وجماعية، في محاولات لإسقاطه".

ويُذكر أنّه مع تولي الملك سلمان الحكم في السعودية، بدا أنّ ثمة أملاً على صعيد منح المرأة السعودية حقوقها. وفي صيف 2016، جمعت ناشطات سعوديات 14.700 توقيع على عريضة وُجّهت إلى الديوان الملكي، تطالب بإسقاط نظام ولاية الرجل.

وبالفعل، شهد عهد الملك سلمان اتخاذ عدد من القرارات التي تعزز حقوق المرأة، لعلّ أبرزها تمكينها من الحصول على الخدمات الحكومية من دون اشتراط الحصول على موافقة ولي أمرها، كما تم السماح للنساء بقيادة السيارات. إلا أنّ الصحفية مريم عبدالله ترى أنّ "فكرة إعطاء الحقوق بصفة منح مَلَكية يبقى أمراً بشعاً"، معتبرة أنّه "لم يحصل أي إصلاح في عهد الملك سلمان باستثناء السماح للمرأة بقيادة السيارة"، وهذا لا يقود إلى إسقاط نظام ولاية الرجل.

فكرة إعطاء الحقوق بصفة منح ملكية يبقى أمراً بشعاً، وفي عهد الملك سلمان لم يحصل أي إصلاح باستثناء السماح للمرأة بقيادة السيارات

مريم عبدالله ـــ صحفية سعودية

ولعلّ الملفت، وفق الصحفية السعودية، أنّ شخصيات كثيرة شاركت سابقاً في حملات دعم حقوق المرأة "وطالبت بتحسين وضعها وإسقاط نظام الولاية، مثل عزيزة اليوسف وغيرها، هنّ الآن مسجونات".

بين السطور: تزامناً مع قرارات الملك سلمان، كانت رؤية 2030 التي رعاها وليّ العهد محمد بن سلمان، تشير إلى أنّ "المرأة السعودية تُعدُّ عنصراً مهمّاً من عناصر قوتنا، وسنستمر في تنمية مواهبها واستثمار طاقاتها وتمكينها". وقد رأت منظمات تابعة للأمم المتحدة في هذه الرؤية مناحي إيجابية، كما جاء في تقرير صادر عن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في مطلع2017.

لكن فيما يخص قضايا المرأة، فإنّ مقاربة محمد بن سلمان، تقوم على السعي "لفصل ما هو من الإسلام عن غيره"، وينظر إلى نظام "ولاية الرجل" من هذا الباب على اعتبار أنّه "فُرِض عام 1979"، بمعنى أنّه فُرض نتيجة ظروف، وفق ما صرح به ولي العهد في مقابلته مع وكالة بلومبرغ.

قد تبدو هذه المقاربة غير ذي جدوى من وجهة نظر الأستاذة في مركز الشرق الأوسط بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية مضاوي الرشيد؛ ففي كتابها "الدولة الأكثر ذكورية؛ المرأة بين السياسة والدين في السعودية"، تشير إلى أنّ "الوضع المعاصر للمرأة في السعودية، تمّ صوغه بواسطة الإرث التاريخي للوهابية، وتحولها إلى حركة قومية دينية تحت لواء الدولة السعودية".

ما التالي: في سياق الحديث لـTRT عربي، تشير الصحفية مريم عبد الله إلى أنّ "كل كلام محمد بن سلمان حول قضية الولاية، يُدرجه في خانة العوائق المجتمعية"، مضيفةً أنّ "المضحك أنهّ في يومنا، وبينما يتكلم الجميع عن تقدّم واقع المرأة في السعودية، فأنا أدعوهم إلى قراءة مقالات الرأي في الصحف السعودية وكيف يتحدثون عن رهف وغيرها وعن هرب الفتيات، فهم لا يريدون أن تُعمم مسائل فردية كهذه".

النظام السعودي يستفيد من نظام ولاية الرجل لإخضاع المجتمع، وعندما تتعرض ضحية للعنف فإنّ النظام يقف مع المعنِّف وليس معها

يحيى عسيري ـــ رئيس منظمة قسط لحقوق الإنسان

ولدى سؤال رئيس منظمة قسط لحقوق الإنسان يحيى عسيري، إنْ كان ممكناً سقوط نظام "ولاية الرجل" في المدى القريب، يقول لـTRT عربي "ربما، ولكن النظام السعودي يستفيد منه لإخضاع المجتمع". ويضيف أنّه عندما تتعرض ضحية للعنف "فإنّ النظام يقف مع المعنِّف وليس مع الضحية". ويلفت عسيري إلى أنّ الحُكم يبرر هذا النظام بأنّه على "علاقة بالدين وبالقبيلة، ولكنه نظام سعودي صرف، ولا علاقة له بأي منهما".

المصدر: TRT عربي