أظهر تفشي وباء كورونا في أوروبا الكثير من الحقائق حول هشاشة العلاقة بين الدول الأوروبية التي يربطها اتحاد لم يقدم الكثير للحد من انتشار الوباء حتى الآن، في الوقت الذي تستنجد فيه بعض دول الاتحاد بالصين لإنقاذها.

أزمة انتشار كورونا كشفت هشاشة العلاقة بين دول الاتحاد الأوروبي
أزمة انتشار كورونا كشفت هشاشة العلاقة بين دول الاتحاد الأوروبي (Reuters)

كشفت الأزمة التي يمر بها العالم بانتشار فيروس كوفيد-19 المعروف بـ"كورونا"، هشاشة العلاقة بين دول الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي قد ينبئ بتخوفات على مستقبل الاتحاد ووحدته، بعدما أماط الفيروس اللثام عن تفاصيل تلك العلاقة.

واعتبرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسورلا فون دير لاين بأن القادة الأوروبيين قللوا في البداية من حجم خطر فيروس كورونا، وسط تساؤلات عن تداعيات أزمة كورونا على مصير التضامن الأوروبي.

وتعتبر هذه التصريحات بمثابة إقرار بأن المسؤولين الأوروبيين تأخروا في أخد هذا الخطر على محمل الجد، وأن الآليات الأوروبية والاتفاقيات غير كافية أو أنها لم تتمكن من التحديات التي فرضتها أزمة تفشي الفيروس، فكل دولة اتخذت إجراءات خاصة بها دون التشاور مع الدول الأخرى، بما يمس باتفاقيات أوروبية مثل إعادة فرض حدود الشنغن، حسب وكالة فرانس24.

وعندما طالبت إيطاليا بمساعدات من الاتحاد الأوروبي للحصول على معدات طبية لمواجهة الأزمة، احتفظت كل دولة بمخزونها لنفسها، بالإضافة إلى القرارات التي اتخذت لمواجهة التداعيات الاقتصادية، اتخذت كل دولة أوروبية إجراءات خاصة بها، فيما اعتبره المصرف المركزي الأوروبي غير كافٍ.

أزمة إيطاليا والتشيك

وتشير الأزمة الأخيرة التي وقعت بين إيطاليا وجمهورية التشيك التي استحوذت على شحنة أقنعة طبية وأجهزة تنفس كانت موجهة من الصين إلى إيطاليا، إلى بدء انهيار الاتحاد الأوروبي، وتحوله من الوحدة إلى الأنانية والانقسام وربما أصبح في طريقه إلى الانهيار بسبب حالة الهلع والذعر التي دخل بها بعد تفشي وباء كورونا، الأمر الذي جرد البعض من إنسانيته، وأظهر همجية في التعامل مع الأزمة.

ففي الوقت الذي أرسلت فيه الصين أقنعة طبية لفرنسا وإيطاليا، معاعتراف فرنسا أن البلاد تعاني من نقص كبير في المستلزمات والأقنعة الطبية والمواد المطهرة بسبب سرعة انتشار المرض على أراضيها، سحبت جمهورية التشيك 680 ألف قناع وجهاز تنفس لإيطاليا، وبحسب تحقيق أجرته صحيفة "لا ريبوبليكا" الإيطالية، فإن التشيك اعترفت بالأمر، وقالت إنه حدث عن طريق الخطأ.

وقال موقع صحيفة "لو فيغارو" الفرنسية نقلاً عن الباحث التشيكي، لوكاس ليف سيرفينكا إن "الجمهورية التشيكية تباهت بأنها تمكنت من الاستيلاء على الأقنعة وأجهزة التنفس التي سرقتها من الشركات التشيكية من قبل المجرمين عديمي الضمير الذين أرادوا بيعها بأسعار متزايدة في السوق الدولية". كما أفادت وكالة رويترز في 18 مارس/آذار أن السلطات ضبطت ما يقرب من 700 ألف قناع لم يكن مصدرها واضحاً.

وأرسل الباحث بعد ذلك صوراً ومقاطع فيديو إلى العديد من المنظمات غير الحكومية الأوروبية لإظهار الحقيقة، وأضاف "على متن شاحنات شرطة الجمارك، هناك صناديق مختومة بالأعلام الإيطالية والصينية، مع كتابات باللغة الإيطالية ولا شك أن المساعدات الإنسانية الصينية لإيطاليا".

ونفت وزارة الصحة التشيكية في البداية المعلومات، لكن انتهى الأمر باعتراف الحكومة التشيكية بالحقيقة، مدعية أن هذه المواد جاءت من شحنة الصليب الأحمر من مقاطعة تشجيانغ الصينية المتجهة إلى إيطاليا، دون تحديد كيف انتهى بها الأمر على الأراضي التشيكية.

عراقيل الاتحاد الأوروبي

من جانبه، دعا الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، الاتحاد الأوروبي للتعاون مع بلاده التي تعاني أوضاعاً صعبة بسبب فيروس كورونا، بدلاً من وضع العراقيل أمامها.

وقال ماتاريلا في بيان، إنه "من الممكن أن تصبح التجربة الإيطالية في مكافحة فيروس كورونا مفيدة لباقي دول الاتحاد الأوروبي". وأضاف: "ولذلك، ننتظر منها على الأقل ألا تعيق مساعي التضامن معنا في مواجهة الفيروس، ضمن إطار المصلحة المشتركة".

وحسب قناة "راي نيوز 24" الإيطالية، إن الرئيس الإيطالي أصدر بيانه عقب تصريحات رئيسة البنك المركزي الأوروبي "كريستين لاغاردي"، حين قالت إن تخفيض فوائد التحويلات الحكومية الإيطالية ليس من مهام البنك المركزي الأوروبي.

من جانب آخر، أعلنت إيطاليا مؤخراً حاجتها لدعم مالي قدره 25 مليار يورو لمواجهة الفيروس، فضلاً عن مطالبتها الاتحاد الأوروبي بتقديم تسهيلات لها في الميزانية.

وكان الاتحاد الأوروبي قد قرر فرض حظر على دخول المسافرين من خارج دول الاتحاد لمدة 30 يوماً، في خطوة غير مسبوقة تهدف إلى الحد من انتشار وباء كورونا.

كورونا.. اختبار للوحدة الأوروبية

وقال الكاتب ستيفن إرلانجر في مقال له بصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إن "الفيروس يختبر التماسك والتحالفات الأوروبية ويعد اختباراً قاسياً للديمقراطية في أوروبا، ومع الانتشار السريع له، تتعثر بروكسل وتبتعد الدول، والولايات المتحدة تقيم حواجز ضد الحلفاء.

وأضاف "بينما توسلت إيطاليا للحصول على المساعدة، بدا أن الاتحاد الأوروبي يتأخر ويتعثر، حيث تجاهلت الدول الأعضاء دعوات التضامن، واختارت الولايات المتحدة محاولة عزل نفسها عن أوروبا بالكامل، باتخاذها قرار حظر السفر بدلاً من القيام بدور تعاوني".

وتابع الكاتب "بدلاً من ذلك، ترك الأمر للصينيين الذين أرسلوا على الفور خبراء طبيين في إيطاليا ووعدوا بتقديم 2 مليون قناع وجه، و 20000 بدلة واقية و 1000 جهاز تنفس".

من جانبه، قال بول آدمسون، مؤسس مجلة "Encompass"، إن ما يجري اختبار رئيسي للاتحاد الأوروبي، حيث يتراكم الفيروس على رأس الأزمات القائمة بشأن الهجرة وسيادة القانون. وأضاف "القيم الأوروبية والتضامن والالتصاق تبدو مثل العبارات المجوفة، ولم نصل إلى ارتفاع حاد في الفيروس حتى الآن".

من الواضح للغاية قلة التعاون بين الدول الأعضاء ومدى بطء الحكومات في دعم الاقتصاد، والاتحاد الأوروبي اختار الانتظار والترقب

روزا بلفور - من صندوق مارشال الألماني في بروكسل

واعتبر المحلل الفرنسي فرانسوا هايسبورج، أن ما يجري يتطلب إجراءات أسرع من جانب الدول لحبس الناس، لأنه كلما طال التأخير، زادت العواقب سوءاً، فالوباء يحمل نفس منطق الحرب، وفي الحرب فإن النتائج هي المهمة. حسب نيويورك تايمز.

المصدر: TRT عربي - وكالات