أعلن وزير الدفاع الأميركي، عزم بلاده على إقامة نقاط مراقبة في عدة مناطق على طول الحدود الشمالية لسوريا، وذلك بعدما صرّحت تركيا بعدم التزام واشنطن وعودها هناك، على ضوء هذه السياسة الأميركية المضطربة في الشمال السوري، فكيف سيكون التعامل التركي؟

دورية تركية أميركية مشتركة على حدود منبج السورية
دورية تركية أميركية مشتركة على حدود منبج السورية (AFP)

أعلن وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، اعتزام بلاده إقامة نقاط مراقبة في عدة مناطق على طول الحدود الشمالية لسوريا.

وأضاف في تصريحات صحفية أدلى بها في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، أمس الأربعاء "نحن نشيّد أبراج مراقبة في مناطق عدة على طول الحدود الشمالية لسوريا".

وقال ماتيس إن "تركيا شريك في حلف شمال الأطلسي (...) هم لديهم مخاوف مشروعة حيال التهديد الإرهابي النابع من سوريا التي يحكمها نظام بشار الأسد".

وتابع "الآن هذا تغيير، سنشكِّل نقاط مراقبة على طول الحدود الشمالية لسوريا، لأننا نريد على الأقلّ أن نحذّر الأتراك عندما نرى شيئاً ناتجاً عن مجال نشاطنا، نحن في تعاون وثيق مع تركيا بهذا الخصوص، ونشاورها بشكل وثيق في هذا الأمر".

هناك اجتماعات جمعت ممثلين عن الولايات المتحدة بتنظيم PKK الإرهابي وامتداداته في سوريا

عبد الله آغار - خبير أمني تركي

كيف تنظر تركيا إلى الخطوات الأميركية؟

يقول الخبير الأمني التركي عبد الله آغار لـTRT عربي، إن الولايات المتحدة تدّعي أنها تشكّل هذه النقاط لإعطاء تركيا تحذيرات ومعلومات استخباراتية، وأضاف آغار "هل تركيا بحاجة إلى تلك المعلومات الاستخباراتية الأميركية، وهي الدولة التي تسيطر على هذه الحدود؟ تركيا لا حاجة بها إلى هذه الادّعاءات التي تمثّل عدم تقدير لها".

وقال آغار إن "اجتماعات ضمّت ممثلين عن الولايات المتحدة وتنظيم PKK الإرهابي وامتداداته في سوريا، وأكد التنظيم للأميركيين أنهم سيحاربون تركيا في حال تدخُّلها، مع تكرار طلبات الحماية من الولايات المتحدة".

وأشار آغار إلى أنه لا يرى أي فائدة من تلك النقاط الأميركية، متسائلاً "هل ستحمي هذه النقاط تركيا أم تنظيم PKK؟".

وقال "إذا كانت واشنطن تعرف بالتهديدات التي تحيط بتركيا، فلماذا تظلّ على تعاونها مع PKK الذي تصنّفه إرهابياً؟"، لافتاً إلى تجربة عملية درع الفرات، حينما كانت القوات الأميركية تتدخل لحماية امتدادات تنظيم PKK، وهو ما يحدث في منبج حالياً.

الدعم السعودي إلى لمليشيات YPG معروف لدى تركيا وتكرر كثيراً في الفترات الماضية

عبد الله آغار - خبير أمني تركي

من جانب آخر يرى الباحث في السياسة الخارجية التركية بمركز "سيتا" للدراسات بلال سلايمة، أن التصريح الذي أدلى به وزير الدفاع الأميركي، على الرغم من أنه جاء في سياق تحسُّن العلاقات الثنائية بين أنقرة وواشنطن، فإنه لا يعدو أن يكون تصريحاً دبلوماسياً لا يعكس الحقائق على الأرض ولا النية الحقيقية للطرَف الأميركي.

وأضاف "من الواضح أن الجانب الأميركي، من خلال سعيه لتأسيس نقاط مراقبة على طول الحدود التركية، يعمل على حماية مليشيات YPG التي تمثل الامتداد السوري لـPKK، المصنف إرهابياً في تركيا والولايات المتحدة على حدّ سواء".

وأشار سلايمة إلى تصاعد مطالبات في الفترة الأخيرة من سكان منطقة شرق الفرات، تحديداً سكان منطقة تل أبيض، بتدخُّل تركي "شبيه بما حصل في عمليتَي درع الفرات وغصن الزيتون، يعيد المناطق لسكانها الذين هُجّر معظمهم إلى الطرف التركي من الحدود".

تصريحات الولايات المتحدة دبلوماسية لا تعكس الحقائق على الأرض ولا النية الحقيقية للطرف الأميركي

بلال سلايمة - الباحث في السياسة الخارجية التركية بمركز سيتا للدراسات

وعلى الرغم من التحسن الظاهري للعلاقات التركية-الأميركية، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتهم الولايات المتحدة الأميركية بعدم الوفاء بوعودها المتعلقة بسحب مليشيات YPG من مدينة منبج، إلى شمال شرقي سوريا.

وقال أردوغان، في نهاية شهر سبتمبر/أيلول الماضي، إن "الولايات المتحدة لم تُوفِ بوعودها ولم تنفّذ خارطة الطريق المتفَق عليها حول منبج، والقوات الإرهابية لم تغادر منبج". ووجّه أردوغان الاتهام إلى الولايات المتحدة بأنها تعزز وجودها العسكري في شمال سوريا "بالتعاون مع منظمة إرهابية".

من جانب آخر أكّد المتحدث باسم البنتاغون شون روبرتسون، لوكالة الأناضول، استكمال الاستعدادات لتسيير دوريات أميركية-تركية مشتركة في محيط مدينة منبج شمالي سوريا.

ونقلت الوكالة عن المسؤول العسكري الأميركي قوله إن عمليات الإعداد والتدريب استُكملت لتسيير دوريات مشتركة خارج منبج، مؤكداً أن قوات البلدين تنتشر في المواقع المحدَّدة لها لبدء الدوريات.

وامتنع روبرتسون حينها عن كشف موعد بدء الدوريات، مشيراً إلى أن التدريبات تضمنت تعزيز التنسيق بين القوات الأميركية والتركية في الدوريات المقبلة، وبحث المسائل الأمنية في العمليات التكتيكية المشتركة.

تعمل الولايات المتحدة على استغلال الوضع في الشمال السوري لاستمرار بقائها في المنطقة، وذلك عبر تأسيس العديد من القواعد العسكرية ونشر أكثر من 2000 جندي أميركي وفق الأرقام المعلنة رسمياً

بلال سلايمة - الباحث في السياسة الخارجية التركية بمركز سيتا للدراسات

لكن مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الجاري شهد بدء الجيشين التركي والأميركي، تسيير أول دورية مشتركة لهما في مدينة منبج بريف حلب الشرقي.

وقال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار حينها، إن "الدورية التي خطّطنا لها مع الولايات المتحدة في منبج، واستكملنا تدريباتها وقلنا إنها ستبدأ، انطلقت بين عناصر الجيشين التركي والأميركي".

وتدّعي الولايات المتحدة أن الهدف من تحركاتها الأخيرة "ضمان تركيز القتال ضدّ الأشخاص الذين نقاتلهم (في القطاع الأوسط من وداي نهر الفرات)، وضمان القدرة على سحق ما تَبقّى جغرافياً من (أرض) الخلافة"، أي بقايا تنظيم داعش المصنف إرهابياً.

دور سعودي في الشمال السوري؟

صحيفة "يني شفق" التركية كشفت، الأربعاء، عن تحركات عسكرية سعودية-إماراتية، في منطقة شرق الفرات قرب الحدود التركية، وأشارت الصحيفة إلى أنباء عن إرسال كلٍّ من السعودية والإمارات، قوات عسكرية نحو مناطق سيطرة مليشيات YPG شمال شرقيّ سوريا.

وأضافت الصحيفة أن تلك القوات انتشرت في مناطق تحت غطاء القوات الأميركية الموجودة هناك.

ويرى الخبير الأمني عبد الله آغار أن في الشمال السوري دوراً سعودياً واضحاً ضد الأمن التركي، ويشير إلى أنه قد يكون تزايَد مع تطورات قضية خاشقجي، ودعم ترمب لابن سلمان بهذه الصورة قد يشير إلى أن الدور السعودي في الشمال السوري سيستمر.

ويلفت آغار إلى أن الدعم السعودي لمليشيات YPG معروف لدى تركيا، وتكرر كثيراً في الفترات الماضية، قائلاً "من ناحية أخرى نعرف أن كثيراً من وزراء ومسؤولي الدولة السعودية أتوا إلى شمال سوريا في المناطق التي تسيطر عليها YPG، وأجْرَوا مناقشات لدعم امتدادات PKK".

ويضيف آغار "لقد لعبوا دوراً في تكوين قاعدة شعبية من العرب السنة هناك في مناطق سيطرة PKK المصنف إرهابياً، وقد اختاروا تصدير اسم «قوات سوريا الديمقراطية» لهذا السبب، فقد استخدمت الرياض نفوذها الاقتصادي في هذه المناطق لدعم تنظيم PKK".

إذا اضطرت تركيا للقيام بعملية عسكرية لإزالة التهديد في شرق الفرات، سيكون ذلك

عبد الله آغار - خبير أمني تركي

خطوات تركية متوقَّعة

يرى عبد الله آغار أن تركيا تتعامل مع الوضع شرق الفرات حسب التحركات الأميركية، وإذا اضطُرّت إلى تنفيذ عملية عسكرية لإزالة التهديد، فستفعل، والآن تحشد تركيا قواتها بالفعل منذ فترة على الحدود السورية، وقد تكون هذه العملية هي الحل لهذا الوضع المضطرب الذي تسببت فيه الولايات المتحدة.

واستكمل آغار "إذا كانت الولايات المتحدة تريد حليفاً قوياً لمحاربة الإرهاب، فلديها تركيا، لكنها على العكس من ذلك تتحالف مع تنظيمات إرهابية أُسست للإضرار بتركيا".

وفي هذا الصدد يضيف الباحث بلال سلايمة "تركيا تحاول إدارة علاقتها مع الولايات المتحدة على الرغم من وجود عديد من الملفات الشائكة المرتبطة بالأمن القومي التركي، على رأسها ملفَّا تنظيم غولن الإرهابي ودعم الولايات المتحدة لـYPG في شمال سوريا".

من جهة أخرى، قال سلايمة إن "الولايات المتحدة تعمل على استغلال الوضع في الشمال السوري لاستمرار بقائها في المنطقة، عبر تأسيس عديد من القواعد العسكرية ونشر أكثر من 2000 جندي أميركي، وفق الأرقام المعلنة رسمياً".

وكانت وزراة الدفاع الأميركية قد كشفت، في شهر ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، عن وجود 2000 جندي أميركي في سوريا.

وأشار سلايمة إلى أن هذه السياسة الأميركية محفوفة بالمخاطر، وغير قابلة للاستمرارية، خصوصاً مع تصاعد التوتر في عدة مناطق من الشمال السوري.

المصدر: TRT عربي