يسود الغموض المشهد السياسي في ظل غليان الشارع اللبناني قبل أقل من 48 ساعة من المشاورات النيابية الملزمة لتسمية رئيس وزراء جديد، في ظل خلافات بين القوى السياسية وفوضى ميدانية يبتدعها أنصار حزب الله وحركة أمل لتلبية طموحاتهم السياسية.

لبنان.. مشهد سياسي غامض وسط اعتداءات
لبنان.. مشهد سياسي غامض وسط اعتداءات "حركة أمل" و"حزب الله" (AFP)

ليلة عنيفة شهدها لبنان مع اقتراب موعد انعقاد الاستشارات النيابية المُلزمة لتكليف رئيس الحكومة الجديدة المقررة يوم الاثنين، تزيد المشهد تعقيداً، وسط هجمات لمناصري حزب الله وحركة أمل على المحتجين واندلاع مواجهات مع القوى الأمنية.

ميدانياً، تجددت المواجهات بين قوات مكافحة الشغب وشرطة مجلس النواب وبين مجموعات من الحراك الشعبي التي اعتصمت قرب البرلمان وسط بيروت في ساعة متأخرة من الليل، تطالب بتشكيل حكومة إنقاذ وطني من اختصاصيين بعيداً عن القوى الحزبية، ما أدى إلى تفريق المتظاهرين.

هذه الاحتجاجات أسفرت عن إصابة العشرات من المحتجين وعناصر الأمن، نقل معظمهم إلى المشافي لتلقي العلاج، كما شهدت مناطق مختلفة من لبنان قطع طرقات بالإطارات المشتعلة وحاويات النفايات، حسب وكالة الأنباء اللبنانية، فيما نقل الصليب الأحمر 10 إصابات إلى المشافي وأسعف 33 ميدانياً، جراء القمع المفرط للمتظاهرين.

وحاولت مجموعة من العناصر المؤيدة لكل من "حركة أمل" و "حزب الله" اقتحام ساحة الشهداء قبل أن تتصدى لها القوى الأمنية، وحصلت اشتباكات حادة بين العناصر الحزبية والقوات الأمنية التي أطلقت القنابل المسيلة للدموع بكثافة لتفريقهم، فيما قامت العناصر بإلقاء الحجارة والمفرقعات النارية، ما أدى إلى إصابة عدد من عناصر الأمن بجروح طفيفة، حسب ما أفاد به مراسل TRT عربي في بيروت أحمد شلحة.

مسؤولون حزبيون بالإضافة إلى استخبارات الجيش اللبناني عملوا على تهدئة الأجواء، في الوقت الذي انطلقت دعوات عبر مكبرات الصوت في المساجد تدعو عناصر حزب الله وحركة أمل للتراجع، وهذا ما حصل، حسب مراسل TRT عربي، لكن تبقى مخاوف خرق الهدوء الحذر الأحد، وهو اليوم الذي تحشد مجموعات الحراك المدني وتدعو للتظاهر في الساحات والميادين، وبالتالي تبقى مخاوف من تجدد المواجهات أو هجوم المجموعات الحزبية.

الاضطرابات.. تخطيط مسبق

وكتبت صحيفة النهار اللبنانية تحت عنوان "تصعيد وعنف وغزوات عشية اثنين التكليف" منتقدة تصرفات أنصار حزب الله وحركة أمل قائلة: "غزوة عنفية أثارت ما يتجاوز الاستفزازات والاستنكارات إلى تساؤلات عميقة تتصل بالقوى التي تلوذ بها جماعات ترفع لواء الثنائي (حزب الله وحركة أمل) وتهاجم ساحات وسط بيروت جهاراً نهاراً بلا أي رادع أو وازع، ثم يأتي قادة الثنائي لنفي مسؤوليتهما عن هذه الهجمات والممارسات المليشيوية المتسلطة ولإدراجها ضمن إطار التعبير الحر".

وعزت الصحيفة قصد هذه الهجمات إلى "افتعال اضطرابات جرى التخطيط لها مسبقاً، بدليل زخات المفرقعات والحجارة والإطارات المحترقة التي أطلقتها الجماعات واستهدفت القوى الأمنية والمتظاهرين المنضوين ضمن الانتفاضة الشعبية".

وتقول الصحيفة إن "أوساطاً معنية تعتقد وجود قرار ثابت لدى حزب الله وحركة أمل بإفساد تحركات الانتفاضة من خلال أنصارهما، والاختباء وراء طابع التنكر للعمل المنظم لهؤلاء الأنصار والزعم بأنه تصرف عفوي".

لا يمكن عزل هذه التطورات عن المناخ السياسي الذي يقترب من مرحلة تأزم جديدة، إذا لم تحمل الساعات المقبلة عوامل إيجابية تضمن الذهاب غداً نحو تكليف رئيس للحكومة الجديدة، سواءً كان الرئيس سعد الحريري كما يفترض أن يحصل أو سواه.

صحيفة النهار اللبنانية

هذه الاضطرابات التي يتسبب فيها عناصر حزب الله وحركة أمل تأتي في ظل دعوة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله لتشكيل حكومة شراكة، قائلاً إن "الوضع الحالي في لبنان يتطلب تشكيل حكومة شراكة وطنية بأوسع تمثيل ممكن"، مشيراً إلى تصميم الحزب على مشاركة التيار الوطني الحر في الحكومة وتيار المستقبل، من دون اعتراض على مشاركة ممثلين للحراك الشعبي فيها.

رسالة سياسية

يعتقد الكاتب السياسي أسعد بشارة أن "ما حصل وسط بيروت من ممارسات لأنصار حزب الله وحركة أمل هو رسالة أرسلت عبر مجموعات البلطجية الذين يأتون لتأدية مهمة معينة، تسبق المشاورات لتسمية رئيس الحكومة المكلف الذي من الممكن أن يكون سعد الحريري".

وفي حديثة حول مدى تأثير الممارسات التي يقوم بها حزب الله على الاستشارات النيابية، قال بشارة لـTRT عربي، إن "محاولة فرض شروط مسبقة في لعب ورقة الفوضى في الشارع هي قديمة ولم تعد تنفع، لأن مشكلة حزب الله ورغبته في تطويع سعد الحريري لتشكيل حكومة بشروطه لم تعد مشكلة ثنائية بين القوى السياسية، لوجود لاعب كبير أنتجته الأزمة اسمه الانتفاضة، لا تعنيها كل المناوشات، وبالتالي تأثير الأزمة سيبقى مستمراً".

ويتصرف حزب الله وفق مرحلتين، حسب بشارة، "مرحلة التكليف التي يصر فيها على سعد الحريري، والثانية، مرحلة تشكيل الحكومة، فحزب الله يريد استنساخ الحكومة السابقة وإن كان بطريقة مموهة، أما سعد الحريري فيريد أن ينأى بتأثير الحزب وحركة أمل والعونيين، ويسعى لتشكيل حكومة تكنوقراط يمكن أن تلقى ثقة لدى المجتمع الدولي الذي من المفترض إذا ما حصل هذا الأمر أن يبدأ بإرسال مساعدات عاجلة إلى لبنان".

يوم المشاورات النيابية سيكون مفصلياً في تاريخ لبنان، والحراك سيستمر لأنه ناتج من أزمة اقتصادية ومالية لم يشهدها لبنان في تاريخه، وهي في تطور خطير، ولن يتمكن الجيش ولا القوى الأمنية من ضبطها لأنها دخلت كل بيت.

الكاتب السياسي أسعد بشارة لـTRT عربي

ويشير بشارة إلى أن يوم الاثنين "هو محطة فاصلة في تاريخ لبنان"، مؤكداً أن الانتفاضة الشعبية تتحرك بمعزل عن أي حسابات سياسية آنية أو مصلحية، "بل وجدت لمحاولة إنتاج حكومة خارجة كلياً عن القوى السياسية، لأن الشارع اللبناني يرفض كل رموز المرحلة السابقة، وإذا ما اختير سعد الحريري مجدداً فسيستمر الحراك".

قوة الشارع وضعف السلطة

يعلق الكاتب السياسي أمين قمورية لـTRT عربي على ممارسات حزب الله وحركة أمل في ظل دعوة حسن نصر الله، قائلاً إن "هذه المجموعة السياسة الموجودة في لبنان هي مجموعة فاشلة وعندما تعجز عن إيجاد الحلول للأزمات المستعصية في البلد وتريد أن ترمي الكرة على المحتجين، فهي تتصرف ضد الشارع أو باستخدام قوى الأمن الذين يأتمرون كمجموعات من زعماء سياسيين عدة". ويضيف: "تمارس السلطة السياسة لعبة مفادها أنها قادرة على إنهاء الحراك في الشارع".

ويرى قمورية أن "كل الخيارات المتاحة أمام السلطة هي أن تعيد إنتاج نفسها من جديد لذلك هي في واد والشارع في واد آخر، وهناك أزمة ثقة بينهما، وأي اسم مطروح من قبل السلطة سيكون مرفوضاً من الشارع، لذلك يجب أن تأتي حكومة إنقاذ وطنية وهو ما يطرحه الشارع منذ الأول، وليس حكومة تكنوقراط أو تكنوسياسة لأن كل ذلك يحقق مطالب السلطة".

ويؤكد الكاتب السياسي أن "لبنان يملك شخصيات قادرة على إيجاد حل للأزمات المستعصية، في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة"، مشيراً إلى أن "الحركة الاحتجاجية مطلبية وليست سياسة، وهي في طور التشكل"، ويستدرك: "في كل يوم تقدم السلطة السياسية شيئاً جديداً بارتكابها أخطاء فادحة من شأنها أن تدفع الناس لتكثيف الحراك ورفع سقف مطالبهم".

وينوه قمورية بأن "الحل الوحيد هو أن تدرك السلطة أنه لا مجال للاستمرار بالأمور كما هي، لأنه في النهاية لا أحد يطالب بالإقصاء لأن جزءاً منهم لا يزال مقبولاً لدى الشارع الذي سيتحوّل من حركة رفض إلى حركة فرض".

المصدر: TRT عربي - وكالات