وقّع كلّ من ألمانيا وفرنسا معاهدة جديدة مكمّلة لمعاهدة الإيليزيه، تهدف إلى التقارب بين البلدين في مجالي الدفاع العسكري والتطوّر الاقتصادي، وذلك وسط جوّ أوروبي داخلي مضطرب، وفي ظل تصاعد أصوات اليمين المتطرف، والخوف من سياسات ترمب.

أنغيلا ميركل وإيمانويل ماكرون خلال توقيع المعاهدة في مدينة آخن الألمانية، 22 يناير/ كانون الثاني 2019
أنغيلا ميركل وإيمانويل ماكرون خلال توقيع المعاهدة في مدينة آخن الألمانية، 22 يناير/ كانون الثاني 2019 (Reuters)

ما المهم: قالت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل الثلاثاء، إنّ بلادها تعتزم الدفع مع فرنسا باتجاه تشكيل "جيش أوروبي" في المستقبل. الإعلان الذي تلا تجديد معاهدة ثنائية بين البلدين، و يقابله معارضة شديدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وعدد من القوى اليمينية في ألمانيا وفرنسا، ويأتي في وقت تعيش فيه ألمانيا أضعف حالاتها في ظل صعود اليمين، وتواجه فيه فرنسا اضطراباتٍ واحتجاجاتٍ مستمرّة.

المشهد: وقّع كل من المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، معاهدة تعاون بين بلديهما في مدينة آخن الألمانية (إيكس-لا-شابيل)، هدفه حسب تعبير ميركل "دعم التقارب بين البلدين في مجال الدفاع، والمساهمة في إنشاء جيش أوروبي، والتنسيق في السياسات الخارجية".

وأكّدت ميركل خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الفرنسي، أنّ المعاهدة تسعى لتطوير صناعة أسلحة مشتركة وثقافة عسكريّة موحّدة، استكمالاً لـ"معاهدة الإليزيه" التي وُقّعت بين البلدين في ستينيّات القرن الماضي، وأضافت "نريد تعزيز التعاون الدفاعي مع فرنسا وتصدير الأسلحة معاً".

من جهته، قال الرئيس الفرنسي "في الوقت الذي تجتاح فيه الحركات القومية أوروبا، وفي الوقت الذي نعيش فيه "بريكست" صعباً، يجب على فرنسا وألمانيا أن تؤكدّا وجهتيهما واتّحادهما". وأضاف في تغريدة بعد ساعات من التوقيع "واجبنا إلى جانب ألمانيا هو جعل أوروبا بمثابة درع يحمي شعوبنا من تغيّرات العالم".

وتنص المعاهدة الجديدة، التي تأتي في الذكرى الـ56 لتوقيع معاهدة الإليزيه في باريس، على التضامن بين فرنسا وألمانيا في حال تعرّضت إحداهما إلى عدوان، استكمالاً لبند الدفاع المشترك في نظام حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بالإضافة إلى دعم فرنسا لألمانيا للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن.

المعاهدة التي جاءت في 28 بنداً، تُلزم الجارتين بتعزيز التعاون فيما يخصّ سياسات الاتحاد الأوروبي، وإنشاء لجنة برلمانية مشتركة، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وتطوير مجالات الأعمال والثقافة والتربية، وتطوير الذكاء الاصطناعي. غير أن المعاهدة لن تصبح سارية المفعول إلّا بعد موافقة برلماني البلدين.

الخلفيات والدوافع: تأتي المعاهدة الجديدة لتستكمل المعاهدة القديمة التي وُقّعت عام 1963 تحت مسمّى "معاهدة الإليزيه"، بين الرئيس الفرنسي آنذاك شارل دوغول، والمستشار الألماني كونارد أديناور، والتي رمّمت العلاقات بين البلدين بعد الحرب العالمية الثانية.

وكان ماكرون دعا في نوفمبر/تشرين الثاني إلى إنشاء "جيش أوروبي حقيقي" للدفاع عن أوروبا، وقال إنّ "على أوروبا أن تحدّ من اعتمادها على القوة الأمريكية، بعد قرار ترمب الانسحاب من اتفاق الحدّ من الأسلحة النووية".

وأضاف في تصريحه وقتها "علينا أن نحمي أنفسنا من الصين وروسيا، وحتى الولايات المتحدة الأمريكية"، وتابع "حين أرى الرئيس ترمب يعلن انسحابه من اتفاقية كبرى لنزع السلاح أُبرمت بعد أزمة الصواريخ في أوروبا بالثمانينيات، من يكون الضحية الرئيسية؟ أوروبا وأمنها".

من جهته، ندد الرئيس الأمريكي بتلك التصريحات واصف إياه بأنه اقتراح "مهين جداً"، وقال في تغريدة إن "على أوروبا أن تدفع حصّتها فيما يخصّ الحماية العسكرية، لقد استفاد منا الاتحاد الأوروبي لسنوات تجارياً، لكنّهم لا ينفذون التزاماتهم العسكرية في الناتو، على الأمور أن تتغيّر بسرعة".

وتأتي المعاهدة الجديدة، في وقت يعيش فيه الناتو أسوأ حالاته بسبب التباعد الأمريكي، والاستعداد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. كما أنه يتزامن والتهديدات الداخلية التي تواجه أوروبا، خصوصاً النزعات القومية المشكّكة في وحدة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

أنغيلا ميركل وإيمانويل ماكرون بعد توقيع المعاهدة في مدينة آخن الألمانية، 22 يناير/ كانون الثاني 2019
أنغيلا ميركل وإيمانويل ماكرون بعد توقيع المعاهدة في مدينة آخن الألمانية، 22 يناير/ كانون الثاني 2019 (Reuters)

في ذات الصدد، قال حزب "الجبهة الوطنية" الفرنسيّ اليمينيّ إن المصالح الفرنسية تتعرض للخيانة؛ إذ إن باريس ترغب مستقبلاً في أن تشارك مقعدها الدائم في مجلس الأمن الدولي مع ألمانيا. في حين يرفض حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المعاهدة بدعوى أنها ستكون بمثابة "إعادة تأهيل" لفرنسا بأموال ألمانية.

وفي مواجهة المخاوف من سياسات ترمب، ومن حكومات في الاتحاد الأوروبي كإيطاليا وبولندا والمجر، تحرص فرنسا وألمانيا على أن لا تحصل الأحزاب المشكّكة في الوحدة الأوروبية على مقاعد كثيرة في انتخابات البرلمان الأوروبي المرتقبة في مايو/أيار 2019.

بين السطور: قالت صحيفة "لوموند" الفرنسيّة إن المعاهدة وقّعها زعيمان "هشّان"، وأضافت "ميركل تستعد لمغادرة منصبها في خريف عام 2021، فيما يواجه ماكرون أزمة "السترات الصفراء"".

كما أنّ صحفاً أوروبية اعتبرت أن المعاهدة لا تقدّم الكثير، إذ وصفت صحيفة "هاندلسبلات" الألمانيّة نصّ المعاهدة على أنّه "خجول وضعيف"، فيما اعتبرت مجلّة "دير شبيغل" الألمانيّة أنّ "التوجس" القائم بين ماكرون وميركل يُضعف المعاهدة، وأضافت أن المعاهدة الجديدة "يمكن أن تشكّل آخر فرصة لإنقاذ علاقتهما الصعبة".

من جهته، قال الصحفي المختص في الشؤون الأوروبية علاء الدين بونجار لـ TRT عربي إن “المعاهدة جميلة من حيث الصورة، لكن من حيث مضمونها لا تبعث كثيراً على التفاؤل، وتظلّ شكلية وبعض أفكارها قديمة. ففكرة إنشاء جيش أوروبي تعود إلى زمن تأسيس الاتحاد نفسه، كما أن التقارب بين ميركل وماكرون ليس حقيقياً، فهما يختلفان في كثير من الأمور“.

وأضاف أنّ المعاهدة لم تكن سوى مساع “لإرضاء رغبات ماكرون الطموح أكثر من كونها تقارباً حقيقياً وتعاوناً وثيقاً بين البلدين. فماكرون منذ أتى كان يرغب في إعادة تشكيل أوروبا ويحلم بقيادتها، لكنه اليوم أضعف من أي وقت مضى، وميركل التي قدمها على أساس أنها شريكته تعيش أيامها الأخيرة سياسياً“.

وعن تضارب إمكانية تشكيل جيش أوروبي مع حلف الناتو، قال بونجار إن “أوروبا لن تتخلى عن تواجدها في الناتو، وخوفها من ترمب لا يتعدّى فترة إدارته، ولا يمكن أن تنأى بنفسها بعيداً عن الولايات المتحدة، القادة يذهبون لكن الناتو مستمر“.

وقال إن “التهديد المُلحّ أوروبياً اليوم، ليس خارجياً، بل هو تهديد داخلي من قبل قوى اليمين وتصاعد السياسيين الشعبويين، وهذا لا يحتاج إلى جيش، بقدر ما يحتاج إلى سياسات اقتصادية تعيد استمالة الناخب الأوروبي“.

المصدر: TRT عربي - وكالات