استفزت الأنباء عن حشود عسكرية روسية على الحدود مع أوكرانيا الحكومة في كييف، ودقّت جرس الإنذار في عواصم الغرب (TRT Arabi)

تعيش أوكرانيا أخطر الأوقات منذ العام 2014 عندما اندلعت الحرب في شبه جزيرة القرم ومناطق إقليم دونباس شرقي البلاد.

فبعد سبع سنوات على هذه الأحداث التي أدت إلى ضم روسيا القرم واحتلال قوات انفصالية مدعومة منها مناطق في دونباس شرقي البلاد، تعود الأزمة إلى الواجهة.

فقد استفزت الأنباء عن حشود عسكرية روسية على الحدود مع أوكرانيا الحكومة في كييف، ودقّت جرس الإنذار في عواصم الغرب المعنية بمواجهة النفوذ الروسي شرقي أوروبا.

المشهد هذه المرة مختلف بعض الشيء عن العام 2014.

في تلك الأيام، كان الشارع الأوكراني مسكوناً بموجة احتجاجات ضد فيكتور يانوكوفيتش الرئيس الموالي للكرملين.

كان ميدان كييف وقتها يشبه في بعض نواحيه ميادين العالم العربي التي هبت منتفضة ضد نظم حكم تقادمت.

مراسل TRT عربي وائل الحجار على معبر مارينكا (TRT Arabi)

سقط يانوكوفيتش، ويقود اليوم أوكرانيا فلاديمير زيلينسكي، رئيس شاب موال للغرب ومتحمس جداً لانضمام سريع لأوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي. لكن المشهد في الشارع الأوكراني لم يعد نفسه.

فقد الناس الحماس في ظل انتشار جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية، والنزاع المستمر منذ سبع سنوات يضيف مزيداً من الأعباء.

الدونباس المقسم

تقع مناطق دونباس شرقي أوكرانيا، وتشكل نطاقاً ثقافياً واقتصادياً عرف بصناعاته الثقيلة وباستخراج الفحم من المناجم. لكنها اليوم تعاني بشكل حاد من تراجع كبير في النشاط الاقتصادي ومن التلوث، فضلاً عن جائحة كورونا.

عام 2014 تمرد مسلحون موالون لروسيا في المنطقة على سلطة كييف، وأعلنوا قيام جمهوريتين في دونييتسك ولوغانسك، لم تحظيا بأي اعتراف دولي.

في هذه المناطق تختلط الانتماءات بين الروسية والأوكرانية.

منذ اليوم الأول لوصولنا إلى الجزء الخاضع لسلطة الحكومة الأوكرانية، كانت اللغة مثار تساؤل. فالناس اعتادوا الحديث بالروسية على نطاق واسع في هذه المناطق. لكن تشريعاً سنته كييف دخل حيّز التنفيذ هذا العام، ليوجب الحديث بلغة البلاد ويفرض غرامات على المخالفين.

شكل ذلك حافزاً لتعلم الأوكرانية على أصولها، نطقاً وكتابة.

في أحد المراكز بمدينة كراماتورسك، اجتمع عدد من البالغين في حصة اللغة الأوكرانية.

تُدرّس اللغة في هذا المركز امرأة في منتصف العمر، هي نفسها نازحة من المناطق التي سيطر عليها الانفصاليون الموالون لروسيا.

في أحد المراكز بمدينة كراماتورسك، اجتمع عدد من البالغين في حصة اللغة الأوكرانية (TRT Arabi)

تركت أوكسانا مورافليفا مع عائلتها منطقة ياسينوفاتايا في دونييتسك عام 2014. تصف نفسها بالأوكرانية الوطنية التي تحب بلادها، وتقدم دروسا مجانية للأطفال والبالغين.

"نريد لهذه الحرب أن تنتهي بانتصارنا"، تقول أوكسانا لـTRT عربي وترى أن ضعف اللغة الأوكرانية في هذا الجزء من البلاد سببه عقود طويلة من الحكم السوفياتي الذي فرض الروسية على الساكنين، وكذلك سياسات الرئيس السابق يانوكوفيتش، فـ"المقررات المدرسية والتعليم كانت بالروسية، والتوثيق كان بالروسية".

تخبرنا أوكسانا أن عملها يهدف إلى "إعادة إحياء ما خسره الشعب الأوكراني" خلال سنوات طويلة من الحكم السوفياتي، وهي مهمة تشبهها بـ"إعادة إحياء أوكرانيا".

للمسؤولين في موسكو رأي آخر، فهم يعتبرون عملية إعادة الاعتبار إلى اللغة الأوكرانية بين السكان وإجراءات حكومة كييف في هذا الصدد انتهاكاً لحقوق من تصفهم موسكو بالمواطنين المتحدثين بالروسية، في الوقت الذي ترفض فيه كييف هذه المزاعم وتتهم موسكو بتوزيع جماعي لجوازات سفر روسية على المواطنين الأوكران الساكنين في المناطق التي تسيطر عليها القوات الانفصالية.

عائلات تفرّق شملها وأحبّة ماتوا وحيدين

ليست اللغة الحاجز الوحيد الذي يفرق، فقد أفرزت سيطرة انفصاليين على أجزاء واسعة من الشرق الأوكراني، واقعاً اجتماعياً معقداً. تفرق شمل الكثير من العائلات، وأدى إلى إقفال المعابر الخمسة التي تربط بين الجانبين منذ مارس/آذار من العام 2020 وإلى تعميق واقع الانقسام هذا.

في البدء عمدت سلطات كييف إلى إقفال المعابر بذريعة ضعف إدارة الجانب الآخر في إجراءات مكافحة كورونا. ثم ما لبث أن أقفله الانفصاليون بعدما فتحه الجانب الأوكراني، واستخدم هؤلاء الذريعة نفسها، ليأتي تصاعد التوتر الأخير ويبقيها موصدة بوجه العابرين من الجهتين.

سبّب هذا الانقسام مآسي وحزناً لدى السكان.

فليس غريباً أن نجد أناساً فُصلوا عن أحبتهم. حالات كثيرة لأشخاص توفي أقاربهم في أحد الجانبين فحرموا حتى من زيارة قبورهم.

هذا حال مارينا دوميكو التي رحلت من بلدة ماكييفكا بعد إصابة زوجها وأسره، تاركة والدتها هناك.

تقول مارينا التي التقيناها مع زوجها المُطلق سراحه إنها كانت محظوظة، فقد كانت خارج المنزل عندما هاجمه الانفصاليون.

وساعدتها الشرطة في النزوح، إلا أن أمها المسنّة فضّلت المكوث هناك. اليوم من الصعب على مارينا رؤية والدتها، فهي لم تعد مطلقاً إلى ماكييفكا، وحتى إن رغبت في الزيارة فسيتعذر ذلك مع إقفال المعابر. الحل الوحيد هو بالسفر عبر الأراضي الروسية، وهو سفر مكلف مالياً وصعب.

مارينا وألكسي ديميكو (TRT Arabi)

وهكذا تتقطع السبل بالنازحين في الدونباس.

فمعاناة التهجير والعوز تلاحقهم، والمسنّون والنساء الأكثر عرضة للتهميش.

لقد فقدت نساء كثريات رجالهن، ولأسباب شتى. بعضهنّ يعشن وحيدات في ظروف صعبة.

في إحدى الشقق الصغيرة التي لا تتجاوز مساحتها عشرين متراً، تعيش تاتيانا لوغوفا، مع والدتها البالغة من العمر اثنين وسبعين عاماً، في مبنى سكني متهالك من الحقبة السوفياتية.

لدى السيدتين الكثير للحديث عنه.

6- تاتيانا لوغوفا ووالدتها فالنتينا أندرييفا (TRT Arabi)

تقول تاتيانا التي أخذت على عاتقها إدارة جمعية متطوعات لحماية حقوق المرأة، إن عملها ينصبّ بالدرجة الأولى على مساعدة الفتيات والنساء اللاتي نزحن إلى مناطق جديدة وانفصلن عن محيطهن الطبيعي.

وترى المرأة الشابة التي أنهكتها سنوات الحرب والتهجير وأثّرت سلباً على صحتها، أن العمل والصحة والمسكن تأتي في أولويات نشاطها. تقول لـTRT عربي "لدينا مشاريع عدة من أجل توعية النساء حول كيفية إعالة أنفسهن ومعرفة حقوقهن".

أما والدة تاتيانا، فالنتينا اندرييفا، فأحزنت قصتها كل فريق TRT عربي.

المرأة التي عملت في الحقبة السوفياتية في مصنع ومن ثم في مكتب للبريد، لديها ابنة ثانية تعيش في الجانب الآخر، تقول "عندما تهجرنا للمرة الأولى سكنّا في مخيم وكان معنا ابني وزوجته وطفلهما الرضيع. ثم اشتد البرد، فانتقلنا إلى شقة من ثلاث غرف لكننا لم نتمكن من دفع تكاليف التدفئة المرتفعة، فانتقلنا إلى شقة أخرى من غرفتين، وهكذا إلى أن استقر بنا الأمر هنا".

تتقاضى فالنتينا معاشاً تقاعدياً بقيمة ثلاثة آلاف وثلاثمئة غريفنا، أي نحو ١٢٠ دولاراً شهرياً، يتبقى معها بعد دفع المصاريف والرسوم اللازمة نحو ثمانمئة غريفينا، أي ٢٨ دولاراً.

حتى اليوم لا تزال فالنتينا مستغربة لما جرى، تتحدث يومياً مع ابنتها عبر تطبيق فايبر، "كل أقاربي هناك.. لديّ أيضاً ابنة أخت في روسيا. لقد هوجمنا فجأة.. كل ذلك يبدو لي غريباً".

متقاعدون عاجزون عن قبض رواتبهم

تعيش فالنتينا على الجانب الأوكراني من خطوط التماس. غيرها يعيش في المناطق التي تسيطر عليها القوات الانفصالية.

حسب إحصاءات الإدارة المحلية ومفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة هجّر الصراع في الدونباس نحو مليون ونصف المليون شخص، يعيش ثلثهم في مناطق دونييتسك على الجانبين، ونسبة كبيرة منهم تقطن المناطق الخاضعة لسيطرة الانفصاليين.

يعاني هؤلاء، ولا سيما الموظفون المتقاعدون منهم، من صعوبة الحصول على رواتب تقاعدهم.

فقد تعذر انتقالهم إلى الجانب الآخر بعد إقفال المعابر، سواء لقبض مستحقاتهم أو لاستخدام البطاقات المصرفية من البنوك الأوكرانية في هذه العملية.

وحاولت الإدارة الإقليمية في دونييتسك حل المشكلة.

تقول أوكسانا هولوفكا رئيسة قسم الاستثمار والتطوير في إدارة دونييتسك الإقليمية لـTRT عربي "عندما احتلت قوات الاتحاد الروسي هذه المناطق من أوكرانيا، خشي المتقاعدون فقدان رواتبهم. لكن هذا لم يحصل، فقد كنا نرسلها إليهم في الجانب الآخر. اليوم تعقد الأمر، بسبب وباء كورونا وبسبب إقفال المعابر. يمكنهم سحب رواتبهم عبر البطاقات المصرفية عندما يتسنى لهم العبور".

أوكسانا هولوفكا رئيسة قسم الاستثمار والتطوير في إدارة دونيتسك (TRT Arabi)

العبور بين الجانبين غير ميسر حالياً، حتى بالنسبة لبعثة مراقبي منظمة الأمن والتعاون الأوروبية السهارى على تطبيق وقف النار واتفاقيات مينسك التي أرسته. فقد شكت المنظمة من مضايقات وقيود تتعرض لها في المناطق التي لا تسيطر عليها الحكومة الأوكرانية، في إشارة إلى الانفصاليين المدعومين من روسيا.

أحد المعابر الخمسة مع الجانب الآخر هو معبر مارينكا.

خلال رحلتنا إليه توقفنا في بلدة كاراخوفا التي تبعد عنه كيلومترات قليلة. كانت هذه القرية إحدى المحطات التي ينطلق منها الراغبون في العبور، يستقلون سيارات أجرة أو باصات تُقلّهم إلى آخر نقطة، ومن هناك يعبرون مشياً على الأقدام.

اليوم شُلّت حركة سيارات الأجرة والباصات التي باتت عاجزة عن نقل السكان.

يؤكد أحد سائقي سيارات الأجرة لنا أن القصف لم يستهدف بعد المناطق السكنية، ولم يمنع الناس من القلق خوفاً من تدهور الأوضاع.

على معبر مارينكا يلوح لنا مراقبو منظمة الأمن والتعاون الأوروبية.. منع الجيش الأوكراني الاقتراب، لكنه يتساهل مع عمل الصحافيين.

معبر مارينكا (TRT Arabi)

ركود اقتصادي وتوجه نحو تركيا والاتحاد الأوروبي

شكلت مناطق دونباس مع بداية الألفية 24% من إنتاج أوكرانيا الصناعي. مع ذلك لم تستفد المنطقة من هذه الخيرات، على العكس ساهم استمرار الصراع في تهميش السكان.

يشكو ألكسي ديميكو النازح من الجانب الآخر من صعوبة الحصول على فرص عمل، "حتى قبل جائحة كورونا كانت توجد مشاكل. شركات أقفلت أو لا تدفع رواتب موظفيها أو تتأخر في الدفع".

أجبرت الحرب ألكسي على ترك منزله وبلدته وعمله بعدما أصيب وأسر قبل أن يُطلق سراحه، وهو لا يخفي حنيناً للماضي، يقول لـTRT عربي "كنا نعمل في قناة فوديو، كان لدينا منزل وحديقة، كل شيء كان مناسباً".

تقول إدارة دونيتسك الإقليمية إنها تعي هذه التحديات. وتؤكد أوكسانا هولوفكا رئيسة قسم الاستثمار والتطوير في إدارة دونييتسك أن احتلال القوات الروسية أدى إلى مشكلات اقتصادية، وتقول "لتبيان ذلك لك بشكل واضح فإن معدلات التصدير إلى روسيا تراجعت، ومعظم رجال الأعمال والشركات غيرت وجهتها، وحجم التصدير إلى الاتحاد الأوروبي تضاعف، كما زادت الصادرات إلى تركيا بشكل كبير".

شبح غزو يتهدد البلاد و"تواطؤ غربي"؟

لا يخفي المسؤولون في كييف قلقهم من احتمال تنفيذ الكرملين لـ"مغامرة غزو جديدة" للبلاد.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه السلطات أنها ملتزمة بحل سلمي للنزاع في دونباس وشبه جزيرة القرم، إلا أن الجيش يقول إنه جاهز لصد أي عدوان.

ما لا تقوله الحكومة في كييف صراحة، يقوله نشطاء متحمسون.

هذا ما يشير إليه مايكل مكاي، وهو مقاتل سابق في الحرب، ومدوّن أوكراني شهير. يتهم مكاي الغرب بالتواطؤ مع الكرملين، ويوجه تحديداً أصابع الاتهام إلى كل من فرنسا وألمانيا، وهو لا ينفك يتحدث عن خطر أكيد لغزو روسي.

يقول مكاي لـTRT عربي إن "النظام الروسي لم يضع حداً لطموحاته الإمبريالية في شرق أوكرانيا، بل يعتبر أن أوكرانيا ليست بلداً حقيقياً وأن أوكرانيا وروسيا بلد واحد، إن نظام بوتين يطمح الى توسيع احتلاله للأراضي الأوكرانية لكي يحقق ما يطلق عليه نوفو روسيا" أو روسيا الجديدة.

يتحدث مايكل وسواه عن حشود روسية كبيرة سواء في شبه جزيرة القرم، أو في فورونيج وروستوف الروسيتين، أو في بيلاروسيا قرب الحدود مع أوكرانيا، أو في الجزء المحتل من دونباس.

شبح الحرب الباردة

ليست الحرب قدراً حتمياً في شرق أوكرانيا، لكنها بكل تأكيد احتمال كبير. تبقى أثمانها باهظة في مختلف الأوجه، ويدفع القسط الأكبر منها السكان المحليون، فيما ينذر الصراع بين موسكو وكييف بتأكيد توسيع دائرة المواجهة على الصعيد الدولي.

فكما كانت أوكرانيا نافذة لزيادة النفوذ الروسي ليس فقط في شرق أوروبا خلال إدارة باراك أوباما قبل سبع سنوات، بل في ساحات أخرى، تشكل اليوم نقطة نقل للمواجهة في سياقات تذكر حتماً بتلك التي كانت سائدة خلال الحرب الباردة في القرن العشرين.

TRT عربي
الأكثر تداولاً