مع ارتفاع حصيلة الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الاقصى وتزايد الاقتحامات من قبل المستوطنين، بات هناك تساؤل ملح حول ما يمثله اتفاق "أبرهام" من خطر على المسجد الأقصى والقدس عموماً.

"أبراهام" هو الاسم الذي أُطلِق على اتفاق تطبيع العلاقات بين دولة الإمارات ومملكة البحريْن من جهة، وكِيان الاحتلال الإسرائيليّ من جهة أخرى، وقد وُقِّع في البيت الأبيض في 15 سبتمبر/أيلول 2020.

قبل توقيع الاتفاق بنحو شهر، وتحديداً في 13 أغسطس/آب 2020 صدرَ بيانٌ مشترك من أمريكا والإمارات والاحتلال الإسرائيليّ، أعلنَ فيها هؤلاء عن التوصل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات، وجاء فيه أنّ الإمارات والاحتلال الإسرائيليّ سيواصلان جهودهما "للتوصل إلى حلٍّ عادلٍ وشاملٍ ودائم للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، كما هو موضَّح في رؤية السلام" المعروفة بـ"صفقة القرن".

وأضاف البيان: "يمكن جميع المسلمين الذين يأتون بسلامٍ زيارةُ المسجد الأقصى والصلاةُ فيه، ويجب أن تظلّ الأماكن المقدسة الأخرى في القدس مفتوحة للمصلّين المسالمين من جميع الأديان". أمّا الاتفاق نفسه، فقد نصَّ في ديباجته على تأكيد ما ورد في البيان الثلاثيّ المشترَك المشار إليه، وأشار إلى "صفقة القرن" في سياق الحديث عن التزام الإمارات والاحتلال الإسرائيليّ "مواصلة الجهود للتوصل إلى حلٍّ عادلٍ وشامٍل وواقعيٍّ ودائمٍ للنزاع الإسرائيلي-الفلسطينيّ".

إنّ قراءةً دقيقةً فاحصةً لدلالاتِ ما وردَ في بيان الإعلانِ عن اتفاق "أبراهام"، وفي ما وردَ في الاتفاق نفسه، تقودُنا إلى حقيقةِ أنّ هذا الاتفاق شرّعَ اقتحامات اليهود للمسجد الأقصى، بل أداء الشعائر الدينيّة اليهوديّة فيه، حين جعل لهم "حقّاً" مساوياً لحقّ المسلمين في الصلاةِ فيه.

وشرَّعَ اقتحاماتِ المطبِّعين العرب والمسلمين للأقصى تحت غطاء "زيارته والصلاة فيه"، مع اشتراط أنْ يكونوا "مسالمين".

وهذا الشرط يعطي الاحتلالَ هامشاً واسعاً لمنع "المشاغبين" من دخول الأقصى. و"المشاغبون" عند الاحتلال هم مَن يتبنون الروايةَ الإسلاميَّة المتعلقة بالأقصى، ولديهم استعداد للدفاع عنه بوصفِه أولى القبلتيْن، ومسرى نبيّهم عليه الصلاة والسلام، وكلُّ من يفكِّر بالتصدّي للمعتدين على الأقصى، سواء عبر اقتحامه، أو محاولات تقسيمه، أو تهديده بالحفريات، أو غير ذلك.

وأعطى الاتفاقُ المذكورُ الاحتلالَ ضوءاً أخضرَ لمواصلة سياسة الاعتقالات، والإبعاد، والتنكيل، وفرض الغرامات، إلخ، التي يمارسها ضدّ من يعرقلُ مخططاته التهويديَّة في الأقصى من مصلّين، ومرابطين، ومرابطات، وحرّاس الأقصى وموظفيه، كونهم ليسوا "مسالمين".

لقد أعادَ هذا الاتفاقُ عمليّاً تعريفَ الأقصى ليقتصرَ على الجامعِ القبليِّ ذي القبة الرصاصيّة، وأقرَّ بأنّ ساحاتِ الأقصى هي ساحاتٌ عامّة مفتوحةٌ أمام اليهود وغيرهم، وليستْ جزءاً لا يتجزأ من الأقصى، وهذا صميم ادّعاء الاحتلال الذي يستند إليه في سعيه لتقسيم المسجدِ وتمكين اليهود من استباحتِه بالاقتحاماتِ شبه اليوميّة.

سعى الموقّعون على هذا الاتفاق إلى جعله دعامةً لتنفيذ مخطط التقسيم الزمانيّ والمكانيّ في الأقصى، بغطاء عربيّ إسلاميّ توفّرُه الإمارات والبحرين، اعتقاداً من الاحتلال والمطبعين أنّ هذا الغطاء سيوفّر شرعيةً لاعتداءات الاحتلال على الأقصى، ومخططاته الخطيرة تجاهه.

وفي الوقتِ نفسه، تجاهلَ هذا الاتفاق كلّ الإجراءات التهويديّة الخطيرة التي ينفّذها الاحتلالُ لتقويضِ "الوضع القائم" التاريخيّ في الأقصى، وفرضِ سيادتِه الكاملة عليه، وإقصاء الأوقاف الإسلاميّة عن مَهمّة الإدارةِ الحصريّة لشؤونه، وهذا التجاهلُ هو إقرارٌ بهذه الإجراءاتِ الإسرائيليّة.

من الأهميّة بمكان العودة إلى المرجعيّة السياسيّة التي ارتضاها الموقعون على "أبراهام" لاتفاقهم، وهي رؤية الرئيس الأمريكيّ ترمب لما يُسمّى "السلام"، فقد نصّ اتفاق "أبراهام" على أن الطرفيْن الإسرائيليّ والإماراتي سيبذلان الجهود للتوصل إلى حلٍّ عادلٍ وشاملٍ للصراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ وَفق منظور "رؤية السلام" المعروفة بـ"صفقة القرن"، فماذا تقول هذه الصفقة عن الأقصى؟

"كانت دولة إسرائيل حارساً جيداً للقدس. في أثناء إدارة إسرائيل، أبقت القدس مفتوحة وآمنة. يجب أن تكون القدس مدينة توحّد الناس، ويجب أن تظل دائماً مفتوحة لعابدي جميع الأديان… بعد حرب الأيام الستة عام 1967، عندما سيطرت دولة إسرائيل على القدس بأكملها، تحملت دولة إسرائيل مسؤولية حماية جميع الأماكن المقدسة في المدينة.

تشمل هذه الأماكن المقدسة، على سبيل المثال لا الحصر، الحرم القدسي الشريف. على عكس عديد من القوى السابقة التي حكمت القدس، ودمرت الأماكن المقدسة للأديان الأخرى، فإن دولة إسرائيل جديرة بالثناء لقيامها بحماية المواقع الدينية للجميع والحفاظ على الوضع الديني القائم. بالنظر إلى هذا السجل الجدير بالثناء لأكثر من نصف قرن، فضلاً عن الحساسية الشديدة في ما يتعلق ببعض الأماكن المقدسة في القدس، نعتقد أن هذه الممارسة يجب أن تبقى، وأن جميع الأماكن المقدسة في القدس يجب أن تخضع لأنظمة الحكم نفسها الموجودة اليوم.

على وجه الخصوص، يجب أن يستمرّ الوضع الراهن في جبل المعبد/الحرم الشريف دون انقطاع. يجب أن تظلّ الأماكن المقدسة في القدس مفتوحة ومتاحة للمصلّين المسالمين والسياح من جميع الديانات. يجب السماح للأشخاص من جميع الأديان بالصلاة في الحرم القدسي الشريف، بطريقة تحترم دينهم احتراماً تامّاً، مع مراعاة أوقات صلاة كل دين وعطلاته، فضلاً عن العوامل الدينية الأخرى".

باختصار شديد، فإنّ "صفقة القرن" التي هي مرجعيّة "اتفاق أبراهام" بخصوص حلّ الصراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ، تنصّ على فرض السيادة الإسرائيليّة الكاملة على القدس والأقصى، وتشريع أبواب المسجد لاقتحامات اليهود، وأداء شعائرهم الدينيّة فيه، واستقبال المطبِّعين العرب والمسلمين في الأقصى وفق هذا الوضع السياسيّ والإداريّ المذكور، وتكبيلِ يدِ غير "المسالمين" من الفلسطينيّين وغيرهم، ممّن يرفضون سياسات الاحتلال في الأقصى، ويواجهونها.

لا نغالي إذا قلنا إنّ اتفاق "أبراهام" هو أخطرُ اتفاقٍ سياسيٍّ يهدِّدُ المسجدَ الأقصى، تشاركُ فيه دولةٌ عربيّة أو إسلاميّة، وهذا يضعُ الفلسطينيّين والعربَ والمسلمين الرافضين لهذا الاتفاق أمام تحدّي تطوير وسائلهم لصدّ هذه الهجمة الجديدة على المسجد الأقصى، لأنها تأتي هذه المرّة مع دعمٍ أمريكيّ كبير، وبمشاركةٍ عربيّة متواطِئة مع الاحتلالِ الإسرائيليّ ضدّ الثوابتِ الفلسطينيّة والعربيّة والإسلاميّة المتعلّقة بالأقصى.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي