أحد خطوط الانتاج للسيارات الكهربائية في ألمانيا (Matthias Rietschel/Reuters)

وعلى الرغم من مرور أربعة أشهر على اندلاع الأزمة فإن المصانع القائمة لم تستطع تلبية متطلبات السوق. ومما يشير إلى عمق الأزمة والاحتمالية المتزايدة لاستمرارها حتى نهاية العام الحالي تصريح الرئيس التنفيذى لإحدى الشركات الناشئة المتخصصة فى الأجهزة والمعدات فى تايبيه: "أخبرنى بعض المورِّدين أنه يتعين عليَّ الانتظار حتى أكتوبر/تشرين الأول أو بعد ذلك للحصول على بعض الرقائق الإلكترونية، التى اعتدت أن أطلبها قبل شهر واحد فقط من استخدامها، وهذا يعنى أنى قد لا أمتلك أى شىء قابل للشحن على مدار العام بأكمله تقريباً، حتى لو وُجدت طلبيات من العملاء".

واندلعت الأزمة كمحصلة لجملة أسباب، من بينها التقدير الخاطئ من الشركات المنتجة للرقائق لحجم الطلب أثناء فترة إغلاق كورونا التي أدت إلى المزيد من الاعتماد على التجارة الإلكترونية والعمل من المنازل، الأمر الذي تسبب في ارتفاع الطلب على الحواسيب المحمولة وبالتالي أشباه الموصلات بنسبة 18%، علاوة على احتراق مصنع رقائق مملوك لشركة رينيسانس إلكترونيك جروب الذي ينتج 30% من من وحدات التحكم الدقيقة المستخدمة بصناعة السيارات، واستمرار توُّقف مصنع سامسونغ بأوستن بولاية تكساس الأمريكية عن العمل منذ 16 فبراير/شباط الماضي بسبب عاصفة شتوية شديدة، فضلاً عن تخزين شركة هواوي الصينية للإنتاج في ظل تفاقم الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة.

ومن الواضح أن الأزمة نحو الأسوأ، وذلك مع انضمام صانعي السيارات في 3 قارات إلى عمالقة التكنولوجيا “آبل” و“سامسونغ” في خفض الإنتاج وخسارة العائدات جراء تلك الأزمة، ومؤخراً أعلنت شركة هوندا للسيارات عن توقيف 3 مصانع لها في اليابان لمدّة تتراوح بين 5 إلى 6 أيام الشهر المقبل، كما قالت شركة BMW إنها ستعمد إلى وقف الإنتاج في مصانعها بألمانيا وإنجلترا، في وقتٍ خفّضت فيه فورد توقعاتها لأرباح العام بأكمله، وذلك بسبب نقص الرقائق الإلكترونية.

ولأن الأزمة تضرب العديد من الصناعات فقد أخذت مؤخراً الشكل السياسي والدبلوماسي، ففي منتصف أبريل/نيسان الماضي عقد الرئيس الأمريكي جو بايدن اجتماعاً بالبيت الأبيض مع المديرين التنفيذيين التقنيين بشركات "إنتل" و"تايوان لصناعة أشباه الموصلات" و"سامسونج إلكترونيكس" وصانعي السيارات مثل فورد وجنرال موتورز، لمناقشة نقص الرقائق ومرونة سلاسل التوريد العالمية.

كما بدأت الولايات المتحدة واليابان وألمانيا، أكبر ثلاث دول بالعالم في صناعة السيارات، الضغط على اقتصادات صناعة الرقائق الرئيسية الآسيوية، كوريا الجنوبية وتايوان، لإعطاء الأولوية لرقائق السيارات، حتى لو كان على حساب العملاء الآخرين مثل صانعى الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب.

وفي تركيا صرح رئيس اتحاد تجار السيارات نيازي بيركتاش بأن أزمة الرقائق أضيفت إلى المشكلات العالمية بقطاع السيارات التي سببها الوباء، فضلاً عن أسعار الفائدة المرتفعة التي تطبقها البنوك وتقلب مسار العملة الأجنبية، وقد يتسبب هذان العاملان في ارتفاع أسعار السيارات المستعملة اعتباراً من شهرَي أبريل/نيسان ومايو/أيار.

ومؤخراً أعلنت شركة "فورد أوتوسان المملوكة من قبل عملاق السيارات الأمريكي "فورد موتور" وأكبر تكتُّل تركي "كوتش القابضة"، وقف الإنتاج مؤقتاً بمصنع غولجوك بين 19 أبريل/نيسان و13 يونيو/حزيران بولاية كوجايلي شمال غربي البلاد بسبب مشاكل الإمدادات العالمية.

وكانت الشركة أوقفت الإنتاج بالفعل بمصنعَي غولجوك وينيكوي في الفترة ما بين 3 و9 أبريل/نيسان بسبب أزمة توريد الرقائق، وقالت الشركة إن مشكلات إمداد أشباه الموصلات المستمرة تفاقمت مع المشكلات الإضافية الناجمة عن الزلزال والحريق الأخيرين في اليابان.

ومع بداية اشتداد الأزمة في فبراير/شباط الماضي زار وزير العلوم والصناعة والتكنولوجيا التركي "فكري إيشيق" ماليزيا التي تمتلك اثنتان من كبريات الشركات العالمية المنتجة للرقائق، وأكد الوزير من هناك عزم بلاده تصنيع الشرائح الإلكترونية محلياً، كاشفاً عن بدء الاستعدادات في هذا الإطار.

وأضاف إيشيك أن هيئة الأبحاث العلمية والتكنولوجية التركية (توبيتاك) نجحت بالفعل في تصميم الرقائق، إلا أن الإنتاج المتسلسل لم يبدأ بعد، موضحاً اتجاة تركيا الحالي لإنشاء أول مصنع لإنتاج رقائق السيليكون، معرباً عن أمله في التعاون مع ماليزيا في هذا الإطار.

وكانت مصادر إخبارية أشارت إلى أن مهمة التوصل إلى الشريحة التركية وتطويرها ينفذها حالياً 55 من أفضل المهندسين الأتراك بالإضافة إلى 25 تقنياً من التقنيين المتمرسين المنتمين إلى المعهد الوطني لبحوث الإلكترونيات والتشفير.

تولد الفرص من رحم الأزمات ويقتنص الفرص الأكثر استعداداً، ومن يرغب أن ينضم إلى قافلة العشر اقتصادات الكبرى في العالم عليه أن يحول المحنة إلى منحة، وهذا ما فعلته تركيا بتحرُّكها السريع نحو إنتاج الرقائق واقتناص فرصة الأزمة لتسريع وتيرة العمل على المنتج المحلي.

لم يكن لتركيا أن تقتنص الفرصة من دون أن تمتلك مراكز أبحاث متخصصة ذات مستوى عالمي من الكفاءة والخبرة، خصصت لها موازنات حكومية كافية للبحث والتطوير لسنوات طويلة سابقة، استطاعت فيها بناء فرق من الكوادر البشرية المحلية عالية الكفاءة والخبرة، قادرة على الابتكار والإنتاج لما تحتاج إليه الصناعة الوطنية.

امتلاك اللوجستيات العلمية والبحثية، واللوجستيات الإنتاجية والتجارية، وتوافر الإرادة السياسية الداعمة لهما، والشراكات مع الدول الصديقة المتميزة في الإنتاج التكنولوجي، عوامل داعمة للتوطين التكنولوجي، الأمر الذي يجنِّب تركيا ليس فقط الوقوع في أزمات نقص الإمدادت العالمية لبعض المكونات الرئيسية ولكن أيضاً يكسبها المزيد من المزايا الاقتصادية والاستراتيجية التي تُمكِّنها من شغل الموقع المستهدف في خريطة تقسيم العمل الدولية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي