نطلق معظم التقديرات حول آثار أزمة كورونا على شكل النظام الدولي ومساراته الرئيسية من استقراء استجابة الدول وبخاصة الكبرى منها للأزمة وكيفية التعامل معها كأزمة تتصف بالعالمية وتشبه في آثارها المباشرة ما تسببه أزمات كالحروب والكوارث الطبيعية.

ولاعتبار أزمة كورونا عامل تحول في المشهد الدولي فإن ذلك يتطلب عاملين رئيسيين: طول مدة الأزمة وما يتبع ذلك من تداعيات اقتصادية واجتماعية، ونوعية الدول التي تضربها الأزمة وأهميتها. وبالنظر إلى المعطيات فإن أزمة فيروس كورونا المستجد جاءت لتؤكد المسارات الحالية في المشهد الدولي وتعززها أكثر من كونها عاملاً سيحدث تحولاً جذرياً في هذه المسارات أو يخلق مسارات جديدة على المديين القريب والمتوسط.

فعلى صعيد مسار مستقبل الولايات المتحدة، أظهرت ردة فعل واشنطن المحجمة عن تولي قيادة دولية للأزمة جلياً، مسار تراجع تفرُّدها في قيادة النظام الدولي. وهو الأمر الذي قد يسمح لقوى دولية أخرى لملء الفراغ الناجم عن تراجع الولايات المتحدة.  

فالسنوات العشر الأخيرة مليئة بالشواهد على الانكفائية الأمريكية التي جاءت سياسات إدارة ترمب كتعبير صارخ عنها. وعلى الرغم من أن الانكفائية لا تعبر بالضرورة عن تراجع القوة الصلبة للولايات المتحدة، وإنما تأتي في سياق إعادة رسم استراتيجيتها على الصعيد الدولي من أجل تقليل الأعباء المالية والدبلوماسية في قيادتها لأزمات العالم، فإنها تبقى واحدة من الدلائل على تراجع الولايات المتحدة عن التفرد بسدة قيادة العالم.

فالمؤشرات الأولى تظهر أن إدارة ترمب، الذي قلل من شأن الفيروس في بداية الأمر، لا تزال تواجه تحديات كبيرة أمام أزمة تفشّي الوباء داخلياً. إذ يتعذر عليها إرسال مساعدات فيدرالية داخلية إلى الولايات لمواجهة الوباء ومعالجة المصابين. وهو ما يدلل به البعض على مظهر من مظاهر تراجع السيطرة الأمريكية الدولية الناجم عن تراجع القدرات الاقتصادية والمالية ونوعية النخبة وليس فقط تغييراً في استراتيجيتها الخارجية.

إلا أن الأهم في ذلك أن مسار تراجع التفرد الأمريكي أو حتى القيادة الأمريكية للشؤون الدولية سواء كان رغبة منها أم نتاج تراجع إمكانياتها، يتعزز أمام اختبار كورونا. لكنه يبقى تراجعاً لا يقابله في الوقت ذاته تهديداً جذرياً من قوى صاعدة. الأمر الذي يعقد التنبؤ ببنية النظام الدولي الذي قد ينشأ في حال استكمال المسار الحالي للولايات المتحدة طريقه.

أما المسار الثاني الآخذ في التعمق في مسارات النظام الدولي هو تراجع الاتحاد الأوروبي كقوة توازن في النظام الدولي أو حتى بصفته داعماً للحليف الأكبر، الولايات المتحدة. وجاءت استجابة دول الاتحاد الأوروبي الفردية والانعزالية على أزمة كورونا بصفته أكبر تحدٍّ يصيب أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، على حد تعبير قادته، لتزيد اليقين في هشاشة بنية الاتحاد الاوروبي الذي لا يزال تحت تأثير أزمة بريكست (Brexit).

فالاتحاد الأوروبي يقدم نموذجاً فاشلاً يصعب تجاوزه في المدى القريب والمتوسط في تصديه لأزمة لا تعد ذات طابع استراتيجي تقليدي.

ومع ذلك وعلى الرغم من أنها صورة صادمة فإنها لا تأتي بجديد على صعيد المسارات الاستراتيجية، فقد سبق للاتحاد الأوروبي أن تعرّض لأزمة الديون الأوروبية في 2009 وأزمة المهاجرين في 2015، وهي الأزمات التي عجز عن مواجهتها وحدّت كثيراً من فرصته ليشكل قطباً دولياً. ومن المرجح أن يكون الاتحاد الأوروبي قد دخل مساراً نحو التراجع والتفكك لا رجعة فيه.

على صعيد الصين، جاءت أزمة كورونا لتعزز النقاش حول دورها على الصعيد الدولي. فمع تجاوزها للمرحلة الأولى من انتشار الفيروس، وعلى الرغم من ما اعترى صورة الصين من ضعف نظراً إلى عدد الإصابات والوفيات التي سجلت في الأسابيع الأولى، فإن الصين عملت بشكل سريع على تحسين صورتها بعد سيطرتها على انتشار الوباء في بؤرته الأولى مدينة ووهان.

بل عملت الصين على إرسال مساعدات لعديد من الدول في أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط. وتصدر الصين نموذجها الخاص في التعامل مع الوباء، مما أعطى انطباعاً أن للصين قدرات تقنية وصناعية وبنية تحتية واقتصادية قد استُثمرت في مواجهة أزمة وُصفت بالعالمية.

الأمر الذي يجعل من التساؤل حول حتمية الصعود الصيني كقوة دولية منافسة للولايات المتحدة الأمريكية على مستويات سياسية واستراتيجية مشروعاً. إلا أن ذلك لم يغير في حقيقة أن للصين دوراً دولياً يتنامى على صعد اقتصادية وثقافية وربما سياسية، ولكن هذا الصعود لا يزال تعتريه تحديات تتعلق بالقدرات العسكرية المختلفة وأخرى اقتصادية تتعلق بشكل رئيسي بالاعتمادية بين الصين والقوى الغربية وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.

كما يشير السلوك الصيني في التعامل مع الأزمة على الصعيد الدولي، إلى القناعة بأن الصين لا تزال غير راغبة في سلوك قيادي أو تنافسي في إدارة الشؤون الدولية، لما لذلك من أثمان اقتصادية واستراتيجية قد لا تكون الصين مستعدة لتلبيتها. ومن غير المتوقع أن تغادر الصين استراتيجيتها الهادئة غير الإمبريالية في تعاملها مع الشؤون الدولية.

وفي الوقت نفسه، عززت أزمة كورونا فرضية أن التنافس الصيني-الأمريكي الذي يتنامى مع الوقت تتجنبه الصين غالباً وتستدعيه إدارات أمريكية كإدارة ترمب بين الوقت والآخر.

وتشير الأوضاع في روسيا إلى أن دخولها على وتيرة تصاعد حجم الإصابات قد بدأ متأخراً نسبياً مقارنة مع غيرها من الدول الأوروبية. فقد يكون من الصعب تقدير سلوك الحكومة الروسية في التعامل مع الأزمة وبيان قدرتها على ذلك من عدمه، إلا أن المبادرة الروسية لإرسال مساعدات طبية إلى دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة قد تعطي إشارة إلى مدى استعداد روسيا لمواجهة الأزمة الوبائية.

وعلى صعيد دورها الدولي، فمن غير المتوقع أن تحدث الأزمة تحولاً في توجهات موسكو الدولية القائمة على تعزيز نفوذها في مجال الحيوي الإقليمي، والقيام بأدوار دولية حذرة لا تصطدم والمسار الأمريكي بشكل خاص. إلا أن تطورات الوضع في الاتحاد الأوروبي ستبقى أحد أهم محددات السلوك الروسي في الفترة القادمة وهو المسار الذي ترصده موسكو قبل أن يتعرّف العالم كورونا بسنوات.

وعلى صعيد مسار الاقتصاد الدولي، تبدو الصورة أكثر وضوحاً إذ جاءت أزمة كورونا لتعزز مسار الأزمة الاقتصادية والمالية التي يواجهها الاقتصاد العالمي. واعتبار التراجع الاقتصادي العام أحد أهم دوافع انزلاق العالم إلى أزمات أمنية وعسكرية. وفي حال استمرار الإغلاقات التي فرضها الوباء من المتوقع أن يدخل العالم في حالة ركود تراكم من الضغوطات على اقتصادات عالمية كالاقتصاد الأمريكي واقتصادات أوروبية. وهذا لا يعني بالضرورة أن اقتصادات الصين وروسيا ودول شرق آسيا على سبيل المثال، ستكون بعيدة عن تأثيرات هذا الركود المتوقع.

أخيراً، قد يكون لأزمة كورونا الوبائية آثار راديكالية على صعد محلية أو إقليمية ولكن من غير المتوقع أن تتسبب في خلق مسارات استراتيجية جديدة على مستوى النظام الدولي. في الوقت ذاته، فإن عاملي طول أمد الأزمة وعدد الإصابات والوفيات التي قد تسببها وبخاصة إذا طالت نخباً سياسية وعسكرية قد تدفع الجميع إلى تقديرات أخرى.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.  

المصدر: TRT عربي