السعادة تكمن في البساطة، وأن عيش اللحظة أهم بكثير من تسويقها، وأن هناك لحظاتٍ حميميةً لا تقبل التقاسم و "الفلترة"، فللذّات حرمتها وخصوصيتها. متى فعلنا ذلك أمكننا العبور بسلام نحو الآخر.

من حينٍ لآخرَ يفاجئنا عالم اليوم بممكناتٍ أخرى، قد تكون مؤلمةً، للكوجيطو الديكارتي: "أنا أفكر، أنا موجود"، فتخريجات من قبيل: "أنا أستهلك، أنا موجود"، "أنا مع الرداءة، أنا موجود"، "أنا أهذي، أنا موجود"، "أنا لا أفكر، أنا موجود".. وهلمَّ جرا من احتمالات، لم تعدْ تثير الغرابة والاستبعاد من مجال التأويل والالتباس.

إلا أنه يمكن القول بأن حضور الصورة القوي في حياتنا الجمعية، وتأشيره الدّال على وجودنا وتفاعلنا مع الآخرين، هو ما يبدو عنوانا مَكِينًا لواقع الحال، لقد صرنا جميعاً، وبقليل من الاستثناء، دائرين عن وعيٍ وبغير وعي، في فلك الكوجيطو الجديد "أنا صورة"، أنا موجود".

الصورة في حد ذاتها إيقاف للزمن وحصر للحركة. إنها توثيق للحظة ما وإعلان لنهاية الكلام وبداية الصمت المطبق.

عبد الرحيم العطري

لم تعدْ الكلمات هي أساسنا التواصلي مع العالم، باتت الصور هي شاهد الحضور والغياب، لا نتردّد في نشرها على أوسع نطاق، لنقتسمَ مع "الغريب" و "القريب"، طبق الطعام، وتجربة السفر، ومتاعب العمل، ومرقد النوم والمرض، وكل تفاصيل الحياة الشخصية، حتى الحميمية منها، أملاً في حصد "اللايكات" ورفع أرقام المنظورية. ولا نكتفي بنشر الصور، كما هي في الأصل، بل نستنجد بالتطبيقات المتاحة، قصد ممارسة "التجميل الإلكتروني" عن طريق "الفلاتر"، لنظهر بالشكل المشتهى.

لا بأسَ أن نكذب على أنفسنا، ونُظهر للعالم صوراً لا تنتمي إلينا، لا بأس أن نقتل الحميمي فينا، وأن نقتسم مع الآخر أدق التفاصيل، لا بأس أن نضيف "الملوّنات" و"المنحفات" أو "المسمنات" وباقي "المجملات" و "المضحكات" الإلكترونية إلى صورنا الأصلية، لنصنع "نسخاً مزيدة ومنقحة" أملاً في الإبهار والإمتاع. نريد أن نكون "صورة" مقبولة ومشتهاة، حتى نكون ويتحقق وجودنا بالفعل وبالقوة.

إنه عصر الصورة، نتواصل، نحارب، نبيع ونشتري، نفاوض ونقنع، نُعَلِّبُ الرأي ونُقَوْلِبُ الوعي بالصور أكثر فأكثر، والأهم من ذلك كلّه، نستعرض الأنا ونتلصص على الآخر بواسطة الصورة، وكأن الرهان الأقصى لحياتنا موزع، وبالضرورة، بين التمشهد والتمسرح والاستعراء والتلصص. فهل يتعلّق الأمر ببحث عن اعتراف من الآخر؟ أم هي رغبة في تأكيد الذات؟ أم أننا معتلّون بالنرجسية الرقمية ومصابون بفرط حركة الصورة على غرار متلازمة النشاط الزائد؟

الصورة في حد ذاتها إيقاف للزمن وحصر للحركة، إنها توثيق للحظة ما، وإعلان لنهاية الكلام وبداية الصمت المطبق، إنها تدبير مختلف للزمن والفضاء، وإعادة ترتيب للوقائع والذكريات، ومع ذلك فما يحيط بكل صورة ملتقطة، هو اللا نهائي من خطاب، إنها ناطقة بكلّ شيء، تقول إن موضوعها هو الأنا، لكن رهانها هو الآخر، فكل "سيلفي" وكل "سناب شات"، يحكي عن "أنا" مكلومة، أو فرحة تبحث عن اعتراف يكون من توقيع الآخر، في زمن تنامت فيه الفردانية، وتراجعت فيه قيم التضامن الجمعي.

لم نعدْ منشغلين بمتعة السَّفر في حدّ ذاته، ولا بلذّة الطعام الذي نأكله، ولا بالخبرات التي نكتسبها جراء الاندلاق مع سيول الحياة، وإنما نهتم بالصورة التي سننشرها في مواقع التواصل الاجتماعي، لنعلن لهم أننا "هنا والآن"، على"قيد الصورة" لا الحياة، وأننا الأجمل والأبهى، وأننا الأكثرُ شباباً، بالرغم من تقدّمنا في السن، فـتطبيقات "الفلاتر" كفيلة بمنح الزرقة للعيون والبياض للوجه، والفتنة للملامح، كما أنها قادرة أيضا على منحنا عمراً طفولياً إن شئنا، باستعمال الإضافات الحيوانية اللطيفة.

كل "سيلفي" وكل "سناب شات" يحكي عن "أنا" مكلومة أو فرحة تبحث عن اعتراف يكون من توقيع الآخر في زمن تنامت فيه الفردانية، وتراجعت فيه قيم التضامن الجمعي.

عبد الرحيم العطري

قبل سنتين من الآن فاجأتنا المحللة النفسية إلزا غودار بعمل مائز يسائل "السيلفي" ويدعونا إلى تأمل هذا الهوس الكبير بالصورة والاستعراء الاجتماعي على صفحات النت، كتبت "je selfie donc je suis" "أنا التقط"سلفي" إذن أنا موجود" مؤكدة بأن ما يحدث مع الصورة اليوم، يستدعي جاك لاكان في حديثه عن "طور المرآة"، حيث الطفل يسعى إلى اكتشاف ذاته عن طريق النظر في المرايا، كما يستدعي في مستوىً آخر، أسطورة نرسيس الذي لقي حتفه من فرط التحديق في صورته الجميلة.

الصورة هي جواز عبورنا نحو الآخر، إنها "نداء استغاثة" نُرسله باتجاه الآخرين، أملاً في كسب قلوبهم و "تضامنهم الإلكتروني"، الذي ينبغي أن يُترجم إلى "لايكات" و"مشاهدات" و"تعليقات" متواطئة، نُعلن من خلالها أننا نعاني من "عطش" كبير إلى الاعتراف، ومن "جوع" أكبر على مستوى تأكيد الذات وتقديرها، لهذا كلّه نُمعن في التصوير والعرض الذاتي بدرجة الهوس والنرجسية الرقمية.

الكل يُسابق الزمن، سواء تعلّق الأمر بالمشاهير أو المغمورين، من أجل التقاط الصورة ونشرها على أوسع نطاق، بعد "فَلْتَرَتِهَا" طبعاً، إنه الهوس المرضي بتوقيع الحضور في الافتراضي قبل الواقعي، وفي ذلك كلّه استعراض لـ"أنا" متضخمة أو مهزومة، تستجدي الآخرين من أجل إبداء الإعجاب بها، وتحقيق مجد "التمشهدية الخائبة". ولو تعلّق الأمر بأخذ "سليفيات" مع حوادث سير وكوارث طبيعية قاتلة، أو أخذها من حمامات أو مراقد للنوم أو الاستشفاء، ما يهمّ هو الصورة التي يجري "إخراجها" في النهاية لتعرض في السوق الافتراضية؛ حيث يتحدد سعرها وعمرها التداولي بمجموع "اللايكات" والمشاهدات.

ما نحتاجه اليوم هو ثورة ثقافية هادئة تستهدف الذهنيات لتمكينها من مضادات الرداءة، حتى نتخلى عن "الأنا المتضخمة" ونحن نُبحر عبر النت، ما نحتاجه أيضا هو العودة إلى الكلمة للتعبير والحوار والتناظر الفكري، حتى لا نُشَيِّعَ الكلمة والكتابة إلى مثواهما الأخير "A dieu les mots"، "وداعاً أيتها الكلمات" وفقاً لما قاله يوماً السينمائي غودار.

فالإفراط في استعمال الصورة، فيه قتل للأنا في حميميتها وبراءتها، وفيه اعتلال باضطرابات نفسية من قبيل عقدة الخوف من المظهر البشع "dysmorphophobia" وعقدة الخوف من فقدان الهاتف النقّال "nomophobia"، فضلاً عن اضطراب الشخصية الهيستيرية (الاستعراضية) والشخصية النرجسية.

ليس سهلاً أن نتحرّر من هوس "السيلفي" و"السناب شات"، إنها "المخدّرات الإلكترونية" التي نتعاطاها يومياً بجرعات زائدة، ما حَوَّلَنَا إلى مدمنين وضحايا للعبودية الرقمية، ولكنّ الوعي بما نحن عليه وفيه، يعدّ أولى عتبات الخلاص والتحرر.

ما نحتاجه اليوم هو ثورة ثقافية هادئة تستهدف الذهنيات لتمكينها من مضادات الرداءة حتى نتخلى عن "الأنا المتضخمة" ونحن نُبحر عبر النت.

عبد الرحيم العطري

لنطرح السؤال تلو السؤال، حول جدوائية التفريط في حميمية الصورة وغايات الاستعراض والنرجسية الإلكترونية، عَلَّنَا نكتشف أعطابنا، ونَفْطِنُ إلى المتاهة الكبرى التي تأخذنا إليها هذه "الفلاتر" الكاذبة.

لنقتنعْ بأن السعادة تكمن في البساطة، وأن عيش اللحظة أهم بكثير من تسويقها، وأن هناك لحظاتٍ حميميةً لا تقبل التقاسم و "الفلترة"، فللذّات حرمتها وخصوصيتها. متى فعلنا ذلك أمكننا العبور بسلام نحو الآخر، أبحرنا نحوَه نطلب التواصل الفعال، بغير "أنا" متضخّمة ولا مهزومة، وفي ذلك كله سلام ومصالحة مع الذات.

متى حدث ذلك كله، سنتحرر من سلطة "التفاهة" ونخرج من سديم اللا معنى.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي