تمثل سلطات الاحتلال الإسرائيلية لفلسطين المفهوم السلبي للسلطة الحياتية؛ حيث تتجلى "عنصرية الدولة" في مجموعة واسعة من النظم والإجراءات، بما في ذلك توظيف التشريعات، والسيطرة على الحدود، والقانون، والبيروقراطية، وتعداد السكان، وتلفيق التاريخ والتقاليد.

فدولة الإحتلال الإسرائيلي تسعى ومن أجل إنشاء استقرار متجانس ونقاء عرقي لتلك الفئة التي تحظى بالامتيازات -أي اليهود في الأراضي الفلسطينية المحتلة- على حساب الأقل حظاً، وهم سكان البلاد الأصليين، إلى عزل المجتمع المحظي عن الخارج الذي يمثل تهديداً محتملاً لمجتمع يحظى بالانسجام والتوافق. ولا تنتج هذه الإجراءات إبادة جماعية بالمفهوم الكلاسيكي، ولكن النتيجة دولة عنصرية تقتل من خلال خلق ظروف تصبح فيها الحياة مستحيلة حد تحقيق الموت.

وحين تأخذ السلطة هذه الإجراءات إلى أقصاها كما تمارسها السلطات العنصرية الإسرائيلية، تتحول السياسات الحياتية من إدارة وتنظيم الحياة إلى إدارة وتنظيم الموت أو كما أطلق عليها آشيل ميبمبي: "السياسات النكروية أو سياسات الموت".

يمثل الفلسطيني الأعزل تهديداً محتملاً يُبيح القتل بدم بارد بمجرد الاشتباه في حركته أو مكان وجوده.

أماني أبو رحمة

تُبين الحالة الفلسطينية أن الاحتلال الاستعماري هو تسلسل سلطات متعددة: السلطة الانضباطية والسياسات الحياتية وسياسات الموت. يضمن الجمع بين السلطات الثلاث للسلطة المحتلة سيطرة مطلقة على سكان الأرض التي تحتلها؛ فالسجن الفعلي لأعداد كبيرة من الفلسطينيين والاعتقال الإداري وحالة الحصار في حد ذاتها مؤسسة عسكرية تجعل من جميع السكان موضوع اشتغالات السيادة. ويجري عسكرة الحياة اليومية حين يتصرف القادة العسكريون والجنود الميدانيون بحرية مطلقة فيما يتعلق بموعد إطلاق النار وعلى من تطلق، كما بدا ذلك جلياً في حالات القتل الوقائي في الأراضي المحتلة حين يمثل الفلسطيني الأعزل تهديداً محتملاً يُبيح القتل بدم بارد بمجرد الاشتباه في حركته أو مكان وجوده.

تتطلب الحركة بين الكانتونات المحاصرة في الضفة الغربية بفعل الجدار الفاصل أو الطرق الالتفافية حول التجمعات الاستيطانية والخروج من قطاع غزة المحاصر، تصاريحَ رسمية تُمنح بصعوبة بالغة، واشتراطات تكاد تكون مستحيلة ضمن إجراءات بيروقراطية تطال طالب التصريح وعائلته. هذا فضلاً عن التحكم في حركة البضائع من معابر وممرات تحددها وتشرف عليها القوة العسكرية الإسرائيلية. وتُدمر المؤسسات المدنية المحلية بصورة منهجية إما تدميراً مباشراً أو بفعل الإهمال فيما يمكن أن يطلق عليه: "حرب البنى التحتية". ويُحرم السكان المحاصرون من وسائل كسب عيشهم بطريقة كريمة. ويضاف القتل غير المرئي بفعل التلوث البيئي أو الحرمان من العلاج في الخارج أو نقص الأدوية أو الفقر المدقع إلى عمليات الإعدام الصريحة بأحدث التكنولوجيات العسكرية.

تخلق سياسات الموت التي تتبعها سلطات الاحتلال وغيرها من السلطات التي تتبع ذات المنهج -على سبيل المثال سياسة الرئيس ترمب ضد المهاجرين من دول أمريكا اللاتينية- أشكالاً جديدة من الوجود الاجتماعي يتعرض فيها عدد مهول من السكان لظروف حياة لا تمنحهم سوى وضع الحي الميت أو بتوظيف مصطلحات فوكو: "دعه يموت".

يمنحنا التأطير النظري للمؤرخ والفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو لهذه الظاهرة القدرة على فهمها في سياقها التاريخي والمادي؛ فقد قدم فوكو مفهوم السلطة الحياتية، ونظّر إليها باعتبارها السلطة على الحياة؛ وهو بذلك يحلل العملية التاريخية التي تبرز "الحياة" من خلالها بوصفها مركزاً للإستراتيجيات السياسية. يرى فوكو خصوصية السلطة الحياتية في حقيقة أنها "سلطة الإحياء" أو "دعه يموت"، في حين أن السلطة السيادية التي سبقتها في ظروف تاريخية محددة تمتعت بحق الإماتة أوالإبقاء على قيد الحياة.

يميز فوكو بين "قطبين أساسيين" من السلطة الحياتية؛ ضبط جسم الفرد والرقابة التنظيمية على السكان. تعمل تكنولوجيات الانضباط في الإشراف والسيطرة على الأجساد والأرواح. ويسمح الانضباط بزيادة إنتاجية الجسم، بينما يعمل في الوقت نفسه على إضعاف قوته لضمان إخضاعه سياسياً وإنتاج ما أطلق عليه فوكو "الأجساد المنصاعة". ويمثل السجن برادايم التكنولوجيات الانضباطية التي نشأت في البداية في مساحات محددة حين تطلب الأمر الفصل المكاني ومراقبة السكان، ولكنها سرعان ما انتشرت في المجتمع مشكِّلة "أرخبيلاً سجنياً" عملاقاً.

لم يكن القطب الآخر للسلطة الحياتية موجهاً لأجسام الأفراد ولكن للجسم الجمعي للسكان، إذ لا يتصور فوكو السكان "بوصفهم كيانا قانونيا أو سياسيا"، لكن جسداً بيولوجياً مستقلاً: "الجسد الاجتماعي" الذي يتميز بالعمليات والظواهر الخاصة به، مثل الولادة ومعدلات الوفاة والحالة الصحية والعمر وإنتاج الثروة وتوزيعها.

مجمل العمليات الملموسة على السكان في الحياة هي الهدف من "تكنولوجيا الأمن" التي تهتم عموماً بوضع خريطة ظهور السلوك الطارئ وربطه بمجموعة متكاملة من العوامل البيئية والبيولوجية.تعمل جاهزيات الأمن ضمن اشتراطات السكان والحدث بمفهومه الفوكووي والطارئية والانتشار أو حرية التنقل ضمن وسط.

تخلق سياسات الموت التي تتبعها سلطات الاحتلال أشكالاً جديدة من الوجود الاجتماعي يتعرض فيها عدد مهول من السكان لظروف حياة لا تمنحهم سوى وضع الحي الميت.

أماني أبو رحمة

يدَّعي فوكو أن الحرية يجب أن تكون مرافقة لجاهزيات الأمن، بمعنى أن هذه الجاهزيات لا يمكن أن تصبح سارية إلا إذا افترضنا أن حرية معينة، حرية تنقل الأفراد والبضائع، مستقرة في "الطبيعة السياسية". غير أن السياسات الحياتية ليست فقط عن السلطة الإيجابية على الحياة والتنظيم المرغوب للجسد.

يُحول فوكو اهتمامه في سلسلة مقالاته في الكوليج دو فرانس بين عامي 1975-1976 عن الطرق التي تعزز بها السياسات الحياتية الحياة إلى الجانب المظلم من السياسات الحياتية؛ حين يطرح سؤالا مشؤوما بما فيه الكفاية: "كيف يمكن لسلطة مثل هذه أن تقتل، إذا كان صحيحاً أن وظيفتها الأساسية هي تحسين الحياة وإطالة أمدها وتحسين فرصها وتجنب وقوع الحوادث والتعويض عن الفشل؟ في هذه المرحلة تتدخل العنصرية".

تلبي العنصرية وظيفتين مهمتين ضمن اقتصاد السلطة الحياتيه. أولاً، أنها تخلق تصدعات في المجال الاجتماعي تسمح بتقسيم ما كان متخيلاً أنه متجانس بيولوجياً من حيث المبدأ، على سبيل المثال، السكان أو الجنس البشري بأكمله. وبهذه الطريقة، يصبح التمايز في العرق الخير والشرير، والأعلى والأدنى، ممكناً ويؤسس الخط الفاصل"بين من يجب أن يعيش ومن يجب أن يموت". وتذهب الوظيفة الثانية للعنصرية أبعد من ذلك. إنها لا تحد نفسها بإنشاء الخط الفاصل بين "السليم" و"المريض"، "من يستحق العيش" و"من لا يستحق العيش" بدلاً من ذلك، فإنها تبحث عن إقامة علاقة إيجابية من هذا النوع: "كلما قتلت أكثر، فإن المزيد من الوفيات سوف يحدث" أو "حقيقة أنك تسمح بموت أكثر حتى تعيش أنت أكثر".

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي