مع تزايد التقارير حول المفاوضات بين حماس و"إسرائيل" لإبرام صفقة تبادل أسرى جديدة، بدأت الأصوات الإسرائيلية تحذر من أن حماس تستعد لاختطاف جديد للجنود الإسرائيليين،

وذلك لسبب بسيط هو أن المفاوضات الجارية، كما يعتقدون، فتحت شهيتها لتجديد عمليات الخطف، بعد أن تأكد لها أن إسرائيل تقدم في النهاية التنازلات، وتستعد لإطلاق سراح مئات من أسرى حماس في السجون الإسرائيلية.


وقد دفعت زيادة المخاوف الفلسطينية من إمكانية انتشار فيروس كورونا في السجون الإسرائيلية إلى انطلاق مفاوضات صفقة تبادل الأسرى مع حماس، وبذلك يكون الوباء قد وفّر فرصة فريدة لإنجاز الصفقة، وبدت إسرائيل وحماس أقرب من أي وقت مضى إلى إنجازها.

ظهرت حماس صاحبة المبادرة بالحديث عما اعتبرتها "فرصة نادرة" لإبرام صفقة طال انتظارها، لكن جائحة كورونا أتاحت لإسرائيل وحماس مساحة أكبر للمرونة بشأن القضايا التي حالت سابقاً دون إحراز تقدم بتبادل الأسرى.

منذ سنوات طويلة أصرت حماس على أنها لن توافق على مناقشة أي تبادل للأسرى قبل أن تفرج إسرائيل عن الأسرى الذين تحرروا في صفقة 2011، ثم اعتقلتهم لانخراطهم في عمليات المقاومة، لكن رفض إسرائيل لهذا الشرط أوصل المفاوضات سابقاً إلى طريق مسدود، حتى ظهر الفيروس الذي جعل حماس مستعدة لتخفيف إصرارها على هذا الشرط المسبق.

بدأت مفاوضات صفقة التبادل بما سمّتها حماس "مبادرة إنسانية"، وتشمل إفراج إسرائيل عن 250 أسيراً من المرضى والنساء والأطفال، مقابل تقديم معلومات عن الإسرائيليين الذين تأسرهم الحركة في غزة، وهكذا توفرت جملة أسباب وقفت خلف إمكانية إبرام الصفقة، بغرض حصول حماس على تسهيلات إنسانية وصحية لمواجهة وباء كورونا في القطاع، على أن تكون هذه الصفقة الجزئية مقدمة لصفقة أشمل وأعم.

لكن التقديرات السائدة تشير إلى معارضة تل أبيب لصفقة استباقية تتعلق بمعلومات حول مصير جنودها الأسرى في غزة، وتفضل إبرام صفقة شاملة، مع أن المفاوضات الجارية بين الطرفين عبر وسطاء تبدو مكثفة وجدية، بخاصة في ضوء توفر عدد من العوامل والأسباب التي تحفزهما على الذهاب إلى إبرام صفقة التبادل.

يكمن السبب الأول برغبة حماس في إعادة الأسرى الكبار والأطفال والنساء والمرضى إلى بيوتهم، خشية إصابتهم بالكورونا في السجون الإسرائيلية، والسبب الثاني أن حماس تخشى على سلطتها بالقطاع في حال انتشر الوباء، على الرغم من أن معدلات الإصابة هناك لا تزال منخفضة، لكن الحركة تخشى السيناريو الأسوأ، والسبب الثالث أن حماس تسعى لإبرام صفقة إنسانية، رغبة في كسر الجمود الحاصل في الصفقة الشاملة، تمهيداً لإحداث اختراق في المفاوضات العالقة منذ سنوات طويلة، بسبب إصرارها على إطلاق سراح أسرى فلسطينيين "ثقيلي العيار"، تصنفهم إسرائيل بأن "على أيديهم دماء إسرائيلية".

كل ذلك يؤكد التقديرات السائدة في المنظومتين السياسية والأمنية في إسرائيل بأن الفرصة الحالية قائمة، وبقوة، وربما لا تتكرر لاحقاً، للتوصل إلى تسوية وتفاهمات مع حماس، بما في ذلك القضايا التي بدت في الآونة الأخيرة غير قابلة للحل.

لكن المفاوضات الجارية، وفي ضوء المعلومات الشحيحة، تشير إلى تراجع إسرائيلي لا تخطئه العين بشأن ما يعرف في إسرائيل بمعايير إبرام صفقات التبادل مع المنظمات الفلسطينية، التي أقرتها لجنة "شمغار" القضائية، منذ ثماني سنوات، وجاءت في 100 صفحة تحت عنوان "سري للغاية".

هذه اللجنة قدمت في 2012، توصيات لوضع المزيد من العراقيل أمام إبرام أي صفقات تبادل قادمة، وتخصصت بتحديد المعايير التي يجب أن تتمسك إسرائيل بها في إبرام صفقات تبادل لاستعادة أسراها ومفقوديها ومخطوفيها، وتركز نقاش أعضائها حول الثمن المطلوب الذي يجب دفعه لمثل هذه الصفقات على المدى البعيد.

المفاوضات الجارية مع حماس تؤكد أن إسرائيل تنازلت عن المعيار الأساسي الذي وضعته اللجنة، وتقضي بأنه في حال بدأت مفاوضات استعادة جندي مخطوف، فإن إسرائيل توافق على إطلاق سراح أسرى بعدد محدود فقط، أما في حال كان الجندي قتيلاً، فإن استعادة جثمانه تجري بإطلاق سراح أسير واحد فقط، ومن الواضح أن هذه المعايير لن تجد طريقها إلى التنفيذ، لأن الحاصل حالياً يتحدث عن أعداد كبيرة من الأسرى الفلسطينيين الذين سيفرج عنهم.

جاء لافتاً في إطار التعليق الإسرائيلي على المفاوضات الجارية لإبرام صفقة تبادل الأسرى مع حماس، أنها تعطي انطباعاً أن حماس تتحضر لتنفيذ عملية "الاختطاف" القادمة، وأن الموضوع بات مسألة وقت حال نفذت صفقة التبادل الجديدة، التي ستسفر عن إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين الكبار.

ينطلق الإسرائيليون أصحاب هذه الفرضية المتخوفة من قناعة مفادها أن حماس تتعلم دروسها سريعاً، لأنه في اللحظة التي أبرمت صفقة التبادل السابقة في 2011 لإطلاق سراح الجندي غلعاد شاليط، ونتجت عنها إطلاق سراح مئات الأسرى الفلسطينيين، فقد تعلمت الطريقة ذاتها، وسوف تحاول تنفيذ اختطاف جديد بحق الجنود الإسرائيليين، لأنها تعتقد أن إسرائيل ستتنازل أولاً، وهو ما يحصل فعلاً هذه الأيام.

في الوقت ذاته، يزعم معارضو صفقة التبادل من الإسرائيليين أنه يمكن استلهام تجارب الماضي، حين شهدت الفترة بين عامَي 2000 و2006 مقتل 183 إسرائيلياً على يد أفراد من المقاومة الفلسطينية أطلق سراحهم من السجون الإسرائيلية، ومقتل 32 آخرين بأيدي أسرى محررين من صفقة التبادل مع حزب الله في 2003، وبعد صفقة التبادل مع الجبهة الشعبية القيادة العامة أحمد جبريل في 1985، قتل وأصيب مئات الإسرائيليين على أيدي المسلحين المحررين خلال الانتفاضة الأولى التي قادوها.

مع العلم أن أسر الجنود الإسرائيليين من قبل المقاومة الفلسطينية يعد استراتيجية ثابتة، فالسنوات الماضية شهدت محاولات عدة، منها ما نجح ومنها ما فشل، ومن العوامل الأساسية التي تدفع إلى اعتماد هذه الاستراتيجية الأعداد الكبيرة للأسرى الذين يحتجزهم الاحتلال في سجونه، جزء منهم من ذوي الأحكام المرتفعة، لا يمكن أن تفرج إسرائيل عنهم بسهولة إذا لم يتوفر ثمن مقابل.

تشير القراءات الإسرائيلية إلى أن مفاوضات صفقة تبادل الأسرى الجارية مع حماس عبر وسطاء، وعلى الرغم من أنها تغلق ملفات معاناة عائلات جنود إسرائيليين، بعد أعوام على الانتظار "المؤلم"، فإنها من جهة أخرى تكشف حجم الثمن الباهظ الذي ستدفعه إسرائيل، مما قد يعرض أهدافها الاستراتيجية للخطر، لأن النتيجة الطبيعية من تكرار صفقات تبادل الأسرى مع فصائل المقاومة أن إسرائيل تذهب باتجاه كما لو كانت تقوي من مواقع تلك الفصائل من دون أن تقصد بالتأكيد.

في الوقت ذاته، ستبدو إسرائيل كمن تقلل من أهمية جنودها الموجودين في الأسر، حين تمتنع عن القيام باسترجاعهم، وحين توقِّع على صفقة تبادل مع حماس، فمن الطبيعي أن أعداءها الذي يخطفون جنودها ومواطنيها، سيكونون في موقع الرابح الأكبر، وصفقات من هذا القبيل تظهر إسرائيل مستعدة للقبول بالتنازل عن كل شروطها، والخضوع للمطالب التي تعلنها تلك المنظمات المسلحة.

أكثر من ذلك فإن تلك الصفقات تعمل على تقوية مواقع حماس في المجال السياسي الفلسطيني، وتنامي شعبيتها وجماهيريتها، فضلاً عن أنها تمس بقوة إسرائيل الردعية، وتعمل على تشجيع فصائل المقاومة للقيام بعمليات اختطاف أخرى، وتخاطر بحياة جنودها الذين يقعون في أسرها، وبالتالي فأن تضحي إسرائيل بالكثير من أجل استعادة جنودها ومواطنيها، فهذا واجب عسكري تجاههم، لكنها قد تترجم سياسياً على أنها خضوع لمطالب المقاومة، الذين قد يرفعون الثمن المطلوب لتبادل الأسرى.

من خلال إلقاء نظرة فاحصة على سيل المواقف الإسرائيلية التي خرجت في الأيام الأخيرة، تعقيباً على المفاوضات الجارية مع حماس، يمكن استنتاج أن حماس لديها القدرة على اللعب على ورقة الرأي العام الإسرائيلي، والتأثير عليه، ليمارس بدوره ضغوطه اللازمة على المستويين السياسي والأمني للمضي قدماً في هذه الصفقة.

أخيراً، وعلى الرغم من أن الساسة الإسرائيليين يزعمون أنهم لن يرضخوا لما يسمونه "ابتزازات" حماس حين تقوم بأسر جنودهم من أجل المساومة عليهم، فإن التجربة التاريخية تشير إلى أنهم أجروا مفاوضات سابقة مع المقاومتين اللبنانية والفلسطينية مرات ومرات خارج الأراضي الفلسطينية، حتى وصل بهم التنازل إلى أن أجروا المفاوضات ذاتها مع حماس وإن بطرق غير مباشرة.

ولئن شكلت صفقة التبادل مع حماس في 2011 ضرباً من المستحيل "الفلسطيني" الذي تحقق، فإن الخضوع لمطالبها هذه المرة في 2020 سيكون نوعاً من الانكسار "الإسرائيلي" الكبير، على أمل أن يتحقق أيضاً!

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي