خلال هذه الجولة التي لم تزد عن يوم واحد، بات الإسرائيليون يعيشون رهينة قرارات حماس، وليس قرارات الحكومة الإسرائيلية، مما جعل إسرائيل بحاجة إلى قرارات حاسمة، وليس ردات فعل تتكرر، من قبل حماس التي ظهرت كمن تتحكم في دولة قوية كإسرائيل.

أكثر من أربع وعشرين ساعة مرت على العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، ولعلها الجولة الأقصر زمنياً بين الجانبين، في حين أنها حملت دلالات كبيرة: سياسية وأمنية وعسكرية.

الدلالة الأولى والأهم لهذه الجولة في بدايتها الأمنية الاستخبارية، حين اشتبكت كتائب القسام مع قوة إسرائيلية خاصة تسللت داخل مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، في ظل ترجيح أولي، لا يستند إلى معلومات دقيقة، أنها كانت تنوي تنفيذ مهام أمنية استخبارية بالدرجة الأولى، وهو ما أسفر عن استشهاد سبعة من كوادر حماس العسكريين، واعتراف إسرائيل بمقتل عقيد وإصابة آخر بجروح خطيرة.

شكّلت هذه الحادثة الصاعق الذي فجر المواجهة الأخيرة، على اعتبار أن رد المقاومة كان متوقعاً، بل وواجباً، لما شكّلته من إحراج للمنظومة الأمنية التي تسيطر على غزة

عدنان أبو عامر

شكّلت هذه الحادثة الصاعق الذي فجر المواجهة الأخيرة، على اعتبار أن رد المقاومة كان متوقعاً، بل وواجباً، لما شكّلته من إحراج للمنظومة الأمنية التي تسيطر على غزة، في ظل التقدير السائد بأن ما حصل هو اختراق أمني ثقيل العيار، رغم النجاح في وقف هذه القوة الإسرائيلية، لكن قرار الرد كان قد خرج من أدراج المقاومة، في انتظار تحيُّن الفرصة المناسبة..

ظهرت توقعات فلسطينية وإسرائيلية بأن رد حماس سيكون من خلال إطلاق رشقات صاروخية في اتجاه مستوطنات غلاف غزة، كما جرت عليه العادة، ولأن العملية أسفرت عن مقتل الضابط الإسرائيلي الكبير، والحيلولة دون نجاح القوة بتنفيذ مهمتها، التي لا يعرفها أحد حتى الآن باستثناء مشغليها الإسرائيليين، فقد بقيت توقعات الرد أن يبقى في سقفه المنخفض المتواضع.

مرت أقل من أربع وعشرين ساعة على هذا الاختراق الإسرائيلي لقطاع غزة، حتى انتهت حماس من تشييع شهدائها، وكان واضحاً أن القطاع على مقربة من جولة تصعيد عسكرية في ظل توفُّر جملة من المعطيات الميدانية، حتى حصل الرد غير المتوقع، من خلال إطلاق صاروخ كورنيت موجه ضد حافلة عسكرية إسرائيلية أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى إسرائيليين.

حتى انتهت حماس من تشييع شهدائها، حتى حصل الرد غير المتوقع، من خلال إطلاق صاروخ كورنيت موجه ضد حافلة عسكرية إسرائيلية

عدنان أبو عامر

مع العلم بأن هذا النوع من عمليات إطلاق صواريخ الكورنيت، يعني استنزاف الآلة الحربية الإسرائيلية، وبالتالي الهجوم على ما يعرف بـ"كبرياء" الجيش الإسرائيلي وعلى مستوى الصراع الإعلامي الدولي، ومثل هذه الأساليب القتالية من قبل المقاومة، لا سيما صواريخ الكورنيت، تنجم عنها نتيجتان هامتان:

النتيجة الأولى: أنها تسلب المبررات الأخلاقية من الاحتلال، وعلى مستوى الصراع الإعلامي الدولي لا يرفض أحد مقاومة شعب يرزح تحت الاحتلال العسكري منذ 70 عاماً، عندما يخوض هذا الشعب صراعاً ضد جنود الاحتلال. 

النتيجة الثانية: نجاح العمليات التي يقوم بها رجال خلايا المنظمات بتوجيه ضربة قاسية لكبرياء الجيش الإسرائيلي ولصورته التي لا تهزم ولقوة ردعه، وإذا استمرت هذه التوجهات فلا ريب أنها قد تؤدي إلى زيادة جرأة الخلايا وتماديها، وقد تشجع شباناً فلسطينيين آخرين على الانضمام إلى صفوفها.

لم يتوقف الرد عند هذه النقطة، بل انطلقت رشقات صاروخية من مختلف الفصائل الفلسطينية المقاوِمة، وركزت قذائفها في اتجاه منطقة غلاف غزة عموماً، ومدينة عسقلان جنوب إسرائيل خصوصاً، وخرجت مشاهد هدم المنازل، وعلوق الإسرائيليين تحت أنقاضها، ونزوح عائلات من منطقة الغلاف إلى وسط إسرائيل.

وعلى غير العادة، فلم يَسْعَ الجيش الإسرائيلي إلى قول الكلمة الأخيرة، وقد خرجت أصوات كثيرة خلال اجتماع المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر "الكابنيت"، وظهرت آراء مختلفة، لكن بدا واضحاً أنه لا أحد منهم يريد حرباً في غزة، مع العلم أن استهداف سلاح الجو الإسرائيلي للمباني والمنازل في قطاع غزة شكَّل إشارة إلى استعداده لما هو أبعد.

وعلى غير العادة، فلم يَسْعَ الجيش الإسرائيلي إلى قول الكلمة الأخيرة

عدنان أبو عامر

ورغم أن التهديد الإسرائيلي بحرب شاملة في غزة، لكن ذلك لم يُلغِ فرضية أن حماس تخشى الحرب، وإسرائيل ترى أنه لا يمكن أن تحقق منها أي مكاسب، وفي النهاية فإن جميع المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية، متفهمون أنه لا يوجد حل لهذه المشكلة المسماة غزة.

الإسرائيليون في هذه الجولة التصعيدية العسكرية يدركون، ويعترفون، أن إسرائيل لم تحسم أمرها في موضوع غزة، مرة تبحث عن تهدئة؛ وإذا دخلت جولة تصعيد تنتظر في أعقابها التدخل للتهدئة، لا يوجد قرار إستراتيجي بشأن غزة.

خلال هذه الجولة التي لم تزد عن يوم واحد، بات الإسرائيليون يعيشون رهينة قرارات حماس، وليس قرارات الحكومة الإسرائيلية، مما جعل إسرائيل بحاجة إلى قرارات حاسمة، وليس ردات فعل تتكرر، من قبل حماس التي ظهرت كمن تتحكم في دولة قوية كإسرائيل.

خلال هذه الجولة التي لم تزد عن يوم واحد، بات الإسرائيليون يعيشون رهينة قرارات حماس، وليس قرارات الحكومة الإسرائيلية

عدنان أبو عامر

الكثير من الأفكار عرضت، والمقترحات صدرت، بشأن الأهداف الإستراتيجية التي يفترض أن تحددها إسرائيل لنفسها في القطاع، أولها إعادة الهدوء لغزة عبر استعادة الردع الإسرائيلي، وثانيها العودة إلى مسار التسوية التي ستمنع أزمة إنسانية، وثالثها نزع سلاح القطاع، أو على الأقل منع تعزيز قوة حماس، وقد باتت الترجيحات الإسرائيلية متجهة نحو تفضيل الهدف الأول، بما يتطلب توجيه ضربة قاسية للذراع العسكري لحماس، وأن تُلحق أضراراً جسيمة به، وألا تتصرف وفق قواعد اللُعب التي تخدم حماس، وتمنع إلحاق ضرر الكبير بها.

في هذه اللحظات، ومع إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل والمقاومة، من المتوقع أن تخرج ردود فعل إسرائيلية تهاجم الحكومة على هذا القرار، بزعم أن من يقرر اليوم في المواجهة هي حماس، وليس إسرائيل، وما قام به المستوى السياسي الإسرائيلي منذ ثمانية أشهر حين انطلقت مسيرات غزة هو خذلان لمستوطني الغلاف، ولم تَعُد هذه الحكومة تعرف كيف تدير عملية عسكرية في غزة، ولذلك سيدفع الإسرائيليون ثمن ذلك.

يعتقد الإسرائيليون، ولعلهم على حق في ذلك، أن سياسة نتنياهو أوصلتهم إلى هذه اللحظة التي فقدوا فيها الردع، ولذلك ستكون مهمتهم المركزية هي إيجاد معادلة جديدة أمام حماس، بحيث ينزعون منها إبقاء زمام المبادرة بيديها، وعلى المستوى السياسي الإسرائيلي استخلاص النتيجة المطلوبة أن السياسة المتأرجحة المتذبذبة فشلت، وإعادة السيطرة على مجمل الأوضاع، بزعم أن الجيش لديه الخطط الكفيلة لذلك.

يعتقد الإسرائيليون، أن سياسة نتنياهو أوصلتهم إلى هذه اللحظة التي فقدوا فيها الردع، ولذلك ستكون مهمتهم المركزية هي إيجاد معادلة جديدة أمام حماس

عدنان أبو عامر

أخيراً.. ها قد انتهت الجولة الأخيرة من هذه المواجهة، ولا أحد يعلم إن كانت ستتجدد في قادم الأيام، أم تعض إسرائيل على جراحاتها، وترضى من الغنيمة بالإياب، على غير عادتها، سنكون أمام أيام حاسمة وحرجة، بحيث سيتبين لنا هل طوت إسرائيل صفحة هذه المواجهة، أم أنها تتحضر لجولة جديدة مع ضربة افتتاحية تحقق لها صورة الانتصار!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي