من حديث بالتلميح والإشارة إلى أن الموقف العربي كان خاطئاً باعتبار إسرائيل عدواً والعمل على مقاطعتها، إلى تصريح رسمي بمشاركة قرقاش في مؤتمر اللجنة اليهودية الأمريكية، وهي منظمة من دعاة الصهيونية.

طائرة المساعدات الإماراتية التي أرسلت للسلطة الفلسطينية من غير علمها. وقد وصلت الطائرة إلى مطار بن غوريون في فلسطين المحتلة 
طائرة المساعدات الإماراتية التي أرسلت للسلطة الفلسطينية من غير علمها. وقد وصلت الطائرة إلى مطار بن غوريون في فلسطين المحتلة  (AA)

عام فقط كان كافياً لوزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش كي تتحول معه عبارة "قرار مقاطعة العرب لإسرائيل كان خاطئاً للغاية" إلى "يمكننا العمل مع إسرائيل في بعض المجالات، بما في ذلك مكافحة فيروس كورونا ومجال التكنولوجيا".

من حديث بالتلميح والإشارة إلى أن الموقف العربي كان خاطئاً باعتبار إسرائيل عدواً والعمل على مقاطعتها، إلى تصريح رسمي بمشاركة قرقاش في مؤتمر اللجنة اليهودية الأمريكية، وهي منظمة من دعاة الصهيونية.

يتسارع الموقف الإماراتي مع الزمن لإعلان التطبيع مع الكيان الصهيوني بشكل رسمي، قرقاش الذي يغرد داعياً إلى التطبيع في كل عام مرة أو مرتين عبر حسابه على تويتر، أصبح يعكس الموقف الإماراتي الرسمي من القضية الفلسطينية والتطبيع مع الكيان الصهيوني.

الإمارات تجاوزت مرحلة جس النبض وسياسة إلقاء حجر في المياه الراكدة لقياس ردة الفعل العربية ضد ما تقوم به، فسلطة أبوظبي تسير بخطوات مدروسة منذ سنوات نحو علاقات رسمية ومعلنة مع الكيان الصهيوني.

والمسألة ليست اختلافاً في الرؤى مع الدول العربية أو حاجة إلى تعاون إماراتي-إسرائيلي في مواجهة كورونا، المسالة أبعد وأعمق ولها علاقة بتقاطع الرؤى والأيديولوجيا، ورسم استراتيجيات التعامل مع حكومات وتيارات عربية بعينها على رأسها الإسلام السياسي في المنطقة.

في عام 2018 نشر موقع نيويورك تايمز الأمريكي تقريراً مفصلاً عن فضيحة تجسس تورطت فيها شركة NSO الإسرائيلية بالتعاون معحكومة الإمارات، للتجسس على نشطاء حقوقيين ومسؤولين في دول عربية.

والشخص الذي كشف الواقعة كان الناشط الحقوقي الإماراتي أحمد منصور الذي تم اختراق هاتفه عبر برنامج بيجاسوس للتجسس، فتواصل مباشرة مع مركز بحوث كندي لإجراء تحقيق حول الواقعة وهو الذي أثبت تورط حكومة الإمارات في فضيحة التجسس تلك، ويمكن أن نسمي هذا النوع من التطبيع بـ "تطبيع الهجمات السيبرانية"، وهو أمر تتفق فيه الإمارات مع دولة الاحتلال في محاربة النشطاء العاملين في مجال حقوق الإنسان واستهدافهم.

كان عام 2019 عام التطبيع المعلن بين الإمارات والاحتلال، إذ زارت للمرة الأولى وزيرة إسرائيلية أبو ظبي بشكل معلن ورسمي، وتجولت داخل أحد أكبر المساجد وسجلت مقطعاً مصوراً من داخل المسجد تتحدث فيه عن تقارب ثقافي بين الجانبين، وعن استقبال حافل وترحاب حار لمسته من المسؤولين الإماراتيين.

أضف إلى ذلك مشاركة فرق رياضية إسرائيلية في بطولات استضافتها الإمارات وعزف النشيد الإسرائيلي فيها، واستضافة وزير الاتصالات الإسرائيلي خلال مؤتمر عقد في دبي، وما سربته صحف عبرية عن زيارة شخصيات سياسية إسرائيلية إلى الإمارات بشكل سري.

لكن اللافت للنظر كان تصريحاً من السياسي الأمريكي رئيس المنظمات اليهودية الأمريكية مالكولم هوين، أشاد فيه بولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد خلال حديثه عن زيارة قام بها على رأس وفد من المنظمات اليهودية إلى الإمارات، وكان يضم 70 شخصية.

وقال هوين لقناة "جويش برودكاستين سيرفس" اليهودية إن الإماراتيين أخبروا الوفد أنهم يعملون على تغيير المناهج الدراسية، وتغيير مجتمعهم من الداخل لتقبل التطبيع مع إسرائيل، كما لفت انتباهه أن الوزراء الإماراتيين كانوا يذكرون اسم إسرائيل علناً في كل اجتماعاتهم.

مخطط الإمارات للتطبيع مع إسرائيل بدأ منذ سنوات، فقد كنت شاهداً على ذلك في أحد التسريبات الصوتية الخاصة بالرئيس عبد الفتاح السيسي أذعتها فترة عملي في قناة مكملين الفضائية عام 2015.

فقد كان اللواء عباس كامل برفقة الفريق محمود حجازي في نقاش حاد عن جدوى حضور وزير خارجية مصر حينها نبيل فهمي مؤتمراً تنظمه أبو ظبي ويحضره شمعون بيريز الرئيس الإسرائيلي الراحل في كل عام برفقة مسؤولين ووزراء من دول عربية، لم يكن الاعتراض على حضور مؤتمر في وجود بيريز لكن الاختلاف كان أن فهمي لم يستأذن المجلس العسكري قبل ذهابه.

الإمارات تعتبر الآن من أكبر الرعاة الرسميين للأهداف الإسرائيلية في المنطقة، فهي رأس حربة حصار قطر التي تراها دولة الاحتلال أكبر الداعمين لثورات الربيع العربي، وتيارات الإسلام السياسي.

كما تعتبر الإمارات العدو الأكبر والمباشر في المنطقة لكل تيارات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين سواء في مصر أو ليبيا أو غيرها.

الإمارات أيضاً لا تروق لها كثيراً حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وترى فيها تهديداً كبيراً بل تعتبر بعض قياداتها قيادات إرهابية، أضف إلى ذلك المناورات العسكرية المشتركة التي تجريها الإمارات برفقة إسرائيل في السنوات الماضية، ودعمها لخليفة حفتر في ليبيا ضد حكومة يفترض أنها قريبة من الإسلاميين.

الأسبوع الماضي وبعد نشر صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية مقالاً للسفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة ومهندس عملية التطبيع الإماراتية الإسرائيلية تحدث فيه عن مخاطر ضم إسرائيل للضفة الغربية وأغوار الأردن، نشرت نفس الصحيفة مقالاً آخر للباحثة موران جازا أشارت فيه إلى تجاهل العتيبة بعض الحقائق الهامة في العلاقات الثنائية بين الإمارات وإسرائيل.

موران جازا قالت إن العتيبة لم يتحدث عن آلاف السائحين الإسرائيليين الذين زاروا بلاده بفضل تغاضيها عن جوازات السفر الأجنبية التي صدرت في تل أبيب، ومئات المشاريع التجارية التي تجرى حالياً بين الدولتين، وعشرات الوفود الإسرائيلية الرسمية التي حضرت المسابقات والمؤتمرات في الإمارات، وحوالي 2000 من السكان اليهود المقيمين في أبو ظبي ودبي، والتدريب العسكري السنوي لسلاحي الطيران برعاية الولايات المتحدة، والملايين التي تذهب بحسب تقارير أجنبية إلى الصناعات العسكرية الإسرائيلية.

اللافت أيضاً أن موران ختمت مقالها بتبيان جوانب التوافق بين الجانبين، في إشارة إلى محاربة الإمارات لما أسمته التطرف الديني والإرهاب، وهو ما تريده إسرائيل بشكل واضح.

رويداً رويداً تسير الإمارات نحو علاقة رسمية معلنة لا ريب فيها مع دولة الاحتلال، لن تعبأ فيها بحق الشعب الفلسطيني أو رفضه لهذه العلاقة المشبوهة، وستحاول فيها أن تجمل الصورة من خلال إرسالها مساعدات إلى الشعب الفلسطيني دون إذن السلطة، فهي سترسلها مباشرة إلى مطارات تل أبيب وكأن الاحتلال الإسرائيلي بات الممثل الشرعي للقضية الفلسطينية وشعبها الصامد الأبي.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي