بدأ بعض شوارع وميادين مصر يشهد احتاجات غير مسبوقة ضدّ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إثر دعوات للتظاهر أطلقها الفنان والمقاول المصري محمد علي.

لا يمكن التكهن بمآلات التظاهرات المحدودة "غير السبوقة في عهد السيسي" التي انطلقت في عديد المدن المصرية، استجابة لنداءات فنان ومقاول مصري كان قبل أقل من شهر محسوباً على الطبقة الحاكمة في مصر.

كما لا يمكن الاستناد إلى نظرية "السبب الواحد" في تفسيرنا لخروج البعض إلى الشارع مطالبين برحيل عبد الفتاح السيسي، لكننا نجزم بأن حاجز الخوف بدأ يتصدع، وكذلك التذمُّر بدأ يتصاعد.

الطبقة الحاكمة المصرية والأسئلة الصعبة 

الذي حرّك الراكد لم يكن الإخوان المسلمين، ولم تكن الأحزاب المعارضة أو التقليدية، بل إنه أحد المرتبطين بالطبقة الحاكمة، خرج غاضباً، مذخَّراً بمعلومات وطريقة أداء مدروسة، فاجأت الجميع بلا استثناء.

الفنان محمد علي، تَعرَّض لما تعرض له أحمد شفيق، وسامي عنان، ومديرو المخابرات العامة، وبعض ألوية الجيش، بمعنى أن ميكانيزمات الطبقة الحاكمة المصرية تمارس استبداداً مزدوجاً، إذ لم تكتفِ بإسكات الجمهور المصري، بل ذهبت بعيداً في ضرب من يهمس داخل الطبقة الحاكمة.

من هنا نفهم أن أسئلة تطرحها حالة الطبقة السياسية المصرية الحالية، منها: هل داخل الطبقة الحاكمة أو داخل المؤسسة العسكرية انقاسامات شديدة؟ هل يوجد غاضبون من باب المصلحة أو من باب انحدار الأداء؟ هل ما زالت دولة مبارك حاضرة؟ هل أخفق السيسي في إنتاج طبقة تؤمن به؟ هل في وعي جزء من الطبقة الحاكمة المصرية قناعة بأن بقاء الوضع على ما هو عليه سيقود إلى السقوط والفشل القريب؟

المخابرات العامة المصرية.. غاضبة ومعزولة

لم يكن خافيا على أحد وجود صراع خفي بين المخابرات العامة المصرية والمخابرات الحربية، إذ كانت الأخيرة من القوة بحيث أطاحت باثنين من كبار رؤساء المخابرات العامة المصرية، لينتهي الأمر بالمخابرات العامة إلى الخضوع للإشراف المباشر لمكتب الرئيس السيسي بعد سلسلة من التسريبات الإعلامية والمواجهات الخفية.

كان من الواضح أن الصراع بين مراكز القوى في ذروته بحيث أخرج عديداً من كبار الألوية من الخدمة العسكرية، في حين كان أبرز الأدوات الظاهرة لهذا الصراع التسريبات الهاتفية والإعلامية التي وتّرَت المناخ الداخلي في مصر، وتعاظم شأنها قُبيل الانتخابات الرئاسية.

هذا الصراع والتكسير يدلّل بوضوح على أن الطبقة الحاكمة المصرية ليست بخير، وأنها تعيش مرحلة عدم يقين. أضف إلى ذلك ضعف أداء الإدارة المصرية الحالية. كل ذلك يساعد على امتزاج الخلاف الشخصي "الانتقام المؤسسي" مع البعد الوطني الغاضب من الأخطاء القاتلة والبائنة بينونة كبرى.

لماذا انتظرت الطبقة السياسية كل هذا الوقت؟

الطبقة السياسية المصرية التي تشكلت بعد الانقلاب على الديمقراطية، بلعت كل التناقضات التي بينها، وقبلت كل الأخطاء التي مارسها الرئيس بفجاجة، ولذلك لثلاثة أسباب:

الأول: الهاجس من عودة الاخوان، فالجبهة الداخلية للطبقة تتماسك بفعل الفزاعة المسماة "جماعة الإخوان المسلمين"، والطامحين استسلموا لفزاعة "خطر الإخوان".

ثانيا: الدور الكبير الذي لعبته دول الإقليم (الإمارات والسعودية) في لملمة الواقع المصري، فالاهتمام الإقليمي والمساعدات المكثفة قدمت جناحاً في السلطة على باقي التفصيلات، بل سمحت له بالاستقواء على الجميع.

ثالثا: وجود الرئيس مرسي، فوجوده أعاق أي محاولة داخل الطبقة الحاكمة للتشكيك في الرئيس السيسي، فأيّ محاولة للذهاب إلى الشعب ستكون نتيجتها المطالبة بعودة مرسي، لذلك سكتت الطبقة وبلعت الطعم الحاكم بكل رحابة قهر.

ما الذي تَغيَّر اليوم؟

المشهد في مصر اختلف عن السابق، فرحيل الرئيس المنتخب محمد مرسي، أزال أهمّ العوائق والهواجس التي تقف عثرة أمام الطامحين إلى السلطة، كما أنها أزالت تلك الفزاعة التي كان يتكئ عليها أي مساس بطهورية عبد الفتاح السيسي.

إضافة إلى ذلك، لم تعُد في مصر معارضة يُخشى أن تملأ الفراغ وتستغل حركة الجماهير، فالإخوان المسلمون في مصر يعانون حالة موت سريري، فمن جهةٍ حطّم النظام أدواتهم، ومن جهة أخرى هناك تشرذم وانقسام كفيل بمنعهم من القدرة على امتطاء أي موجة تغيير تصيب الحالة المصرية.

أما الاهتمام الإقليمي فقد شهد تراجعاً كبيراً من جهة اشتباكه مع القضية المصرية، فالخصوم الإقليميون (قطر وتركيا) منشغلون بإشكالاتهم المعقدة، وروافعهم في الداخل المصري باتت محاصرة باستثناء الدور الممكن أن تلعبه قناة الجزيرة.

التغيرات البيئية لا تقتصر على خصوم الطبقة الحاكمة بل على حلفائها، إذ انشغل الحلفاء والأصدقاء بأزماتهم وبصراعات استنزفت قدراتهم، سواء في منطقة الخليج العربي "السعودية والإمارات" أم في الولايات المتحدة الامريكية.

هذا فتح الانشغال الباب واسعاً لإشعال الصراع وتصفية الحسابات داخل الطبقة الحاكمة، فالبيئة الداخلية في مصر ناضجة جدّاً لتعبّر عن نفسها بالقدر الذي تسمح به المعطيات.

هل تنجح ململة الداخل السلطوي؟ 

هل ستنجح هذه الململة القادمة من داخل الطبقة الحاكمة في مصر في تحقيق أهدافها؟ هذا سؤال كبير تعتمد الإجابة عنه على استجابة الشارع، وعلى المدى الذي أراده الغاضبون من تحريك الشارع، ومع ذلك فهناك احتمالات متعددة، أهمّها:

الاحتمال الأول : أن تتجاوب الجماهير مع النداءات القادمة من الطبقة الحاكمة، ونشهد موجة ثورية جديدة تتجاوز الجميع.

الاحتمال الثاني: أن يتمكن الرئيس عبد الفتاح السيسي من احتواء الموقف وتصفية مزيد من الخصوم الداخليين.

الاحتمال الثالث: أن تحدث تحالفات جديدة وموازين قوى مختلفة داخل الطبقة الحاكمة "سواء بوجود السيسي أو من غيره".

الاحتمال الرابع : أن يراجع السيسي سياساته نتيجة تلك الهَبَّات الشعبية، ويعمل على إحداث انفتاح سياسي يشبه ما قرره مبارك عام 2005، وقد نذهب إلى تسوية بين الإخوان والنظام.

الأيام القليلة القادمة حاسمة

قادم الأيام كفيل بإظهار أي الاحتمالات سيكون أقرب للواقع، فالمسألة صعبة التكهن، والسبب أن الشعب المصري مُتعَب ومُرهَق، وتلك صفة ذات حدين وذات مزاجين متناقضين.

لكن المؤكَّد أن مياهاً راكدة تحركت في مصر، وأن استجابة لها ستكون من السلطات ومن الشعب، لكن طبيعة النتيجة والمآلات ستكون صعبة التوقع، لأن الدينامية باتت حال المنطقة بلا منازع.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي