تمتلك الشعوب الإسلامية إرثاً ثرياً ومتنوعاً من عادات وتقاليد وطقوس تحتفي بالحجيج، يشتبك فيها الاجتماعي الدنيوي بالديني المقدس حتى تصير معطى ثقافيّاً عقديّاً يتباين التعبير عنه باختلاف طبيعة المجتمع وخصوصيته التاريخية والجغرافية وعلاقاته بالجوار.

في المجتمعات القروية والبدوية على سبيل المثال، ونظراً إلى طبيعة الحياة اليومية الشاقة، كان يُحتفى بالحجيج عند الوداع والاستقبال، وتصبح تلك المناسبة فرصة سانحة للابتهاج والمرح والتخفف من عبء العمل.

إذ يُنظر إلى الحاجّ واحتفاليته نظرة "العُرس" الذي تسري عليه قوانين الواجب الاجتماعي والتزاماته، وإن كان على نحو أكثر تفاعلية بين الطرفين "الحاج ومحتفليه"، وفي ضوئه تنكشف الروابط الاجتماعية التي تتوسط بينهما، وتتباين بتباين المكانة والنوع الاجتماعيَّين للحاج سواء كان رجلاً أو امرأة.

إذ تكتسب وجوه الإنفاق والمبادلة في تلك المناسبة المعنى الاجتماعي، حيث لو كان الحاج رجلاً مقتدراً يمتلك حيّزاً مهمّاً من تراتبية السلطة والمال والزعامة، فعليه أن ينفق ببذخ ويهب لرعاياه أو لمن يدنوه في السلّم الاجتماعي المال والطعام وسبل الترف والتسلية، في ما يطلق عليه " الإنفاق الفخري أو النبيل" الذي يعكس مكانته ومسؤوليته.

فيما يصبح "إنفاقاً تكافلياً أو تعاونياً" حال كان الحاج فقيراً أو متوسط الحال، مما يوجب على الأقرباء والجيران مهاداته عينيّاً ونقديّاً. جدير بالذكر هنا أنّ الهدايا العينية من نوعية المواد الغذائية، كانت إلى وقت قريب (ربما نتحدث في حدود عقدين مثلاً) تنتشر في المجتمعات الريفية التي كانت لا تزال تعتمد تبادلاتها العينية في معاملات البيع والشراء، كأن تشتري كيلوجراماً من السكر بعدد خمس بيضات.

في ذات السياق، وقياساً على منظور الأنثربولوجي كلود ليفي شتراوس (1908-2009)، في ما يتعلق بمسألة تبادل الهدايا والمساعدات، يمكننا أن ندرج جميع الخطابات والعبارات التواصلية من الدعاء والتحايا والمديح والإنشاد وغيرها، ضمن الفعل التبادلي المُهدَى في تلك الاحتفاليات بهدف تمتين الروابط الاجتماعية.

بَيدَ أن تلك التبادلات بالاجمال، قد طرأ عليها في العقود الأربعة الأخيرة عديد من التغيرات التي خفّفَت كثافة تمثلاتها، وساهمت في تقليصها كل مدى، إذ بفعل الانفتاح على سبل الحداثة ولو بظاهرها، تَفكَّك عديد من أشكال العلاقات الاجتماعية سواء داخل العائلة الواحدة أو حيّز الجيرة وتخففت من أحمالها، وحدث نوع من الانكفاء على الذات ومزيد من تحديد درجات القرابة.

وعليه فقد اندثر عدد من الطقوس والعادات، فمثلاً لم يعُد اهتماماً ولا واجباً على الحاج أن يطوف على جيرانه وأقربائه وسكان بلدته طلباً للعفو عن أخطائه قبل الرحيل إلى مكة. تلك العادة التي كانت تنتشر أكثر في المجتمعات البدوية والقروية، التي كان يكثر بها ضغائن الحمية القبَلِيَّة والعائلية، لكن لم تمانع وجود ولو درجة من الألفة الاجتماعية التي كانت تسمح بفتح الأبواب والبيوت بكل أريحية وشعور بالأمان، لأن يتبادل الطرفان الكلمات والابتسامات ولو لدقيقة واحدة.

وبالمثل لم يعد لوجوه الإنفاق والبذخ وتبادل الهدايا معنى قيمي، سيما في البلدان التي تأثرت بتدهور الاقتصاد والحروب السياسية كاليمن وليبيا وسوريا وغيرها من المناطق التي كانت لا تزال إلى عهد قريب تتكثف بها مظاهر تلك الاحتفاليات، وحتى في المجتمعات المستقرة، تجردت هدية الحجيج بدرجة ما من المعنى الديني والاجتماعي القديم الذي يرمز إلى دلالة "البركة والمحبة"، إذ مع انفكاك الرابط الاجتماعي نسبيّاً، إضافةً إلى وطأة الأعباء المعيشية المتزايدة، وارتفاع تكلفة الحج والمرور الجمركي وغيرها، يتخلى البعض عن تبادل الهدايا أو يلجأ إلى شرائها من الأسواق المحلية في دولته، وتقديمها كشكل روتيني أو إحياء فلكلوري مبهج، سيما في المدن.

وسائط حداثية وأخرى أصولية

يُلاحَظ أيضاً أنّ تغير وسائط المعرفة والتواصل والنقل والترفيه، قد بدّل أو ساهم على نحو تامّ في اندثار عديد من طقوس وعادات الاحتفال بالحجيج.

إذ نجد مثلاً أنّ ما يُسمَّى جداريات الحج، تلك الرسومات والزخارف التي كان يُزيَّن بها منازل الحجيج من الخارج تعبيراً عن الابتهاج تباهياً بإعلان أداء الفريضة، نظراً إلى ما تشترطه من استطاعة مادية ولياقة بدنية تستدعي الافتخار، عوضاً عمَّا يترتب عليها من إسباغ مكانة معنوية مميزة للفرد المسلم ثرياً كان أو فقيراً، إذ قد تَطهَّر من الذنب وأصبح محل تبجيل يُحوّزه ثقة من حوله.

إلا أنّ تلك الجداريات في سبيلها إلى أن تصير مجرَّد إرث ثقافي منتهٍ، وهو ما يعكس التغيرات التي طرأت على العمران والتخطيط الهندسي للمنازل، ضمن عملية التمدين والتحديث التي طالت القرية، إذ كانت تلك الجداريات تُرسَم على الجدران والأبواب الخارجية للبيوت المبنية من الطوب والطين التي لا تتعدى الطابقين، كما كان لإعلان المعنى الديني والاجتماعي أهمية تفّوق المعنى الجمالي، إضافةً إلى ثقل الديني في تحديد الوجاهة الاجتماعية.

على عكس اليوم، فإنّ أغلب المساكن يُبنى وَفْق أحدث المعايير الهندسية المعنية بالمعيارين الجمالي والمادي اللذين يُبرِزان الوجاهة الاجتماعية، مما يعني أن تلك الجداريات فقدت وظيفتها وأصبحت بمثابة تشويه لهذا النسق المعماري الجمالي العصري.

كذلك تبدلت وسائط السفر وتوافرت سبل الراحة والأمان، إذ كانت نوعية وسائط النقل والاتصال القديمة، التي كانت تعرّض الحاجّ للمخاطر والإرهاق، توجب على الأهل والأقرباء مساندته وتقديم الدعم النفسي له، لأنّ يتحمل مشاقّ السفر، إذ كانت الأغاني والأناشيد والأهازيج تندرج ضمن هذا الإطار في ما يُعرف بـ"حنون الحج"، وهي تراث شفاهي متناقل عبر الأجيال، وليس نصوصاً مدوَّنة إلا في حدود الأرشفة المتأخرة للتراث الثقافي.

وقد اندثر عديد من تلك الأناشيد، نظراً إلى انتفاء وظيفتها المعرفية والاجتماعية أيضاً، إذ كانت تمثل وسيطاً معرفياً في البلدان والمجتمعات الريفية التي ترتفع بها نسب الأمية الأبجدية، بما لا يسمح بالاطّلاع قراءةً على تعليمات السفر ومخاطره، وكذا معرفة أركان الحج وإتمام مناسكه، لكن في ظل ارتفاع معدَّلات التعليم وشيوع وسائط المعرفة المسموعة عبر وسائل الاتصال والتواصل التقليدي والرقمي التي أتاحت مواد هائلة من التثقيف الديني بجانب الوظيفة الترفيهية النفسية، لم يعُد لتلك الأناشيد والأهازيج أهمية كبيرة، باستثناء انحصارها بين صفوف الأجيال القديمة ممن ليس بوسعهم التعاطي مع تلك الوسائط الحداثية.

أيضاً كان للمَدّ الأصولي الوهابي وانتعاشه في المجتمعات الإسلامية دور بارز في تقليص ذلك التراث، لاحتوائه على عديد من الأفكار الدينية والثقافية المتوارثة من المجتمع بصفته التاريخية، بما لا يتفق ورؤيتهم الفقهية والتفسيرية للنص الديني وممارساته على حرفيته، إذ تعكس تلك الأغاني والأهازيج التراثية مركزية آل البيت ومحبة الرسول محمد، بقدر محبة الوسطاء الشفعاء من الأولياء الصوفيين.

إذاً، وارتباطاً بكل ما سبق، لم تكُن احتفاليات الحجيج مجرَّد إرث شفاهي وتفاعلي يرمز إلى الثقافي والديني بقدر ما يعكس التغيرات التي تَعرَّض لها المجتمع في كليته عبر التراكم التاريخي وما شهده من الإدماج بين التقليدي والحداثي، وإجراءات التوسع المدني والتحضر داخل النطاق الريفي والبدوي، وكذا عصرنة بعض جوانبه وتحوُّلها من الشكل الاعتباطي الطوعي إلى الهيكلة التنظيمية، مثل تَحوُّل تبادل المساعدات والمنح ضمن عمل المؤسسات الخيرية المدنية المنظمة، مما يعني أننا حين نتحدث عن اندثار مظاهر الاحتفال بالحجيج، ففي الوقت ذاته يعني اندثار شبكة معقدة من صور الترابط المجتمعي وأنماط الاقتصاد والمعرفة والثقافة، ومن ثمّ أنماط السلوك ومعيارية القيم.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي