سقط بوتفليقة، تقدّم الشارع المنتفض خطوة على النظام المتراجع، إنها مناورة، ولكن احتمالات توسّع الانتفاضة واردة، مثل احتمالات نفاذ صبر النظام على الشارع قبل جرّه إلى العنف وتدمير تحركه.

يحتفظ الوضع الجزائري بما يكفي من الغموض؛ لكي نكتب عن احتمالات لا عن توقعات يقينية؛ إنها الجزائر العسكرية الجامدة، ولكنها الجزائر الشعبية المتحركة، وبينهما مستقبل بلد قوي بالتاريخ وبالموقع وبالثروة.

المعارضة الجزائرية من يعرفها؟

بعيداً عن الشباب الجزائري الذي يتحرّك خارج أطر الأحزاب الجزائرية تبدو الصورة من خارج الجزائر غائمة نسبياً، فماذا بقي من جبهة الإنقاذ الإسلامية (الفيس)؟، وماذا بقي من حزب القوى الاشتراكية؟ وأين اليسار الجزائري غير لويزا حنون؟

عملية إنقاذ البلد من العنف المسلح أخذت في طريقها معارضة مشتتة ومنقسمة ومرتبكة فلم يتطوّر المشهد السياسي بالقوة المرجوة فضلاً على أن حرية الإعلام لم تعِش أبهى صورها.

نور الدين العلوي

لقد خرج الجزائريون قبل غيرهم بمشهد حزبي متعدد من تجربة التسعينات الدامية، ويبدو أن الجميع ظلّ مرتبكاً من احتمالات عودة العنف، فترك هامش فعل سياسي للحكومات، ولرئيس بوتفليقة تحت لافتة الوئام المدني فتقدم النظام على حساب المجتمع المدني (الحزبي بالتدقيق) وحكم مبادراً، بينما لاحقته الأحزاب فلم تنل الحظوة اللازمة من موقع المشاركة في السلطة، ولا من موقع المعارضة إسلاميةً كانت أو يسارية.

عملية إنقاذ البلد من العنف المسلح أخذت في طريقها معارضة مشتتة ومنقسمة ومرتبكة؛ فلم يتطوّر المشهد السياسي بالقوة المرجوة، فضلاً على أن حرية الإعلام لم تعِش أبهى صورها رغم وجود بوتفليقة، فقد استعمل خطاب التفرّغ للمعركة ضد الإرهاب للحدّ من الحريات السياسية.

في الجزائر كما في تونس بن علي كان استبعاد الإسلاميين من المشهد السياسي كافياً لكثير من اليسار؛ لكي يتوقف عن ممارسة عمل المعارضة، فالمهم أن الجزائر ليست في أيدي الإسلاميي، وهذا يكفي لكي ينصرف اليسار عن إزعاج السلطة السياسية كان الفساد ينخرها، ولوبيات المال والأعمال المشبوهة تسيطر عليها وتفقر شبابها "الحيطيست" (هي تسمية جزائرية لأولئك العاطلين عن العمل الذين يمكثون طول اليوم مستندين على الجدران في الشوارع).

شتات الجبهة الإسلامية للإنقاذ المتهم بالعنف المسلح كان يحاول تنظيف نفسه من إثم المشاركة في العنف. وبعضه ليس له فيه ناقة ولا جمل، ولكن الخروج عن الدولة كان كارثياً على جسم حزب ثقيل ربح انتخابات بخطاب شعبوي وبلا برنامج يحتكم إليه في حالات السلم. ولم يصدر عن الحزب "الممنوع من الوجود القانوني" خطاب مراجعة فعلية يعيد تأهيل الحزب؛ لذلك فإن شتاته لم يظهر في الشارع إلا شتاتاً بلا يافطة حزبية.

إذن من يقود الشارع الآن؟

من يقود الشارع في الجزائر؟ وهل يملك أن يناور مع الجنرالات الذين تراجعوا خطوة بإلغاء ترشيح بوتفليقة؟ ولكن لا نظنهم إلا متقدّمين خطوات للحفاظ على النظام باسم الحفاظ على السلم الأهلي، كأنهم لا يرون رقي الشارع، الذي يتجاوزهم في الحفاظ على سلامة البلد، نحن نتحدث عن خروج المارد الجزائري من قمقمه، ولكن تظل صورة قيادات التحرك "الأشخاص والأفكار" غامضة.

هناك خوفاً كبيراً من اختراق سياسي للحراك في محاولة لدفعه إلى العنف والاشتباك مع قوات الأمن وتنفير الناس منه بتخويفهم من نقص المواد واضطراب توزيعها بعمليات احتكار إجرامية.

نور الدين العلوي

هنا يزداد الغموض، فالشارع منظم بشكل مذهل حتى الآن؛ وإن ظهر خلاف بين قيادات نجهلها بخصوص العصيان المدني ليوم الأحد 10مارس/آذار. لقد نجح العصيان المدني، لكنه ترك خوفاً كبيراً من اختراق سياسي للحراك، في محاولة لدفعه إلى العنف والاشتباك مع قوات الأمن وتنفير الناس منه بتخويفهم من نقص المواد واضطراب توزيعها بعمليات احتكار إجرامية.

لم تخلُ تحركات الشارع من صور رومانسية ذكّرت بالربيع العربي في تونس وفي مصر سنة2011؛ بل يبدو أن الجزائريين يزايدون في إبهار جيرانهم بسلميتهم ورقي تحركاتهم بما في ذلك مظاهرات باريس المساندة، لا يمكن لهذا أن يصدر عن عقل عفوي، توجد قيادة وتخطيط ونظام تواصل قوي وفعال، وليس فقط تخاطر قلوب ثائرة مليئة بالأمل.

الآن حلّ وقت المناورات كسر العظم.

لم يعد للنظام مرشح، وتم عملياً تأجيل الانتخابات كأنّ بوتفليفة، ومن يتخفى خلف كرسيه المتحرك، سينفذ ما ورد في بيان الترشح دون أن يكون هو المرشح، وأهمّ ما في بيانه إنجاز دستور جديد وهيئة انتخابية مستقلة تشرف على كل الانتخابات.

هذه المناورة تعطي وقتاً لفريق بوتفليقة لترتيب خروج آمن له ولهم بالتحديد، فهم محتاجون إلى الوقت وها هم يطلبونه بما يكشف أنهم لم يكونوا يتوقعون خروج الشارع عليهم وإرباكهم بهذه الطريقة، الوقت في تقديرهم سيميع التحركات الشعبية، ويصبّ عليها ماءً بارداً فتعود إلى ما كانت فيه قبل انطلاق ربيع الجزائر، نعم. يمكننا القول "ربيع الجزائر الثاني"، ولعلهم يستعجلون شهر رمضان؛ لكي يرهق الشارع. وينسوا ليل رمضان الزاخر بالاحتمالات.

منظومة الفساد التي توسع نفوذها زمن بوتفليقة لن تسمح بترك البلد للشارع الحالم بالديمقراطية؛ لقد بان هذا واضحاً في التجربة التونسية والمصرية؛ فحيث همد الشارع وسلم لآليات العمل السياسي المؤسساتي تسرّبت منظومة الفساد وإعادة الانتشار في مفاصل السلطة وحكمت.

والحقيقة أن الحالة التونسية المجاورة للجزائر تقدّم للجزائريين مثالاً مدرسياً يمكن التعلم منه بمجرد متابعة أخبار قتل الأطفال في المشافي نتيجة استشراس لوبي الأدوية الفاسدة في قطاع الصحة.

ستكون هناك مناورات مماثلة في الجزائر، وسيعاني الشارع العفوي من ذلك، ويجد نفسه منساقا إلى المشاركة في معارك اللوبيات بدون أن يشعر بأنه خرج من معركته، إلا إذا انتبه فعلاً وقرأ الحالة/التجربة التونسية بدقة.

سلطة الخوف وحسابات الخسارة والربح

توجد مؤشرات وعي تظهر الآن في سلمية التحرك، وفي تغييب شعارات الصدام مع النظام، وفي الإصرار على تغيير شامل؛ لا فقط إلغاء العهدة الخامسة التي بدأ بها التحرك. وسنعرف يوم الجمعة (15-مارس) قوة الشارع ومدى انتظامه في ما يعد له من جمعة الرحيل.

المواطن الجزائري قد سبق غيره إلى اختبار هشاشة السلطة وزيفها ولو تسلّحت بخطاب الثورة والوطنية.

نور الدين العلوي

لكن يوجد العسكر الغامض، والذي يتمتع بمباهج السلطة من وراء الرئيس المدني والمشهد الحزبي التعددي الفاشل، وللعسكر علاقة متينة بالفساد، بل هو راعي الفساد وحاميه، وليس أعلم بالجزائريين من ذلك. هل يقتدي الجيش الجزائري بالجيش المصري ويستولي على السلطة بالقوة ويقمع الشارع أم يقتدي بالجيش التونسي ويسمح للعملية السياسية بأن تتقدم بصيغها المدنية ولو طال زمن التغيير وأرهق الجيش؟ المثالان ماثلان أمام الجنرالات، ولكن ليس لهم النظر السديد، وإلا لما دفعوا الجزائر إلى الوضع الذي تصبح فيه بدا مهددا بالاضطراب.

سنسمع حديث المحافظة على سلامة التراب الوطني كأن التهديدات فعلاً محيطة بالبلاد، وسنسمع حديث المحافظة على المؤسسات كأن الجيش هو ضامنها فعلاً. ولكن سنسمع أرحل قوية وتزداد قوة.

الاحتمال الجزائري الأقوى أن المواطن الجزائري قد سبق غيره إلى اختبار هشاشة السلطة وزيفها، ولو تسلّحت بخطاب الثورة والوطنية وقد منحها وقتا (20سنة) لكي تصلح من حالها ففسدت أكثر، حتى وضعت المواطن في وضع ليس لديه فيه ما يخسره؛ لذلك سينقل الخوف إلى النظام؛ فالنظام مجموعة مصالح عندها الكثير لتخسره.

سلطة التخويف تتراجع، والخوف ينتقل إلى قلب النظام، وحديث المصلحة الوطنية يثير ضحك المواطن الجزائري، ويضع قائلة محل تندر الشارع؛ أما حديث الثورة الجزائرية فالشارع أولى به، وهذا هو الاحتمال الأقوى الآن في الجزائر في انتظار جمعة الرحيل منتصف مارس/أذار.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي