يتّبع النظام المصري سياسة ممنهجة لوأد أيّ تحرك سياسي معارض في مهده داخل البلاد وذلك بغض النظر أكان هذا التحرك علماني التوجه أو إسلامي.

شنّت قوات الأمن حملة أمنية شرسة فجر يومَي 25 و26 يونيو/حزيران 2019، طالت في بدايتها بضعة من النشطاء، من خلفيات مختلفة، سياسيين وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان ورجال أعمال، انضموا جميعاً أمام النيابة إلى القضية 930 لسنة 2019، التي عُرفت إعلاميا باسم "خلية الأمل".

وبعد ساعات من القبض عليهم أصدرت وزارة الداخلية بياناً قالت فيه إن قطاع الأمن الوطني تَمكَّن من رصد المخطَّط العدائي الذي أعدَّته قيادات الجماعة الهاربة بالخارج بالتنسيق مع القيادات الإثارية الموالين لها ممن يدّعون أنهم ممثلو القوى السياسية المدنية، ويسمى «خطة الأمل» التي تقوم على توحيد صفوفهم، وتوفير الدعم المالي من عوائد وأرباح بعض الكيانات الاقتصادية التي يديرها قيادات الجماعة والعناصر الإثارية، لاستهداف الدولة ومؤسساتها، وصولاً إلى إسقاطها تزامنا مع احتفالات 30 يونيو.

ولا يخفى على أحد أن الهدف الرئيسي وراء حملة الاعتقالات هذه، هو وأد تحالف مدني علماني جديد في طور التكوين، يضمّ أحزاباً وحركات سياسية وشباباً مستقلّين، يسعون لتنظيم صفوف التيارات المدنية من أجل خوض انتخابات مجلس النواب المزمع عقدها العام القادم، على نحو يعكس استمرار مساعي النظام المصري لإغلاق المنافذ والطرق السلمية كافة للتعبير عن الرأي والتنظيم السلمي والمشاركة السياسية وتداول السلطة، ولو ضمن الأطر الدستورية والقانونية ومن خلال انتخابات يُفترض أن تكون تنافسية وحرة ونزيهة.

إعلان استمرار موت السياسة في مصر.. خطّ زمني

لا يمكن النظر إلى هذه الحملة الأمنية المسعورة بمعزل عمَّا سبقها من حملات طالت القوي السياسية العلمانية في البلاد، لا سيما بعد مجزرة رابعة وانفراد عبد الفتاح السيسي بالحكم المطلق للبلاد.

فعلى مدار الأعوام الماضية التي قضاها السيسي في سدة الحكم، وبعد أن قضى على مظاهر السياسة كافةً في البلاد، لم يتوانَ عن تذكير الجميع باستمرار هذا الموت، وفي كل فرصة تُتاح لظهور أي مبادرة سياسة في الشارع المصري ينقضّ النظام في هجمة أمنية عنيفة للقضاء على هذه المبادرة وإعلان استمرار موت السياسة في مصر.

فلم تكن هذه الحملة الأولى من نوعها، فقد سبقتها حملات مشابهة تزامنت مع الانتخابات الرئاسية السابقة ومع التعديلات الدستورية التي مُرّرَت في أبريل/نيسان الماضي، إذ قُبض على بعض القيادات الوسطى بأحزاب المصري الديمقراطي الاجتماعي، والدستور، والحركة الوطنية، ومصر القوية، والعيش والحرية تحت التأسيس، بهدف شلّ حركة الأحزاب والحركات السياسية وترهيب البرلمانيين لضمان استمرار المناخ القمعي المطلوب لتعديل الدستور، حسبما أكَّدَت منظمات حقوقية في بيان لها في ذاك الوقت.

وفي مايو/أيار 2017 قُبض على المرشح الرئاسي السابق خالد علي و 8 من أعضاء حزب العيش والحرية الذي يمثّل خالد أحد مؤسسيه لعرقلة ترشُّحه للانتخابات، وذلك بعد إعلان خالد نيته الترشُّح في حوار أجراه مع أسوشيتد برس في شهر مارس/آذار من نفس العام عبَّر فيه عن نيَّته الترشُّح للرئاسة في 2018، بعدما عرقل لبعض الوقت عملية تسليم جزيرتَي تيران وصنافير للسعودية من خلال تحريك عدد من الدعاوى القضائية.

وفي الأول من ديسمبر/كانون الأول 2017، ظهر العقيد بالجيش المصري أحمد قنصوه بلباسه العسكري في شريط مصوَّر، معلناً نيته الترشُّح للانتخابات الرئاسية، على غرار ما فعله السيسي على شاشة التليفزيون الرسمي في عام 2014، غير أن المدعي العامّ العسكري أصدر في اليوم التالي قراراً بحبسه خمسة عشر يوماً. وفي وقت لاحق أصدرت محكمة شمال القاهرة العسكرية حكماً بسجن قنصوه لمدة ست سنوات مع الشغل والنفاذ.

في كل فرصة تُتاح لظهور أي مبادرة سياسة في الشارع المصري ينقضّ النظام في هجمة أمنية عنيفة للقضاء على هذه المبادرة وإعلان استمرار موت السياسة في مصر.

محمد عادل سليمان

وفي نفس اليوم رُحّل الفريق أحمد شفيق من أبو ظبي إلى القاهرة وتُحُفِّظ عليه في أحد الفنادق بشرق القاهرة إلى أن أعلن تراجعه عن قرار الترشح للانتخابات الرئاسية الذي سبق وأعلن عنه في27 نوفمبر 2018.

أما الاعتقال الأبرز فكان في 23 يناير/كانون الثاني 2018 حين ألقت الشرطة العسكرية القبض على رئيس الأركان الأسبق للقوات المسلحة الفريق أول سامي عنان بعد يومين من إعلان ترشحه للانتخابات، واتهمته القيادة العامة للقوات المسلحة في بيان رسمي صدر عنها بارتكابه مخالفات قانونية جسيمة، إلى جانب محاولاته الوقيعة بين الجيش والشعب في بيان ترشحه.

في ذات السياق اعتقلت الشرطة العسكرية المستشار هشام جنينة، الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، وعضو الفريق الرئاسي للمرشح المحتمل سامي عنان، صباح الثلاثاء 13 فبراير/شباط، وأُحيلَ إلى المحاكمة العسكرية، عقب تصريحاته بشأن امتلاك رئيس أركان الجيش المعتقل "أدلة تُدين كثيراً من قيادات الحكم الحالية، في الأحداث الجسيمة التي وقعت عقب ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011".

وفي 14 فبراير 2018 قُبض على رئيس حزب مصر القوية، المرشح الرئاسي السابق عبد المنعم أبو الفتوح، و 6 قيادات في حزبه (أخلت سبيلهم لاحقاً)، من داخل منزله في منطقة التجمع الخامس شرقي القاهرة، عقب عودته من العاصمة البريطانية لندن، بعد أقل من أسبوع على اعتقال نائبه في الحزب محمد القصاص، بعد إخفائه قسريّاً ليومين. ووجّهَت إليه النيابة العامة عدداً من الاتهامات من بينها استغلال المناخ السياسي المصاحب للانتخابات الرئاسية المرتقبة، والتعاون مع جماعه الإخوان المحظورة لتنفيذ أعمال تخريب ضدّ المنشآت الحيوية للدولة لخلق حالة من الفوضى.

وفي 23 أغسطس/آب 2018 أُلقِيَ القبض على الدبلوماسي والعسكري السابق السفير معصوم مرزوق، بعد إعلانه عبر صفحته على فيسبوك بداية الشهر الجاري عن مبادرة يطالب فيها بإجراء استفتاء شعبي حول استمرار النظام الحالي في الحكم من عدمه. وكانت المبادرة تتضمن الدعوة إلى الاحتشاد في ميدان التحرير يوم 31 أغسطس، إن لم يستجِب النظام لفكرة الاستفتاء.

وأخيراً في فبراير/شباط 2019 ألقي القبض على عدد من أعضاء حزب الدستور بمختلف المحافظات، وجاء ذلك بعد أقل من شهر واحد على إجراء انتخابات داخلية بالحزب نتج عنها تغيير رئيسه وهيئة مكتب الحزب، ومحاولة المجموعة الجديدة الاشتباك مع الواقع السياسي وإبداء اعتراضها على التعديلات الدستورية المزمع إجراها في هذه التوقيت.

وتأتي قضية خلية الأمل لتستكمل مسيرة النظام المصري في وأد أي مبادرة سياسة، خاصَّة إذا كانت متعلقة بأي استحقاق سياسي.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي