في الرسم التوضيحي تظهر الأوراق النقدية بالدولار الأمريكي بجانب الأوراق النقدية بالليرة التركية  (Murad Sezer/Reuters)
تابعنا

يستهدف النظام الاقتصادي في إطار سعيه نحو تحقيق التقدّم والرفاهية للشعوب مجموعة من الأهداف الرئيسية تتمثّل في تحقيق الكفاءة الإنتاجية، والتوظيف الكامل لعناصر الإنتاج المتوافرة، والعدالة التوزيعية، ورفع معدلات النمو الاقتصادي، وكلّ ذلك يهدف إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي، والذي يعني عدم وجود تقلبات حادة في مؤشرات الاقتصاد الكلي للدولة.

ولا يعني هذا الاستقرار جمود مؤشرات الاقتصاد الكلّي بل يتحقق من خلال استخدام السلطات الاقتصادية كافة الآليات التي تُقلل من حدة تأثير الصدمات الداخلية والخارجية على المواطن المحلي والذي قد يقبل ببعض الصعود أو الهبوط في مؤشرات الاقتصاد الكلي، لكنه سينزعج بشدة جراء تقلباته المفرطة والتي تؤثر، بلا شك، على قوته الشرائية ومستوى معيشته وقدرته على توفير احتياجاته الرئيسية.

وفي إطار السعي نحو تحقيق الاستقرار الاقتصادي بعد فترة من التقلّبات المفرطة لسعر صرف الليرة والارتفاع المتصاعد لمعدلات التضخم المحلية، اتخذت السلطات الاقتصادية التركية مجموعة من الآليات التي يمكن وصفها بالمعقولة، في ظل الظروف التي يمرّ بها الاقتصاد العالمي والذي يشهد ارتفاعاً كبيراً ومتصاعداً في أسعار النفط، وهو الأمر الذي أجج تكاليف الإنتاج والنقل لكل السلع، خاصة السلع كثيفة استخدام الطاقة، وفي مقدمتها الأسمدة والتي تصاعدت أسعارها بصورة كبيرة خلال العام الماضي مما أدى إلى ارتفاعات غير مسبوقة لأسعار المحاصيل الزراعية الأساسية والذي ساهمت بنسبة كبيرة منها التغيّرات المناخية الحادة التي يشهدها العالم.

كما تستمر أزمة سلاسل الإنتاج والتوريد والتي أدت على سبيل المثال إلى إعلان العملاق الياباني "تويوتا" إيقاف شبه تام للإنتاج في 11 مصنعاً لها في اليابان، وهو القرار الذي سيؤدي إلى تأخير إنتاج إجمالي 94 ألف مركبة، ومن المنطقي أن تتعاطى السلطات الاقتصادية التركية مع تلك الظروف العالمية والتي ستؤثر بشدة على الأوضاع الداخلية وفي مقدّمتها معدلات التضخم.

وبداية يجب الإشادة بتصريح وزير المالية نور الدين نباتي منذ أيام والذي أشار إلى أن معدل التضخم المحلي لم يصل ذروته بعد، وأنه يتوقع أن يبلغ معدل التضخم ذروته عند نحو 40% في الأشهر المقبلة وألا يتجاوز 50% هذا العام، ثم يأخذ بعدها في الانخفاض ليبلغ 8.2 في المئة نهاية عام 2023، ثم يبلغ 5 في المئة بنهاية 2024.

ويمكن اعتبار أن هذا الاعتراف، بمشكلة التضخم وعدم التهوين من استمرارها وتصاعدها، والتذرّع بالأسباب العالمية وتجاهل الأسباب الداخلية المتمثلة أساساً في انخفاض قيمة الليرة، هو ما دفع الإدارة التركية إلى إعداد حزمة من الآليات والتي تستهدف تقليص الآثار السلبية للمتغيرات الداخلية والخارجية على معدلات التضخم.

وفي إطار سعيها نحو تحقيق الاستقرار الاقتصادي، أعلنت الحكومة التركية حزمة من الآليات، تكوّنت من أربعة عناصر أساسية من أجل الحدّ من تقلبات أسعار الصرف التي شهدتها البلاد طيلة الشهور الثلاثة الماضية، كان في مقدمتها آلية الودائع المحمية والتي نجحت في جذب ما يزيد على 203 مليارات ليرة تركية حتى 25 يناير/كانون الثاني الجاري، يأتي ذلك في إطار استهداف البنك المركزي تحويل 10% من العملات الأجنبية إلى الليرة التركية بحلول 17 أبريل/نيسان 2022، و20% بحلول 17 أغسطس/آب 2022، وقد حذّر المركزي البنوك التجارية من التراخي في السّعي نحو تحقيق هذا الهدف مُهدِّداً بخصم 1.5% سنوياً من السيولة الاحتياطية التي تحصل عليها منه.

ورغم أن آلية الودائع المحمية خطفت الأنظار إلى حد كبير باعتبارها آلية ابتكارية لم تُجرّب عالمياً مِن قبل، وبالإضافة إلى تحقيقها نجاحات ناجعة في فترة زمنية قصيرة للغاية، إلا أن الآليات الثلاثة الأخرى التي وضعها المركزي موضع التنفيذ لا تقل أهمية عنها، حيث أجبر البنك المركزي البنوك التجارية والمصدَِرين على بيع 25% من حصيلة التصدير إليه، وبذلك يضمن المركزي شراء ما لا يقل عن 40 مليار دولار بحلول نهاية 2022.

كما قرر المركزي التركي عبر الآلية الثالثة شراءً إجبارياً للعملة الأجنبية المساوية لقيمة العقار الذي يريد الأجانب شراءه، من خلال عملية تثمين إجباري للعقار يُجريها "بنك زراعات" التابع للدولة، وهي الآلية التي تستهدف جمع مبلغ 15 مليار دولار بنهاية عام 2022، قياساً على عدد وحدات العقار المباعة للأجانب في العام الماضي والتي بلغت 68 ألفاً و600 عقار.

أما الآلية الرابعة فكانت إقرار سداد قروض إعادة الخصم بالعملة المحلية والمستخدمة من بنك Eximbank عن طريق بيع العملات الأجنبية إلى البنك المركزي. بما يستهدف توفير 25 مليار دولار سنوياً.

ومن الواضح أن فلسفة بناء تلك الآليات انطلقت من العمل على تخفيض حدة "الدولرة" واستدامة تدفق النقد الأجنبي داخل خزائن القطاع المصرفي والحفاظ على احتياطيات النقد الأجنبي بما يدعم استقرار سعر الصرف، الأمر الذي لن يمنع حدوث انخفاضات متوقعة له حتى تؤتي كلّ تلك الآليات ثمارها، ولكنه من المؤكد أن الانخفاضات الجديدة لن تكون بنفس حدة الانخفاضات السابقة، لا سيما في ظلّ التعاون مع الدول الصديقة من خلال اتفاقيات المبادلات التجارية بالعملات المحلية معها، بالإضافة إلى بعض الودائع المتدفقة إلى البنك المركزي وآخرها وديعة المليار دولار من صندوق النفط الأذربيجاني.

وفي إطار السعي لخفض معدل التضخم الداخلي كذلك، تدرس الحكومة التركية حالياً تقييد صادرات 20 منتجاً خلال فترات معينة من العام، كما تعمل وزارة الخزانة والمالية التركية حالياً على إعادة النظر في معدلات ضريبة القيمة المضافة في جميع المجالات خاصة على المنتجات الغذائية الأساسية في محاولة منها للسيطرة على الارتفاع الكبير في الأسعار.

استعادة الاستقرار عبر آليات وإجراءات اقتصادية هدف تسعى إلى تحقيقه كلّ دول العالم في أعقاب الأحداث العالمية الشائكة، ولكن واقعية تلك الآليات وإمكان تحقيقها على أرض الواقع بأقل الأضرار الممكنة هو الضمانة الحقيقية لتحقيق الاستقرار الذي يهيّئ المناخ الملائم لشحذ الاستثمارات المحلية والأجنبية بما يوسع الإنتاج ويوفر فرص العمل ويحسّن مستوى المعيشة لجمهور المواطنين، والواقعية التركية في بناء الآليات هي التي مهّدت لإرهاصات النجاح الحالية، وستعمل على استمرارها خلال الفترة المقبلة.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي